كتب: شعيب الأحمدي
ذكرى عصية على النسيان، هذه صورته معلقة على الجدار، ما زال
صوته يدوي في الذاكرة. حمزة أصبح رجلًا قوي البنية، هو مثل أبناء جيله، يطمح أن يحقق
أحلامه من خلال السفر، حلمه أن يحمي الوطن. وهبته للوطن والتحق بالجيش.
مرت الشهور في مكان التدريب، يداهمني الخوف على صحته، هل
يأكل جيدًا؟
خرج من معسكره بعد أربعة أشهر، الساعة العاشرة مساء الرابع
من رمضان، تلقيت مكالمة صوتية، يتحدث بحماس:
- الحمد لله يا أبي حققت الحلم.
نبرةً لذيذة لطعم انتصار الحلم. أكمل:
- سأقضي إجازتي الأسبوعية معكم.
بهجة عودة حمزة من مأرب؛ جنديًا، أضافت لنا الراحة.. سألته
عن مأرب، رد:
- مأرب بحاجة إلى رجال، يعشقون الشهادة كما يعشق الأعداء
الحياة.
متحمسًا كمن يدافع عن عرضه، عزيمة كقائد باع نفسه للوطن،
بلا خوف من الموت، المناضلون يجهزون معداتهم القتالية لساعة إنهاء الباطل:
- سامحني إذ لم نعد بعد الفجر؛ ربما نتأخر أسبوعًا.
شعرتُ كل شيء توقف أمامي، التزمتُ الصمت.. ويضيف:
- إذا ارتقيت شهيدًا لا تبكِ.
تغمرني رهابة الخوف عليه، إنه شاب متحمس، قد لا يطبق ما تعلّم،
وأشياء تجول في الذاكرة، صمت رهيب حدث، وضحكه تمزجها شفافية الواقع:
- لن يحدث شيء.. لا تخف.
أغلق هاتفه. مرت الليلة بسعادة تغمرنا، ترتيبات تُقام في
المنزل.. تحدثت أم حمزة بحماس:
- ابني أصبح شابًا، أتمنى أن أجد له عروسًا تناسبه.
وابل من المطر الخفيف يتساقط على الأرض، كلامها في مخيلتي،
لم ينم الأطفال أيضًا، ينتظرون هداياهم المعهودة.
شعرتُ أن هناك شيئًا ما يقلقني. آنذاك أول معركة للجيش بمأرب
خامس أيام رمضان؛ أتذكر حديثه عن الشهادة ويشتعل الألم، لاحظت الزوجة ملامحي تُصفر،
ولا أتناول الطعام.
استقمتُ.. ذهبت إلى غرفتي.. بعد أن صليتُ الفجر لم أنم بسلام،
حاولت أن أُهاتف حمزة، لكن هاتفه لا يجيب..
اتصال من رقم مجهول، فتحت الخط ظننته حمزة؛ رد صوت آخر:
- أبو حمزة؟
الدموع تسابق النبأ اليقين، رجفة في النطق من ألم اللحظة:
- حمزة شهيدٌ مجيدٌ.
بعد هجومٍ مباغتٍ، توقف الزمن في تلك اللحظة، الشمس تنسحب
حزينة من النهار، أغلق هاتفه.
أخبرتُ الزوجة بالحادثة الأليمة، ملأت البيت بزغاريد.. في
الصباح اشتدّ انقباض صدري وأنا في طريقي إلى مأرب.
قبل دخولي إلى ثلاجة الموتى، تسلمت الزي العسكريّ ملطخًا
بالدماء، وعلمًا جمهوريًا يقيه من البرد.. وجدته مبتسمًا كمن يستقبل والده بعد أن يعود
من الغربة، لكن هذه المرة لقاء بطعم الفراق.

