اسطورة برج الفتاة والقدر

https://drive.google.com/uc?export=view&id=1Buy4SO0NM-kGgfpJ5sHvfQJnQHmCqULh

جمعتنا جدتي في يوم لتقص علينا حكاية القدر على حد قولها وبرغم أنها لا تؤمن بالحكايات الخيالية إلا إنها أختارت ان تقص علينا حكاية ' ابنة الملك التي لدغها ثعبان ' 

رأينا وراء جدتي بحارًا فجرت وسفنًا خرجت لتسير أمامنا.. ورأينا شبابها يعود شيئًا فشيئًا ..

وتناثرت كلماتها  

'' في يوم من الايام انتشر في المدينة ان الملك رأى حلمًا فحواه ان ابنته الوحيدة  سيلدغها ثعبان ..

جن جنون الملك ردم جزءا من مضيق البوسفور وقرر الملك ان يعزل ابنته الوحيدة ليبعدها عن اي مكروه  

وبنى لها برجًا وسط البحر .. 

عاشت الفتاة به وحيدة  ... سلب منها البحر اي أمل في الحياة .. كانت كل موجة تأخذ عمرا منها .. وكانت هي تمنح البرج الحياة .. 

حتى اتى لها الحب ... حارس من حراس البرج قد عشق ظلماتها .. اراد ان يصرح عن حبه .. جلب لها سلة ورد قد احتوت على الأمان والود والشوق ولدغة من ثعبان لتختم عمرها بداخل ذلك البرج وسط المياه ... برج الفتاة...''

تنهدت جدتي وازاحت المياه بجوارها وقالت :

'' لا احد يهرب من قدره  وان كل اختيار  يصب ماءه في بحر القدر ...'' 

سلسلة من الاختيارات مهدت لنهاية واحدة 

كانت هذه الحكاية انعكاس لسؤال اكبر ماذا لو لم نختار.. ماذا لو كنا مثل هذه الفتاة لم تختار كيف نعيش  وأين.. وكنا كقطعة شطرنج نتحرك وفقًا لقرارات الآخرين.. 

ثم تابعت '' إنه القدر والاختيار.. ربما كانت حكاياتي اغرب من فتاة البرج فبعد ان انتشر في المدينة خبر موت الفتاة .. اصاب فتيات المدينة الذعر واعتبروا ان ذلك نذير شؤم .... تركت المدينة وذهبت لزيارة اختي حتى تهدأ الاوضاع ... مالبثت ان استقر حتى قامت الحرب وأغلقت كل المدن بالكامل ..شهر يجر شهر .. ولا أمل في الخروج لا رجعة حتى اصبحت جزء من المكان .. ولم يبقى سوى غيري  لم اتزوج ورجل غريب مثلي لم يتزوج، انتهت كل فرص الاختيار، ولم يبقى سوى اختيار واحد ... حينها تقنع عقلك ان هذا أنسب اختيار لك وتتعايش معه..."

وظلت الجدة  تمتمتم  حتى غفت في ثباتها العميق ..

بعد ان قصت جدتي الحكايات  جلست انا وصديقاتي نتحدث عن اقدارنا ومصيرنا وما وصلنا له نتيجة اختيار كل واحدة شكل حياة يختلف من اول الدراسة العمل وحتى الزواج..

ادركت حينها بالرغم اننا نختلف في اختياراتنا إلا ان كل واحدة تحاول ان تقنع الاخرى باختياراها   وكأنه قانون وضع لان فلان وفلان قد قام به وان هذه الحقيقة ولا غيرها..

وكأن بعض العقول إختارت في وقت ان تسير على نهج موضوع لتستريح من عبء الاختيار ...

القدر والاختيارات وجهان لعملة واحدة .. تعتقد أحيانًا انك تختار وتتذكر انه المكتوب فتسلم لما كتب لك ..

يصاب العقل بهلع عندما يقع امامه اختيار سيترتب عليه قرارت مصيرية .. يقف في الزاوية .. يبكي يصرخ .. ينكر .. ثم يعود لرشده .. ويتحمل مسؤلية الاختيار .. ثم يبكي ندمًا عندما يخطئ..ويعود مرة اخرى ان كل شيء مكتوب ..

**

اسطورة برج الفتاة في مضيق البوسفور إسطنبول 

متلازمة البلح الزغلول - والخوف من طعم الشتاء

بلح تمر


"تمرك طرح ملى عراجيني..

عاشقك وليه تتراجيني

ماهو يا أجيلك يا تجيلي يا غزالي

سلم عليّ لما قابلني وسلم عليّ ولدي يا ولدي".

تحت ثيمة أغنية "سلم عليّ" الفلكلورية تم غناء هذه الأغنية أكثر من مرة بكلمات مختلفة، منها المنتمي للفلكلور، ومنها من قام بتأليفه على نفس الثيمة القديمة لهذه الأغنية المعروفة، والعجيب في هذه الثيمة أنه أيًّا كان المطرب فستنجح معه. ليلى مراد، حجازي متقال، نجاة الصغيرة، فهد بلان، روبي، اسماعيل يس، مي فاروق، وخطيب مع الموزع الموسيقي مولوتوف... جميعهم قدّموا الأغنية بكلمات ومقاطع وتوزيعات مختلفة تُنتج في النهاية نفس اللحن.

المقطع المكتوب في البداية هو من أغنيه "سلّم عليّ" التي غناها المطرب الشاب خطيب، وخطيب المطرب الرئيسي لفرقة "هوس"،  ومن وزّعها هو الموزع الموسيقي "مولوتوف".

استوقفتني كلمة عراجيني فقمت بالبحث عنها؛ عرفت أن العرجون هو ما يحمل البلح على النخلة، وفي القرآن الكريم: "وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ". القمر بعدما يمر بمراحله من أحدب وتربيع وبدر وهلال وصولًا إلى المحاق، يمر بمنازل مختلفة واضعةً تقويم إلهي لمن يستطيع فقط المتابعة والتأمل ليصل قبل إنتهاء الشهر الهجري بيومين إلى هلال رفيع للغاية أصفر اللون، وذلك هو شكل العرجون إذا ظل لفترة طويلة على النخلة، فلقد كان سعفة قبل أن يمر بمنازل عديدة ليصبح عرجون قديم.

البلح من الفواكه الساحرة في شكله، ويمكن بسبع حبات منه أن تعطي جسدك ما يحتاج من الطاقة طيلة اليوم، إذا جُفّف أصبح تمرًا، وبطريقة أخرى يمكن تركه على النخلة حتى يصبح رُطبًا سوداء اللون بعدما كان أحمرًا، تهرب قشرته من عليه بمجرد لمسها تاركةً سحرها ليذوب في الفم، ويا حبذا لو تم وضعها مع السمن والبيض لتكون وجبة غذائية شتوية دسمة تعطي الجسم الدفء والطاقة لمجابهة برودته. وبلح أَمهَات بلون بُني إذا ما تُرك البلح الأصفر في الشمس. والكحك لن تكتمل حلاوته إلا إذا أُضيف إليه العجوة. والإفطار في مغرب رمضان لا تجوز إن لم يكن الخشاف حاضرًا على المائدة. حتى في الوصفات الحديثة؛ فهناك حلوى ابتُكرت من العجوة بعد فرمها وتشكيلها ككرات صغيرة، تُغطيتها الشيكولاتة، يستسيغها الأطفال بدون نفور من فكرة العجوة.

يظهر موسم البلح مع انسحاب الصيف ودخول الخريف، مع انتهاء الإجازة ودخول الدراسة. لظهور البلح أجواء فرضها علينا ذلك الموسم، أعراض جانبية، منها اختفاء البطيخ والمانجو ليحل محلهم الجوافة والبرتقال، وتبدأ نسمة البرد الخفيفة تتسلل من الأماكن الصغيرة بالمنزل، شباك تُرك مفتوحًا أو باب موارب، وتبدأ الشمس في كسر كبريائها، وتبدأ حرارتها في الخفوت، وتملأ السحب صفحة السماء.

هذه أجواء تؤهل النفس للاستعداد للدراسة، وكان لا بد لها من وجود طعم لهذه الأجواء، ذلك الطعم هو طعم البلح الزغلول، البلح الأحمر أو الأصفر الطويل، التنميلة والخدر الذي يتركهم في الفم بعد قضم قطعة صغيرة، هذا هو طعم سبتمبر، طعم الخريف، طعم الدراسة.

في المدرسة كنت لا أحب وجود البلح الزغلول في المنزل؛ لأنه يذكرني بقرب المدارس، بعد التخرج تحول الأمر معي لمتلازمة أخرى، أصبحت أخشى ظهور البلح الزغلول حتى لا يتفاقم الاكتئاب ويزيده بلة الإكتئاب الشتوي اللطيف، ولكن يبقى البلح الزغلول بطعمه المخدر متعة لها رونقها الخاص، فجيل الـ Date لا يعرف الـ Dates.

* Date: موعد غرامي.

* Dates: بلح.

السباحة ضد التيار - قصة قصيرة لـ أحمد السملاوي



كانتِ المهمَّة الموكَّلَة إليّ أن اندمج في هذا العالم بأسرع ما يُمكن، أن أكون جزءً منه، نَقْل تفاصيل تلك التجربة بكل ما تحمله من غرابة شديدة، الانغماس التام في تلك التجربة والقدرة على التعبير عنها.

في البدء استدعاني المنتج الكبير "سعيد ياسين" إلى مكتبه في شارع شامبليون، حين سمعتُ رنين هاتفي في هذا اليوم ورأيتُ رقمه الذي قمت بحفظه في هاتفي منذ سنوات، كدت أن أجنّ، يا الله.. هل هذا صحيح؟! هل تذكرني بعد أعوام طويلة؟!

منذ فشل فيلمي الأخير الذي كتبته وأخرجته لم يطلبني أحد حتى لكتابة أو إخراج مشهد واحد، كان الفيلم عن قرية صغيرة فقيرة تئِنُّ تحت وطأة عصابة من (المطاريد)، الجمهور اتهمني بعدم الواقعية بينما انهالت أقلام النُقَّاد تتهمني بأنني بوادٍ والناس بوادٍ آخر، لعنة كبرى حلَّت عليّ، جاء صوته هادئًا:

- يا خالد.. أريد أن أراك غدًا في المكتب الساعة التاسعة صباحًا.

لعبتْ بي الظنون مجددًا، هل يمكن أن يخاطر أحد بأمواله في فيلم لي مرة أخرى؟!

لم أنم في تلك الليلة، ظللتُ ساهرًا طيلة الليل أرقب عقارب الساعة البطيئة التي تتحرك كرجل عجوز أكله الزمن، أشرقتِ الشَّمسُ بمعجزة كبرى بعد أن مرَّ الليل طويلًا كيومٍ مقداره ألف عام، ما إن دقَّت عقارب الساعة السابعة صباحًا حتى نزلتُ مسرعًا إلى سيارتي التي تقف أمام البيت متربةً كخردةٍ من مخلَّفات الحرب، منذ أشهر لم أستخدمها إطلاقًا، أتحرك في نطاق (الكومباوند) فقط مستخدمًا دراجة هواء، اكتشفتُ عدم دوران السيارة لخلوها من البنزين ولخلو جيبي من أي نقود منذ أكثر من شهرين طرقتُ فيهم أبواب الأصدقاء وبيوت العرافين ودخلت قصور ملوك الجان على أملِ أن أجد حلًّا لإفلاسي، طلبتُ سيارة (أوبر)، وصلتُ في أقل من ربع ساعة، القاهرة صباحًا تبدو مثل أمٍّ طفح كيلها؛ تنهر فتيانها المشاغبين، السيارة تعبر شوارع القاهرة المزدحمة رغمًا عنها وسط حصارٍ صباحي من باصاتٍ وسيارات المواصلات ووجوه مُجهَدة لم تنم الليل تتثاءب في ضجر، ساعة ونصف قطعتها السيارة حتى وصلتُ إلى البناية في شارع (شامبليون)، ما زال وجهي معروفًا للبعض، ما إن لمحني بواب البناية حتى وقف مؤدِّيًّا لي التحية:

- أهلًا يا أستاذ خالد.. أكيد حضرتك طالع عند ياسين بيه.. هو لسه واصل.

أشرتُ له بكبرياء مصطنع يليق بعظمة استقباله المبالغ لي:

- ادفع للسائق حسابه.

تحول وجهه ضجرًا، أعرف ما يدور في ذهنه، لَعْن جدودي منذ جدي السادس عشر، حين دخلتُ إلى المكتب كانت (السكرتيرة) الفاتنة تتلقى مكالمة هاتفية انشغلتْ بها عن تحيتي، قاطعتُها:

- عندي موعد مع ياسين بيه.

نهضتْ وفتحت باب مكتب ياسين، ثم بعد ثوانٍ أشارت لي بالدخول، مكتب فخم يليق بوزيرٍ حيزت له الدنيا بحذافيرها، صورة ضخمة خلف المكتب الفخم لياسين يرتدي بدلة رمادية فوق قميص أبيض يكاد أن ينفجر من بطنه الضخمة، يبتسم فيها ابتسامة سمجة، دخلتُ، صافحني بسلام فاتر وهو يَجُزُّ على أسنانه، حاولتُ أن أصافحه بودٍّ ففشلتُ أنا أيضًا، جلستُ أمامه كتلميذ ينتظر مُدِّرِسَه أن يكافئه على طاعته، تحدَّثَ قائلًا:

- اسمع يا خالد.. أنت كاتب ومخرج عبقري.

قالها كذبًا وزورًا دون أن يكون مقتنعًا بذلك.

- لكن أيضًا أنت مجنون.. وفلسفتك الفارغة تجعلك تصنع أفلامًا رديئة.. لذلك أنا ليس عندي استعداد لأن أخسر جنيهًا واحدًا جرَّاء هبلك وعبطك.

حاولتُ الحديث لكنه قاطعني قائلًا:

- أنت لستَ هنا لتشرح فلسفة الفن المُعقَّد الذي تقدمه.. أنا أحضِّر فيلمًا بطله كريم فؤاد.. وأنت تعلم شعبيته ونجوميته.. عنده نجم الشباك يا بابا.. يعني ليس هناك مجالًا للمخاطرة.. الجماهير تقطعنا.

لَفَظَ الحقيقة رغمًا عنه وقال:

- أنا لولا أنّ كريم مصمم أن تكتب أنت الفيلم وتُخرِجه لم أكن وافقتُ أن تُخرِج فيلمًا مهمًّا مثل هذا.. كريم عايز يعمل فيلم عن قصة كفاح ولد شعبي من منطقة فقيرة من عزبة باب القاهرة.. كل ما نريده منك هو تقديم فيلم واقعي درامي مليء بالإثارة وما يطلبه الجمهور.. مش عايزين فزلكة.

ثم أخرج من دُرج المكتب عقدًا و(شيكًا) يحمل رقمًا لم تره عيناي منذ خمس سنوات، ابتلعتُ ريقي الذي جرى وهممتُ أن أوقِّع؛ فقال:

- فيه شرط مهم.. هتروح تقعد فترة شهر ولا اتنين معايشة في العزبة.. هتندمج مع الناس كإنك واحد منهم بالضبط.. مثلك مثل أي شاب فقير لتشعر بالواقعية وتكتب فيلمًا من قلب الحقيقة.

- ولكن يا ياسين بيه أنا لا أحتاج إلى هذا.. أنا قادر على الكتابة عنهم وأنا في بيتي!

تحول فجأة إلى كلب بلدي ينبح:

- ده شرط الأستاذ كريم! احنا رتبنا كل شيء.. ستذهب إلى هناك على أنك أخو سيد رمانة الفراش بتاع المكتب اللي هنا.. هتعيش معاه في بيته هناك في العزبة على إنك أخوه اللي لسه خارج من السجن.. واحنا اتفقنا معاه واديناله مقابل كويس!

الحقير يُورّطني في تجربة شديدة البؤس، أتيته لينقذني من شبح الإفلاس ليدفع بي إلى التهلكة!

- وماذا عن الناس؟ هل سيقتنعون بظهور أخ له فجأة هكذا؟!

- سيد بقاله في العزبة ليس أكثر من عامين.. كان قبل كده عايش في بولاق في عمارة اتهدت فوق نافوخ الناس.. أهله كلهم ماتوا.. محدش يعرف عنه حاجة في العزبة.. حتى مراته نفسها لا تعلم عنه أكثر من إنه فراش في المكتب هنا.. الولد كتوم بطبعه.

طرق بيده على العقد وأعطاني القلم:

- امضي.

وقَّعتُ وأنا أريد أن أغرس يدي في بطنه المنتفخ لأخرج أحشاءه، أخذتُ نسختي من العقد والشيك ثم هممت بالرحيل من خِلقته العكرة.

- خالد.. غدًا تكون هناك.. متنساش.. لازم تكون شبههم.. يعني تحلق الشعر الديل حصان ده والدقن المسبسة دي. ولو إني معتقدش حد فيهم ممكن يكون يعرفك.

ثم واصل سَمَاجته بضحكة باردة تخلو من الروح.

- متنساش تدي البواب أجرة التاكسي.. أصلي استلفتها منه.

***

تحضَّرتُ للذهاب بما يليق بتلك المنطقة، اشتريتُ من سوق العتبة

بنطال جينز بال عليه سكان القاهرة أجمعين، بَهِتَ لونه الأزرق حتى تحوَّلَ إلى لونٍ باهتٍ، وقميصًا يشبه قميص عازفي شارع الهرم؛ مليء بالورود، لا يستطيع كشف هويتي الآن إلّا قلب الأم نفسه، تخلَّصتُ من ذيل حصاني واحتفظتُ به في برطمان زجاجي لأتحسر عليه بعد انتهاء إقامتي في باب القاهرة، حملتُ حقيبة مهترئة على كتفي وهجرت (الكومباوند) وسط نظرات الاستهجان، من داخل (الميكروباص) أعلى الكوبري لمحتُ عِشش العزبة المعدنية تبرق تحت شعاع الشمس الراحل، أكواخ ضيقة تشبه أكشاك السجائر، الحياة فيها ستكون تكفيرًا عن خطايا اقترفتها في أربعين عامًا، ما إن وصلتُ إلى العزبة على أطراف القاهرة في تلك المنطقة العشوائية حتى لفحني الهواء العَطِن المعطوب، تطلَّعْتُ أنظار الشباب الواقفين على ناصية العزبة يتبادلون أنفاس الحشيش بشيء من الفضول، باغتُّهم سائلًا:

- أين أجد بيت سيد رمانة؟!

رَدَّ على سؤالي بسؤال آخر شابًّا دبغته الشمس بالسُّمْرة:

- أنت مين بالضبط؟!

- أنا أخوه خالد.. كنت في السجن وخرجت اليوم.

جاء صوتُ تهليلِهم:

- كفارة يا جدع!

ثم تعالى صياحهم وهم يسحبوني إلى داخل العزبة بعد أن حمل أحدهم الحقيبة عني:

- أخو سيد رمانة عاد بالسلامة يا عزبة.. يا سيد.. أخوك خرج يا سيد.

النساء الجالسات أمام الأكواخ قابلنَ الخبر بـ(الزغاريد)، الباعة المتناثرون في الشارع علا صوت ترحيبهم، آخرون رائحة عَطَنِهم تسبقهم يقبِّلونني ويحتضنوني كأننا أصدقاء قدامى، من داخل إحدى الأكواخ خرج سيد بـ(فانلة داخلية) وبنطال قطني، توتَّر بعض الشيء قبل أن يفتح حضنه ليضمُّني:

- أخويا.. توحشتك يا حبيبي.. حمدًا لله على سلامتك!

ثم خرجتْ كثمرة مانجو طازجة تفوح رائحتها من بعيد، اعتلى وجهها الأسمر الرائق الدهشة في جلبابها الأحمر ذي فتحة الصدر المفتوحة، ضمَّتِ الفتحة التي تُظهر ما بين ضفتي النهد الملتهب، وظلَّتْ تطَّلع فيّ دون أن تنطق.

- ادخل يا خالد.. بيتك ومكانك. قالها سيد.

سَألَتْه وهي تضرب بيدها على كتفه:

- مَن هذا يا سيد؟!

أخي يا فتنة.. دي فتنة مراتي يا خالد.

رفعتْ حاجبها مستنكرةً ثم شهقت:

- وأنت ليك إخوات؟! مقولتليش يعني!

- كان في السجن ولم أحب أن أصرِّح.

صافحتُها فارتفعت حرارة جسدي إلى ١٠٠٠ درجة مئوية، الحرارة التي صدرت من جسدي قادرة على توليد كهرباء تكفي شرق القاهرة بأكملها، دخلتْ إلى المطبخ الصغير ثم تبعها سيد، صوت نقاشهما كان يعلو شيئًا فشيئًا، يُعلَن احتداد لبؤة الأسد الهَشّ سيد رمانة، خرجتْ من المطبخ تحمل كوب شاي، كانت أكثر دلالًا، نبض قلبي يدق كطبلة (مسحراتي) في قرية كلها نيام.

كيف صمد يوسف أمام امرأة العزيز ليعلمني صموده؟!

ما إن احتسيت كوب الشاي حتى عَلا الضجيج في المنطقة، أصوات تَسُبُّ الدِّين وآخرون (يشخِّرون)، من نافذة صغيرة في الصاج المعدني عليها ستارة متآكلة وقفتُ أستمتع بالمشاهدة، تمنيتُ أن أصوِّر هذا المشهد العظيم!

الشباب يضربون بعضهم بعِصيان خشبية غليظة، أخرج أحدهم

سكينًا حادًّا ثم طعن أحدهم في صدره، نافورة من الدماء انفجرت، صراخ النساء يحيط بالمنطقة، شابة صغيرة تجري تحتضن الشاب المطعون، الشاب الآخر يفرُّ سريعًا هاربًا، أهل المنطقة يجتمعون جميعًا ليحملوا الشاب، سيد وفتنة ينظران بلا أي تعبير دهشة ثم يغلقان باب المنزل:

- اعتدنا على مثل هذه المشاجرات.. غدًا هتلاقي اللي انضرب ده زي القرد في الشارع بيجري.

***

الليلة الأولى

الحرارة الصادرة من هذا الكوخ قادرة على صهر جبل حديدي في ثوانٍ، خرجتُ إلى هدوء المنطقة ليلًا لأدخن في صمت أبحث عن فكرتي.

ما الذي يمكن أن أكتبه عن تلك العزبة؟!

اشتممتُ رائحتها ودبيب خطاها من خلفي تغزو المكان كجيوش كاسحة، رائحة رخيصة لكن عَبُق جسدها أكسبها نكهة لا يقاومها إلا ناسك صوفي، صوت (شخير) سيد وأنا جالس على طرف الكوخ يُعلن استسلامه التام لنومٍ عميقٍ لن يقطعه سوى زلزال بمقياس ٢٠ ريختر، جَلَسَتْ جِواري تطَّلع فيّ في صمت، ضوء القمر الناعم يكسو العزبة كلها.

- هو انت إيه حكايتك؟! أنا لستُ مقتنعة بحكاية أنك أخ سيد.. لا تشبهه على الإطلاق.. ثم إنك شكلك نضيف أووي عن حد خارج من السجن.. منتش شبهنا.

ابتسمتُ لها بمُكْرٍ، تمتلك النساء جهاز استشعار أقوى من جهاز  المخابرات الأمريكية نفسه، سألتُها متهربًا من مصيدتها:

- كيف تزوجتِ سيد؟!

نظرتْ إلى القمر كأنها تحادثه، لا تحادثني، انخفضتْ نبرة الصوت وخرج هادئًا حزينًا كأنه يسترجع ماضيًا مؤلمًا، بَرِقتْ دمعة في عينيها ثم قالت:

- فتنة كانت الابنة الوحيدة لأبٍّ بسيطٍ يعمل سائق قطار في السكة الحديد.. لم يرزقه الله غيرها.. أسرة بسيطة تعيش على الفتات الذي تسمح به لهم الحياة.. حتى تبدَّلَتْ حياة الأسرة بين عشية وضحاها.. صدم القطار الذي يقوده الأب باصًا ينقل أطفالًا في رحلة مدرسية.. تحوَّلَتِ القضية إلى رأي عام.. مئات الصفحات والمواقع تُطالب بإعدام المتسببين في تلك الكارثة.. في النهاية تم اقتصار الموضوع بأنه خطأ من سائق القطار سُجِن على إثرها الأب.. حُكِم عليه ب٢٥ عامًا.. تُوفِّي في العام الخامس في السجن ثم تبعته الأم من القهر والحزن.. لم يكن أمام فتنة سوى الحياة مع عمها في طنطا حيث يسكن مع أسرته الكبيرة المكونة من سبعة أطفال.. اتفقتْ مع صاحب المنزل القديم التي تسكن فيه على إخلاء الشقة له مقابل مبلغ زهيد من المال.. عشرة آلاف جنيهًا.. استحوذ عليهم العم فورًا والذي كان يعمل (كومبارس) في السينما.. يُسافر إلى القاهرة باستمرار لتصوير مشهدٍ صامتٍ أو دور من أدوار المجاميع.. خلال إقامتها هناك التي امتدت نحو عام تعرَّف عمها على سيد في إحدى (أوردرات) التصوير في فيلم ينتجه ياسين.. العلاقة امتدت بينهما حتى عرض عليه العم صورة فتنة.. كان سيد وقتها يبحث عن زوجة لا ترهقه بأعباء الزواج ولا بما لا طاقة له به فوافق على مقابلة فتنة.. تكررت زياراته إلى طنطا حيث بيت العم.. لم تشعر فتنة بأنه الرجل المناسب لها لكن الخيارات التي كانت متاحة أمامها منعدمة.. وافقت لتخفِّفَ العبء عن كاهل العم الذي التهم الآلاف البسيطة التي كانت تملكها.. كان سيد لتوه في تلك الفترة قد انتقل للعيش في عزبة باب القاهرة.. اشترى هذا الكوخ بألفين جنيهًا فقط من أسرة صعيدية كانت تسكن فيه ثم عادت مرة أخرى إلى الصعيد.. تزوجتْ فتنة من سيد ثم اكتشفت طامته الكبرى.. سيد لا ينجب ويُدمن مُخدِّر الهيروين.. رغم معاشرته الحسنة لها لكنها شعرتْ أنها تفقد نفسها.. تتحول إلى شخص آخر لا تعرفه.. شيئًا فشيئًا تحوَّلَتْ إلى جزءٍ من نسيج سكان العزبة وتكيفت مع الحياة في ظل تلك المعطيات لكنها لم تتخلَّ عن حلم الأمومة.. حاولتْ مع سيد كثيرًا في زيارة الأطباء ومحاولة الإنجاب لكن الأطباء أخبروها بأنّ الأمر مستحيل.. هذا الأمر جعل حياتها في الأشهر الأخيرة مع سيد جحيمًا متصلًا يشعره بعجزه فبدأ تحول رهيب في طريقة معاملتها من ضرب وإهانة.. لكنها استطاعت التكيف مع تلك الأمور ومعاملته بنفس المعاملة الحادة حتى صارت العلاقة بينهما حسب وصفها (قط وفأر).. لكنها لم تحبه يومًا أبدًا.. كل شيء بينهما يُفعل لأنه يجب أن يُفعل.

شعرتُ بأنني أودُّ الغوص داخلها دون أن أدرك السبب الحقيقي لذلك، هل أيقنت بأنها بطلتي التي أبحث عنها أم أنّ الأمر كان مختلفًا عن ذلك؟!

لم أكن أتخيل هذه المساحة من الحرية والصراحة معي في أول حديث بيننا، أفرغتْ كلَّ ما في جوفها من أحاديث وألم وشجن

ثم كففت دمعها البسيط المتساقط بينما صوت (شخير) سيد ما زال يدوي بجوارنا، التقطتُ سيجارة من علبتي (الدانهيل) الزرقاء، رمقتها بغرابة، انطلق صوت أذان الفجر في المنطقة، وقفتْ لتدخل حينما بدأت بعض أضواء الأكواخ تشتعل، قالت وهي ترحل:

- مش بقولك إنك مش شبهنا.. وراك حكاية أكيد!

تطلعتها منبهرًا وأنا أنظر إلى علبة سجائري، لم أتقن الدور جيدًا، سألتها عن مكان الحمَّام.

- هنا الحمامات عمومية.. كل مجموعة أكواخ ليها حمام.

ثم أشارت بيدها إلى (علبة صفيح) ضيقة!

- هنا.

***

الأيام الأولى في هذا المجتمع كانت غريبة عليّ تمامًا، نمط حياة لم أمارسه من قبل بأي شكلٍ من الأشكال، صحيحٌ أنني عشتُ سنوات إفلاس مضنية عضضتُ فيها الصخر والتهمتُ الحجارة ولكنني لم أقترب بأي صورة من تلك الحياة، كفَّل لي عمل أبي الطبيب المشهور حياةً رغدةً وتعليمًا مناسبًا لدراسة السينما في أمريكا ثم العودة بعدها لإخراج أفلامي، خمسة أفلام في خمسة عشر عامًا من العمل الشاق، لم يكن الأمر فيها بالهين، ظننتُ أنّ الحياة ستبقى رغدة فكنتُ أنفق بسخاء؛ فلما أعطتني الحياة ظهرها كان والدي قد تُوفِّي إثر أزمة قلبية مفاجئة، الأموال القليلة التي تركها وضعتْها أمي وديعةً في البنك لتدر مبلغًا شهريًّا لها يكفل لها الإنفاق على بيتها وإخوتي الآخرين، فهمي وسارة، اللذيْن يدرسان في الجامعة الأمريكية، استقللتُ قبل وفاته بحياتي وتزوجتُ الممثلة الشهيرة، بطلة فيلمي الأخير، ليلى زهران، وحين فشل الفيلم فشلًا ذريعًا ونشبتْ بيننا خلافات عديدة جرَّاء حياتي المتقشِّفة بعد نفاد ما كنتُ أدِّخر سريعًا بسبب نفقاتها المبالغ فيها، انفصلنا بعدها، لم يكن هناك حبٌّ حقيقي من طرفها نحوي، ظللتُ أحبها بلا مقابل باحثًا معها عن معنى آخر للحياة، لكنَّ العلاقة بيننا ظلت فاترة ومملة بلا نشوى، أُقدِّم كلَّ شيءٍ بسخاء لتَهَب هي مشاعرها (بالقطارة)، تزوجتني طمعًا في الأضواء وفي أدوار البطولة في أفلامي، ورغم علمي بتلك الصفقة غير المعلنة لكنني تمسكتُ بحبِّها على أملِ أن تُحدِث العِشرة بيننا حبًّا متبادلًا، لكنه ظل طيلة عام كامل حلمًا، مجرد حلم غير قابل للتحقيق، وحين فكرت في إنجابها لطفل يستطيع أن يهدم تلك الحواجز التي تعلو وتفصل بيننا قابلتِ الأمر بالرفض خوفًا على مستقبلها الفني، حتى تحولت العلاقة إلى علاقة تقليدية فاترة سرعان ما تلاشت وانفصلنا، أكسبتني الحياة في العزبة نوعًا من أنواع الاندهاش لم أكن أحسب أن أراه، لم تكفل لي حياتي المترفة ونطاقي الجغرافي أن أتخيل تلك الحياة الشاقة أبدًا، وخلال تلك الأيام بدأت حالة من الاندماج الجزئى تشدُّني نحو هذا المجتمع لاستكشافه وخوض المغامرة، وبدأتْ حالة التأفُّف التي كنتُ أعاني منها في البدء في التقلُّص، وربما ساعدني في ذلك وجود فتنة بجواري؛ فهناك حالة خفية من الاهتمام بدأت تنتابني نحوها، أستغل الوقت الذي يقضيه سيد في مكتب ياسين ونتحاور ونتكلم ثم أخرج لاستكشاف المنطقة، ألتقط صورًا في بعض الأحيان دون أن يلاحظ أحد بـ(كاميرا) هاتفي الذي حرصتُ على إخفائه جيدًا، حتى حدث في اليوم العاشر تقريبًا أن كُشف أمري؛ كان سيد لا يزال في عمله، وكنتُ جالسًا أمام المنزل حين صرختْ فتنة تنادي عليّ، ذهبتُ لها وفي صدري يلعب فأر وزنه خمسة كيلو جرامات، أخرجتِ الهاتف من وراء ظهرها وسألتني:

- ما هذا؟! العِدَّة دي تعملَّها فوق العشرين ألف! ماهي حكايتك؟! انت سارقها ولا بتاعتك ولا حكايتك إيه؟!

ابتسمتُ لها في هدوء، جلسنا على الأريكة الخشبية ذات القطن المهترئ:

- أنا لستُ أخ سيد يا فتنة.

قالت وهي لا يعتريها أي دهشة:

- كنتُ عارفة والله.. قلبي كان حاسس.

ثم وقفتْ تطَّلع فيّ غاضبة:

- أنت مين يا جدع أنت؟!

- أنا كاتب ومخرج سينمائي.. اسمي خالد توفيق.. بخرَّج فيلم عن المنطقة هنا وجيت أقعد فترة عشان أقدر أكتب وأنقل صورة قريبة من الواقع.. المنتج بتاعي سيد شغال عنده في المكتب أوفيس بوي.. عَرَض على سيد وقبل العرض وخذ مبلغ كويس.

قالت ممتعضة:

- الفلوس اللي عمال يبعزقها على البودرة من ساعة ما انت هليت علينا!

ما إن انتهى الحديث حتى دخل سيد يحمل في يده أكياسًا من الفاكهة، رمقتني بنظرة حزينة ثم هزَّتْ رأسها، يقول لسان حالها (لا تخبره أنك قلت لي شيئًا).

***

كان عليّ أن أبدأ رحلتي في هذا العالم والبدء في اختيار مهنة كنوعٍ من أنواع الذوبان والانصهار في تلك البيئة، اقترح عليّ سيد أن أُقيم (نصبة فاكهة) في سوق العزبة، ولكن الأمر يتطلَّبُ دفع ضريبة للمعلم شافعي وأخذ إذنه بالطبع، وفي المساء حين عاد من عمله من المكتب توجَّهْتُ معه سيرًا بين عِشَش العزبة والنساء الجالسات يتسامرن إلى حيث مجلس المعلم شافعي، رجلٌ بَدينٌ ذو جسدٍ ضخمٍ يتعدَّى طوله المترين, حملق فينا بنظرة عبثية خاوية ووجه عبوس لا يبتسم، يجلس أمام كوخه الخشبي الكبير نسبة لباقي الأكواخ، أمامه طبق فاكهة صغير ونارجيلة بدائية الصنع بخرطوم بلاستيكي، يجالسه مجموعة من الرجال يبدو على وجوههم الشغب، جلسنا سويًّا ثم حلف بأغلظ الأيمان أن نشرب معه من النارجيلة، التقم سيد الخرطوم كعطشٍ في الصحراء وجد بئر ماء، ثم على مضض أخذتُ عِدَّة أنفاس سعلتُ بعدها، ضحك الرجال جميعًا:

- ده صنف معتبر.. لا تجده في بر مصر كلها.

- هذا أخي يا معلم.. خالد.

أشار لي مُرَحِّبًا مرة أخرى.

- نريد أن يُرزق.. منذ أن خرج من السجن وظروفه كرب.. فقررتُ قرضه بعض المال ليتاجر بهم في الفاكهة وتشييد نصبة صغيرة في سوق العزبة.

- يكرم لأجل عيونك يا سيد.. سآخذ فقط ثلاث عواميد منه في الشهر.. ده من أجلك انت فقط.. لو حد تاني كنت هاخذ ضعف كده.

- لكن يا معلم..

- ملكنش.. دول يدوب بريزة في اليوم.

أومأتُ برأسي لسيد موافقًا، ثم رحلنا، نَهَرَني وهو خجلٌ في طريق العودة على رد فعلي السريع والموافقة، كان يجب أنْ (أسبك) الدور أكثر من ذلك حتى يقتنع المعلم بكوني مهمشًا حقيقيًّا لا يملك في الدنيا شيئًا.

وفي صباح اليوم التالي اتجهنا لسوق العبور، كان أمرًا سهلًا جلب بعض أقفاص الفاكهة والخضرة وبداية ممارستي العمل، حتى أصبحت في حالة اندماج تام مع الناس عن طريق عملية البيع المستمرة منذ الصباح وحتى آخر ضوء النهار؛ إذ أعود بعدها إلى المنزل فأجد فتنة في انتظاري، تطَّلِع فيّ بنظراتٍ لا أفهمها، ثم يعود بعدها سيد بفترة وجيزة يلتهم الطعام ثم يشرب حشيشه ليغلق باب الغرفة الوحيدة عليه مع فتنة, بينما أنام أنا في الصالة، صوت تأوهات فتنة من تحت سيد تصلني كل مساء، هل يفعلان هذا بحبٍّ حقيقي؟!

لماذا أشتاط غضبًا ما إن أسمعهما؟!

شيئًا فشيئًا وجدتُ نفسي أستغرق في التفكير في فتنة كأنها أحيت داخلي شيئًا كنت فقدته، مشاعر لم أكن أظن أنها يمكن أن تعود إلى النمو مرة أخرى، وحين يؤرقني هذا التفكير أخرج إلى حيث الخلاء أمام الغرف لأدخن سجائري المحلية الرديئة المناسبة للبيئة؛ فأراها بعد أنْ فرغت من لحظات وطئها قد أقبلت تتهادى في رِقَّةٍ ثم تجلس جواري نتسامر حتى الفجر، تحدثني عن بُغضها تلك الحياة، تسأل عن عالمي التي تجهله تمامًا، عن حبي للسينما وولعي بها، عن حياة القصور، وعن إذا كان فعلًا ممثلات (السيما) جميلات في الحقيقة مثل الشاشة، ثم تسأل ببراءة:

- هو البوس في الأفلام حقيقي؟!

أسترسل في شرح عالمي لها، تحدثني هي بشغف أكثر عن دفء المشاعر هنا، عن (الجدعنة والشهامة)، الغريب أنني وجدتُ سعادةً لم أشعر بها إلا داخل هذا العالم، كنت افتقدها في حياتي المترفة إلى حدٍّ ما، ولم أشتاق سوى الوقوف خلف الكاميرا مرة أخرى فقط، وعلى مدار شهر كامل ظلَّ هذا هو نمط حياتي الذي لا يتغير حتى اكتشفتُ أنني أخوض مغامرة في عالم لم أكن أتصور وجوده، كنتُ أشاهده من بعيدٍ محاولًا التعبير عنه دون إدراك لآليات وخصائص هذا العالم الذي يُنقِّبُ الجميع فيه عن (لقمة العيش) في عالمٍ شديدِ القساوة، يتناسون فيه همومهم بجلسات المساء تحت ضوء القمر هنا فقط على أدخنة النارجيلة والسجائر الرخيصة والفاكهة العَطِنة، تجلجل الضحكات ويصفو البال وتُضاء أضواء غرف نوم العشش بعدها لتسيطر لحظات العشق والرغبة على سكون الليل.

نبقى كذلك كل ليلة أنا وفتنة حتى يصيح ديكٌ من عِشَّةٍ مقابلة، ثم يتبعه صوت أذان الفجر من صوت عم سعد الله مؤذن المسجد ذي الصَّوتِ الرديء المُحشرِج من أثر النارجيلة، تضحك فتنة وهي تقول برِقَّة:

- صوته قادر على إيقاظ مدينة كاملة!

نتبادل الضحك سويًّا، بعدها تدخل إلى غرفتها، وفي الصباح أُعيد الكرَّة من جديد، أشاهد تلك الوجوه التائهة في الدنيا تسعى في السوق لجلب رزقها أو قضاء حوائجهم، ولم يحمني من تمرد الباعة المحيطين في البداية سوى حماية وتوصيات رجال المعلم شافعي، الذين يحضرون في مطلع كل صباح لجمع (الإتاوة)، كلٌّ حسب حجم نصبته في السوق وحسب حجم بضاعته، وبعدها ومع توالي الأيام وانقضاء شهر كامل من نمط الحياة بتلك الطريقة نشبتْ علاقة حسنة بيني وبين بقية الباعة وخاصة أم يونس بائعة الخضروات، والتي كانت تعدُّني منافسًا لها؛ أقمتُ النصبة أمامها لقطع رزقها، وأطلق الباعة عليّ اسم (خالد مانجا) نظرًا لجودة المانجو الذي أبيعه، وكان من الطريف حضور إحدى نزاعات السوق التي لا تتكرر، حين تعارك أحد الصعايدة من قاصدي السوق مع أحد بائعي البصل مما دفع أصدقاء البائع لمجاملة صديقهم وضرب الصعيدي، ثم سرعان ما عاد الصعيدي ومعه عدد غفير من بلده الذين أقاموا حربًا وقودُها البصل والطماطم والبطاطس حوَّلتِ السوق إلى حالةٍ من الهرج والمرج لم يستطع رجال المعلم أن يسيطروا عليها وتلقُّوا ضربًا مبرِّحًا (بالصُّرَم القديمة والمراكيب).

التجربة كلها كانت غير تقليدية بالمرة، لكن فكرة الفيلم ظلَّتْ غائبة عني، لم تتبلور في رأسي رغم ثراء التجربة بالتفاصيل.

***

المساءُ في تلك الليلة رائع، القمر مكتمل في تمامه، بدرٌ جميلٌ

لا يقل تألقه عن القمر الجالس جواري فتنة التي اكتشفتُ فيها جانبًا إنسانيًّا مختبئًا خلف قساوة وعنف مصطنع تحاول أن تواجه به مخالب الحياة وضعف حيلتها، وتأكدتُ تمامًا في خلال تلك المدة البسيطة بأنَّ انجذابي التام نحو فتنة ليست علاقة فضول،

وإنما هي علاقة حب حقيقية أيقنت بمعجزتها إيقانًا تامًّا، لا تكاد صورتها تفارقني أبدًا، ولا أنقطع عن التفكير فيها حتى وهي جواري، وفي تلك الليلة وأحاديث السّمر بيننا تُعلِن بطريقةٍ خفيّةٍ تولُّد تلك العلاقة التي لا مستقبل لها، حدثت المفاجأة بينما كانت عيناها تسألني قبل لحظات من ذلك:

- هل يمكن أن يجمعنا طريقٌ واحدٌ سويًّا؟!

بعدها علت أصوات الصياح والسّباب والبذاءة، لم يكن سيد بعد قد عاد، لأول مرة يتأخر فيها حتى هذا الوقت، ظننا كِلانا في البداية أنه اشتباك من ذلك الذي يحدث بين الشباب دومًا في العزبة، حتى احتدَّتِ الأصوات أكثر وتردد اسم سيد بين المتشابكين، عند تلك اللحظة هرولتْ فتنة تسعى إلى مكان العراك وأنا أتبعها متلهفًا، وصلنا إلى هناك أمام كوخ صغير تبكي على بابه المفتوح امرأة يضربها نساء المنطقة وهم يصرخون فيها:

- (يا نجسة.. جلبتم لنا الفقر)!

وامرأة مُسِنَّة نحيلة يبدو أنها كفيفة تصرخ:

- اقتلوها الفاجرة!

ومجموعة أخرى من الرجال يضربون رجلًا لا تتضح ملامحه من الدماء التي تكسو وجهه، لا يرتدي سوى سروال أبيض قصير.

دخلتُ وسط الزحام أحاول الدفاع عنه، دفعني أحدهم:

- اتركنا! أخوك النجس بيستغفلنا وعايش في الحرام مع بنت الكلب دي!

دفعتهم بكل قوة، كان سيد مَن يلتفُّون حوله، ما إن أفلت من يدهم حتى أسرع بالركض بعيدًا، ظلَّتْ فتنة تلطم خدها، ثم انهارت في وصلة بكاءٍ وأسرعت تركض نحو كوخها، وصوت الناس من ورائها يقول:

- لا نريد رؤية الكلب ده هنا مرة أخرى!

أما الفتاة التي انهالت النساء في ضربها كانت قد فقدت الوعي تمامًا، عرفتُ بعدها أنها تُدعى سحر، تعيش مع حماتها الكفيفة في هذا الكوخ منذ سنواتٍ عديدة، سافر زوجها للعمل في ليبيا منذ خمس سنوات وانقطعت كل الأخبار عنه منذ عامين تقريبًا، لم تأتِ الأموال القليلة التي كان يرسلها ولا حتى الاتصالات المتقطعة التي كان يحرص عليها كل فترة بعيدة، وأنّ حماتها الكفيفة هي مَن اكتشفت أمر فعلتها مع سيد، ربما هي المرة الأولى لهم أو سبقتها مرات أخرى كثيرة، لا أحد يعرف بالضبط.

***

اختفى سيد من المنطقة تمامًا، وظلَّتْ أعين الناس تطاردني عوضًا عنه، بينما ظلَّتْ فتنة حبيسة كوخها، وحين تواصلتُ مع ياسين أخبرني بأنه لا يأتي أيضًا إلى المكتب منذ تلك الليلة، اعتراضُ أهلِ المنطقة على سكني في بيتٍ واحدٍ مع فتنة في ظل غياب سيد يُحتِم عليّ أن أقضي الليل نائمًا في الخلاء أمام الكوخ المعدني تحت أضواء القمر اللعوب، تغيرت خلالها فتنة، صارت شاحبة الوجه حزينة كأنها تشعر بالخيبة أو بالخزي، حاولتُ أن أخفِّفَ عنها عبء ما تشعر، وفي سوق العزبة كان الجميع بلا استثناء يتحاشون التعامل معي، وبدأتِ النساء تتحاشى الشراء من نصبتي وتجنبي تمامًا حفاظًا على سمعتهم، أيام طويلة مرَّتْ بتلك الطريقة إلى أن جاءت تلك الليلة لتُلقي بسحرها علينا، كنتُ نائمًا في الخلاء أمام كوخ متهالك صنعته من الخشب لنفسي بجوار كوخها، فُتِح الباب فأصدر صريره ضجيجًا فصحوتُ من نومي فزعًا، وجدتها تقف أمامي، أشارت لي بالدخول فتبعتها إلى الداخل، ما إن دخلتُ حتى رمت نفسها في حضني، كانت كمثل جمرة من نار أشعلت صدري:

- أنا بحبك يا خالد.

قبَّلتني في رقة؛ فالتهمتُ شفتاها في نَهَمٍ، ثم بكت في حضني، نطقتها أنا أيضًا وأنا أشعر بها من كل قلبي:

- وأنا كمان بحبك يا فتنة.

همَّتْ بي وهممتُ بها وانهارت مقاومتي تمامًا، ولجتُ فيها وولجتْ فيّ، ذُبْنا سويًّا كشمعتين تنصهران حتى قذفت بنا أمواج العشق على شواطئها.

***

تلك الليلة بدأت العلاقة تأخذ منحنًى آخر تمامًا؛ لأكثر من ثلاثة أشهر داومنا فيها على ممارسة العشق خلسة بعيدًا عن أعين الجميع، لا تخرج فتنة من كوخها، فقدت الرغبة تمامًا في أن ترى أي بشر، أعود من السوق لأجدها قد أحضرت الطعام بيدها لي، نأكل سويًّا بنَهَمٍ أمام كوخي في الخلاء، نشعر بدفء الأسرة والعلاقة الحقيقية الغير مصطنعة، نواجه أعين الناس الجارحة التي لا تستطيع أن تتحدث، نتذكر أنّ هذا ليس من حقنا، نحزن، تنقطع عني يومًا أو بضع يوم وتعود أكثر شوقًا وحرارةً فنغرق في بعضنا البعض.

لم يتوقف ياسين في إلحاحه المستمر عليّ كثيرًا للعودة والبدء في الكتابة والتحضير للفيلم، ولكنني تحججتُ أكثر من مرة باحتياجي إلى وقتٍ أكثر من هذا للكتابة عن المنطقة وتبلور القصة في رأسي بشكل كافٍ، لكنه كان يقابل طلبي بالسّباب واللعن؛ فعقدتُ النية عن الاعتذار له عن الفيلم لولا خوفي من غضبه.

لم يظهر سيد مرة أخرى في المنطقة، واتفقت مع فتنة بأن تُطلَّقْ منه ثم نتزوج بعدها، القرار جنوني جدًّا كما أخبرتني هي، أعرف أنني سأدفع ثمنه ثمنًا كبيرًا خاصة عندما ينتشر الخبر في الأوساط الفنية وفي الوسط المجتمعي الذي أنتمي له، لكن الأمر برُمَّتِه لم يشغلني، خاصة لمشاعرَ صادقةٍ مثل تلك لم تكن لأضحي بها مهما حدث من عقبات، لم تتصور فتنة أن يتم هذا أبدًا، كان بداخلها خوف جاسم على صدرها لم أجد له مبررًا، كنتُ مستعدًا لأن أدفع أي رقم يطلبه سيد حتى يُطلِّقها وتصبح لي فور ظهورها، أعرف أنّ الحياة لا تُعطي الحب بسهولة؛ فلماذا حسبت أنّ هذا سهل حدوثه؟! أصبح غياب سيد هو المشكلة الكبرى التي تقف حاجزًا في سبيل إتمام ونجاح تلك العلاقة التي بدأت بكبيرةٍ سألتُ الله أن يغفرها، لكن مفاجأة كبرى ظهرت لنا أنا وفتنة؛ انقطعت العادة عن موعدها المحدد عند فتنة، أجرت اختبار حمل أكثر من مرة؛ فتأكدتْ تمامًا من أنها تحمل في أحشائها جنينًا مني، وجدتها تبكي وتضحك وتصرخ كالمجنونة! هل تفرح لأنّ أمنيتها صارت على وشك التحقق أم تبكي لإثم ما اقترفته؟! المشاعر كلها متداخلة بداخلها، متوترة إلى أقصى حدّ، لم تفلح كلماتي أو أحضاني من طمأنتها، الخوف الذي تملَّكها من فضح أمرها في العزبة سيطر عليها تمامًا:

- أنت لا يهمك شيء.. هترجع لحياتك ودنيتك وتسبني هنا مع العار والفضيحة اللي هتطولني لحد آخر يوم في عمري!

وضعتْ يدها على بطنها وبرقت عيناها فرحةً قبل أن تعود إلى غضبها صارخة:

- ده ابن حرام!

ضربت بيدها بطنها في غضبٍ وهي تبكي بحرقة، احتضنتها وهي تنتفض بين يدي، كنتُ عكسها تمامًا، توقعتُ أنها رسالة من القدر لتتوحَّدَ مصائرنا سويًّا، كم تمنيتُ هذا الطفل أكثر مما تمنته هي أيضًا:

- أنا هوصل لسيد وهخليه يطلقك ونتجوز.. سنعيش معًا إلى الأبد.

رمقتني بسخرية تُنذر باستحالة ما أرنو إليه ثم تركتني ورحلت حين صدح المؤذن بصوته لصلاة الفجر.

***

تحدثتُ مع الكثير من المعارف من رجال الشرطة على أمل إيجاد سيد بأي طريقة ممكنة، غيابه غُصَّةُ في حلقي تقف بيني وبينها، لم يعد يشغلني الفيلم برُمَّته، بل أصبحتُ على استعدادٍ تامٍّ للتنازل عنه مقابل أن يَهَبَني القدر فرصة أن نجتمع أنا وفتنة في بيت واحدٍ سويًّا، أيًّا كان شقاء الدنيا فلن يكون أكثر مشقة من الحياة التي يبحث فيها هؤلاء الناس عن السعادة في قلب الكَبَد والبؤس، وتولَّد يقين داخلي أنني لم أقبل بتلك التجربة ولم تضع الظروف ياسين في طريقي إلا فقط حتى ألتقيها وأعيش تلك المغامرة بكل ما فيها من فرح ومشقة.

بعد أسبوع من مرور الثلاثة أشهر حدثني ياسين صارخًا فيّ بضرورة وجودي في المساء، لم يكن هناك بدٌّ من الذهاب له، جلسنا سويًّا مع كريم فؤاد، حاولتُ شرح عدة أفكار لهم لكنها لم تنال رضاهم، تأفَّفَ وجه كريم ثم رحل وهو يقول لياسين:

- يبدو أنّ معك حق!

ثم خرج كريم غاضبًا، أخرج ياسين العقد ثم مزقه ورمى به في وجهي وهو يقول:

- غدًا قيمة الشيك تكون عندي.. انت سامع.. أنا كنت عارف إنك مخرج فاشل لكن هو اللي صمم!

لم أهتم كثيرًا بما قاله، خرجتُ من مكتبه غير مكترث بشيء سوى فتنة، ذهبتُ إلى المنطقة فوجدتُ صخبًا كبيرًا فيها، هرولتُ إلى حيث الزحام وصوت سيارة الشرطة ورجال الأمن الذين يصرفون المحتشدين، وصوت بكاء أهل العزبة وهم يرددون:

- لا حول ولا قوة إلا بالله!

كل هذا أمام كوخ فتنة وسيد! رجال الأمن يُقيمون حاجزًا أمام الباب، سيارة الإسعاف تقف فاتحة أبوابها، دفعتُ العساكر ودخلت الكوخ وهم يحاولون أن يمنعوني، كان سيد مكبّلًا بالأغلال والدماء تكسو الأرض، بينما جسد فتنة مُسجَّى على الأرض مفصولًا رأسه عن بقيته ببراعة جزار محترف، نظر لي سيد نظرة غاضبة ثم بَصَق:

- قتلتُ الخائنة هي واللي في بطنها.. فاضل دورك!

كيف تنضج المصاير على مهلٍ ؟ قراءة في رواية أقفاص فارغة للشاعرة فاطمة قنديل

رواية أقفاص فارغة - فاطمة قنديل


"كل ما كتبته على هذه الأوراق، كان مؤلمًا، لكنني كنت أتعافى منه في اليوم التالي".

هناك أيام تصنع المصاير، كل المصاير، غير أنها بالضرورة خواتيم، لبدايات صيغت منذ زمن. وذاك الزمن مجهولٌ بلا شك. في حينه أُوقدت النيران خافتة، ثم تأتينا المصاير في النهاية مكتملة، ناضجة؛ فنعرف وقتها فقط أنها... إنما نضجت على مهلٍ.

الرواية شبه سيرة ذاتية لصاحبتها، شبه؛ لأن مساحات الصمت فيها عديدة، والسكوت عن وصف الملامح وتقديم التفسيرات ظل خيارًا وحيدًا في مواجهة الكثير من الأفعال. ولأنها أيضًا ليست قائمة على التوثيق بالمعنى الحرفي، بقدر قيامها على زمن فني، انتُقيت له ذكريات القسوة والمعاناة والألم، ومنحنيات الهبوط، يجوز لأنها الأبقى سيطرةً وخلودًا بما فيها من جراح وهزائم، على النقيض من ذكريات الانتصار والصعود التي تخفت سريعًا على ما معها من سعادة في مواجهة المآسي. وهو ما جعلها (الرواية) دفتر مصارحة، سجل تعارك على صفحاته النزق مع الرعونة، فكان على أثر العراك تهاوي فسيفساء الذاكرة، والتخلص الأبدي من ندوب الطيش وجروح الحنين.

في هدوء تام حدقت الكاتبة بعيون جاحظة في المحيط الحياتي من الأماكن والأشخاص والأحداث؛ لتكشف بالكامل أي ثابت وكل متحول في وعيها العميق عنهم، حتى وصلت لأن تُربتُ على روحها المنهكة كي تستكين أخيرًا.

هدف التداوي المرجو هذا؛ فرض تنحية الأبطال جانبًا، وخلا موقع البطولة للتجربة وعواقبها فقط. تجارب واجهتها وعواقبها الراوية في الأثناء، ويبدو أنها استعدت أيضًا، وبإصرار أقوى، لمواجهة عِناد الإفصاح عنها، كل ذلك في سبيل الخلاص والتحرر.

عرّت المُتذكِّرة أجساد الأسر من الطبقة الوسطى العليا؛ هادمةً وهم أسطورة الروابط العائلية المتينة، وكاشفةً قيوح وتورمات التحولات المجتمعية الكبرى في الفترة من أواخر الخمسينيات حتى أواخر التسعينيات تقريبًا، في سردية لم يتزين شكلها بالمحسنات، ولا تخفَّى فحواها وراء إشاعة تطابق الإصابات في كل الأسر، بل صيغت بحيادية عجيبة، وشجاعة أعجب، تخرج بين الحين والآخر من ثنايا سطورها براثن حادة مدببة تقبص ألم الخصوصية لتقتلعه إلى اللاعودة، وفي الوقت نفسه، حافظ السرد على هدوء الشكل الشعري، وبخاصة عند تمجيد المعاناة والألم والقسوة، وتأكيد دورهم في بزوغ التعافي.

مركزية الأم ومرضها أهم معالم الحكاية، حتى وإن لم تكن بطلتها، حيث جاء دورها أشبه بلهب شمعة تنكشف على وميضه الخافت تحولات النفوس وتغيرات الطبائع، وبما صنعه اللهب من ظل باهت، بانت تباعًا توجهات أفراد الأسرة في الحياة، المادية والأخلاقية والأسرية، ناهيك عن أن جذور المآسي نابتة بالأساس في تربتها، تربة الأم. هي من اختارت – ولو شكليًا، ولو مُجبرة - محطات الانطلاق ومحطات الوصول، المصاير، للأبناء الثلاثة: راجي، رمزي، فاطمة، اختارتها منذ لحظة اختيار الزوج الأولى، الموافقة على الهجرات القريبة والبعيدة الكثيرة، مساعدة الابن الأول "راجي" على السفر تهريبًا من جحيم العزلة وملمات الفشل في التعليم، تبرير رعونة الابن الأوسط "رمزي" في خياراته النسائية وصولًا إلى رعونة اختيار زوجته.

مع الابنة، "فاطمة"، اختارت الأم محطة الإتزان الإجتماعي بالرفعة الأكاديمية، بعد تبّات علم فشلت "فاطمة" في صعودها لأكثر من عشر سنين، تخللتهم زيجتين محكومتين بالفشل، لا لسبب إلا لأنهما كانا هروبًا للأمام، زيجتين عن غير قناعة حقيقة، وإن أبداهما طيش الصبا أبديتين. اختارت الأم تلك المحطة منذ البداية، منذ أن كانت الابنة طفلة مطموعٌ في استقلالية جسدها، في خصوصية أفكارها، غير أن اختيارها هذا ظهر مكثفًا بعد وقت طويل، وقت مرضها، حيث تمنّعت عن العلاج لشهر كامل، وأصرت على ذلك لكي لا يُخدش التفوق الجامعي للبنت في سنته الأخيرة، فوهبتنا بذلك كله أكاديمية وشاعرة وأديبة وقاصّة، ننعم بسيرتها، متألمين بوجع تجاربها، وهبتنا نموذج مُحرِّض نحتذي به في مسح النزوف بجرأة غير مكترثين.

وعلى الرغم من القوة الحاضرة للأم في حيوات الثلاثة، وفشلها مع الأول والثاني، ونجاحها مع الثالثة، مع الابنة، بقي لها - برغم الفشل - عدم استئثارها بالخلاص الفردي وسعيها لنجاة الجميع.

اللحظات القاسية المختارة للزمن الروائي أظنها عصية على التجاوز، خصوصًا مع إبداع الراوية في جذب وجدانك لتجربة واختبار ما في كل لحظة من مشاعر فائرة بنفسه، أكثر من مجرد انشغاله بمجريات اللحظة أو تطورات أحداثها.

حينما تفرغ من قراءة "الخبز الحافي" تعتقد يقينًا أن قتامة الأيام وسواد المجريات ونذالة البشر قد كفانا كاتبها "محمد شكري" مرارتهم بالتجربة نيابة عنا. بيد أن "أقفاص فارغة" للشاعرة والأديبة "فاطمة قنديل" تبدد هذا المعتقد، فلا يزال لآخرين - فاطمة أحدهم - أيام أقتم ومجريات أسود وبشر أنذل. والبشرى في اجتماعهما (شكري وقنديل) على حل وحيد، الهروب بعيدًا، في المكان، وفي المكانة.