رائحة أيلول عطري الخاص .. بداية النهاية نفسها أول الحكاية

ورق الشجر اليابس في الخريف


كمشهد ختامي لفيلم؛ يقف البطل والبطلة على سفح المقطم ليشاهِدا غروب الشمس في أعماق القاهرة، وعلى الرغم من يقين عودة الشمس في اليوم التالي؛ إلا أنه..

تدخّل مخرج الفيلم، وأسقط الستار الأسود؛ معلنًا نهاية القصة.. إلى الأبد..

الوداع.. النهاية.. فكرة عدم رؤية هذا الشخص مرة أخرى.. عدم حدوث ما حدث -وعادةً يحدث- مرة -أو مرات- أخرى.. أن الحياة انتهت عند هذه اللحظة، ولن تشرق شمسك من جديد..

لكل ذلك صدى يتردد في أعماقك، في وجدانك، في عمق قلبك.. صدى تشتعل ناره حريقًا إذا غلّفه صوت المطرب عمرو دياب المنبعث من عمق عقلك، يقول: "أنت أول كل حاجة.. والنهاية في كل شيء..

لقد أعلن عمرو القابع في زاويتك الداخلية المظلمة بهذه الكلمات: انتهاء الحياة.

يصعب على العقل في المصائب استيعاب مرور كل ذلك، انتهاؤه. يقف يشاهد شجرة الحياة تشيخ وتتساقط أوراقها المُصفرّة، المتهالكة.. لعنت الأوراق منذ الإصفرار وقبل السقوط بداية الخريف. لعنته لأنها غفلت عن وجود ربيع، وأنه لا شك قادم، وأنها ستنمو مرة أخرى.. تزدهر.. تُزهزه.. تُزهر.. من جديد.

نحن أيضًا نتغافل عن قدوم الربيع، والأدهى نسياننا نمو شجرة الحياة من قبل، وتهالكها من قبل، وإصفرار أوراقها من قبل، وسقوط تلك الأوراق من قبل.. مرات.. وأن هذه المرة لن تكون أبدًا مرة السقوط الأخيرة..

قررت في يوم بعيد جمع أوراق الشجر المتناثرة في نهاية شهر أيلول. نعم أحب تسمية أيلول وأعشقها أكثر بكثير من سبتمبر؛ لأنها تسمية تترك في نفسي بعضًا من شاعرية التاريخ، عبق الأشياء القديمة. فأيلول تسمية تعود للغات السريانية والأرمنية، لغتان قديمتان جدًا، بكثير من فوح رائحة الماضي، والتي امتزجت بفعل استخدام التسمية في كلٍ من تركيا وبلاد الشام بحاضر مخيف ومستقبل ضبابي.

تذكرني كلمة أيلول بالشعر، وبرحيل الأحبة.. وبالنهاية. تبقى النهاية دائمًا مقيدة بحبل متين في شجرة، والشجرة في عمق غابة مظلمة نُسجت حولها أساطير، أما حقيقة الغابة فلا يُعلم عنها شيئًا ولم يجرؤ أحد على دخولها.. كلها أساطير..

الهجر سمة من سمات أيلول.. ولعلها الفريدة التي دفعت الشاعر التركي: جمال سوريه إلى أن يقول:

أيلول

كتبت اسمك على جانب ورقة صفراء

ورقة متساقطة من فرع شجرة

لم تعهد يدي البرودة

ولكن كانت هناك ابتسامة مزيفة

كل شيء حدث في ايلول

عشنا في الماضي بسبب قصر خطواتنا

وبسبب عيناي الخاملة

كانت يدكِ الخاوية

كاذبة مثل كلماتك الصفراء الداكنة

أخذت استراحات بلا رجعة مثلك

فأصبح حزننا كطفل أناني

الآن لم يعد هناك معنى للصمت

فلقد تركتيني عاريًا وسط صمتك

لقد أخبرتك.. كل هذا قد حدث في أيلول

كان بسبب غرقنا في وحدتننا

***

عطور


أتساءل منذ صغري لما وقع الاختيار على شهر أيلول ليكون شهر بداية العام الدراسي الجديد دونًا عن البداية الطبيعية للسنة الميلادية في شهر يناير؟!

لن أذكر أسبابهم المحشوة والمحشودة في الكتب، أنه بفضل وفرة المحاصيل في هذا الوقت من العام، ملائمة الطقس لعودة الأطفال للمدارس... إلخ.

لن أذكر؛ لأن النهاية عندي تبدأ من هنا.. تخفت إنارات الشوراع، بالرغم من بقاء عدد أعمدة الإنارة كما هو.. لم يقل. يُزين الضباب شيئًا فشيئًا ليالي أيلول. يعشش الناس في منازلهم من الثامنة مساءً وتُطفئ الأنوار.. يعلو الصراخ الآمر: لينم الجميع؛ غدًا مدرسة.

في الصباح؛ تتجول في زوايا المنازل رائحة الخبز الفينو الطازج، مصطحبة معها رائحة أوراق الشجر الذابلة، فيتناغما مع روائح الكتب والدفاتر الجديدة.. يتسلل كل ذلك إلى الأنف..

كئيب أيلول، وكئيبة تسميته.. إلا الصباحات..

حينها؛ أتخلى عن مقاومة الأرق. نتحدث سويًا عن نهاية فصل من اللهو، وكيف فقدنا سعادة الخروجات والزيارات.. استبدلناها باستقبال بداية مجهول.. استقبال مُقلق، مُوّتِر.. إلا أنها لا تزال بداية..

وأنا مغرمة بالبدايات بنفس ألق كرهي للنهايات. فبداية عام دراسي جديد هي عندي مغامرة، أعي تمامًا ما فيها صعوبات وحواجز.. لكن هذا لا يمنعني من شكر من جعل بداية العام الدراسي في أيلول، يكفي أنه علّمني أن ليست كل النهايات سيئة، وأن كل نهاية تجر في ذيلها بداية جديدة.

أشكره لأنه منحني عطري الخاص.. عطرٌ يذكرني بأيام خلَت.. عطرٌ ينثر بشرى حكايات أجمل قادمة.. عطرٌ مكوناته طبيعية، غير متكلفة المزج: خبز فينو، أوراق شجر يابسة، كتب ودفاتر جديدة...