امتنان كاتب لسكان عمله، تنويه هامس: "هذا العمل من
وحي خيال المؤلف، وكل ما يرِد فيه من أحداث وشخصيات يمت للواقع بكل الصلات، فلا تفزع
إذا اشرأبت رقبتك ورقبة اللي جابوك واللي يعرفوك من بين السطور". هكذا وقعنا في
الأسر من الكلمات الأربع الأولى للمجموعة القصصية بعد ما يناموا العيال، للمؤلف: عمر
طاهر، الصادرة عن دار الكرمة للنشر والتوزيع، عام 2021م.
تسع عشرة قصة من شوارعنا، عنّا. استبطان واضح ومرتب لتجارب
حيايتة عايشها، ثم جلس يكتب بتكثيف واكتناز.
مُركبة، يتفرع عن كل قصة قصص. مسلسلة لامتناهية الحلقات،
لا يكاد ينتهي العرض، إلا ويعاد إذاعته على وسيط آخر في بيت مجهول. مشاهد داخلي وخارجي
بعدد من مروا على البلد من أبطال وكومبارس. مواسم بطول زمن التعافي من خناقات الجموح
مع الطموح. حلقات يُعاد عرضها في اليوم بإجمالي = حاصل ضرب طول المسافة بين سطوح الأمل
وأسفلت الخيبة X عدد وسائط العرض
البشرية.
تفاصيل الزمن والمواقع والأشخاص منفصلة، تُسبب إرهاق عند
اقتباس الكوتس. في الوقت نفسه حافظت على خيط درامي واحد، مفتول على حبل مجتمع شرقي،
بطرفيه من الوجع والتعافي. إذا ما أقسم الواحد على معايشة قصة منهم – أو أكثر - بكامل
أبعادها في محيطه الضيق؛ أقسم غير حانث. ولتذهب الكوتس للجحيم.
19 قصة من مُنمنات مكتنزة، يقذفها التكرار يوميًا في البيوت.
تلقفها عمر طاهر واحدة تلي الأخرى، وصنع من كل مُنمنة مجسمًا رباعي الأبعاد، بدون إخلال
بالاكتناز المقصود. والتفاصيل الغائبة، أهملها عامدًا، ليستمتع بجلوسه الهادئ على كرسي
هزاز في الساحة الفارغة أعلى يسار الصفحة، مُطلًا على السطور وعلى القارئ، ومكتفيًا
بمداعبة أنامله لشعر اللحية بنفس هدوء إفراجه عن ملامح الوجوه وتفاصيل الأماكن، بغمزة
عين إجابة على: "خفيت أسامي في الحدوتة دي ليه"، ببوكس حنون مُسدد نحو الصدر
وهو يسمعك: "أنت تقصد هنا فلان". بتشويحة ذراع على امتداده وهو يغادر مُغمغمًا
بلعن سؤالك: "النهاية هنا إيه". ثم يعود ويجلس على نفس الهيئة في القصة التالية
حتى آخر صفحة.
هكذا؛ نحى عمر إيجو الكاتب جانبًا، وتعامل مع النص كميراث
مشاع. بل وطلب بلطف متمهل مجاراته في تأليف الـ 19 قصة، وما يتفرع عنها. فاستدعينا
تجاربنا ومن نعرف، وألبسناها لشخصياته، ثم حكينا على ألسنتهم برحابة صدر عنا وعنهم.
استرسلنا في الحكي لسببين: لم يطمس التكثيف الخلفيات التربوية والإجتماعية والثقافية
للشخصيات فتنامت بيننا وبينهم العِشرة، ولم يداري الاكتناز السوءات النفسية فتوطدت
معهم صداقتنا. اكتناز وتكثيف قياس ضغطه الباروميتري لم يرتفع لدرجة "ولا فاهم
حاجة"، ولم يهبط لدرجة "طيب يا سيدي كتر خيرك"، بل استقر عند
"يا نهار أزرق معقول خلصت بسرعة كدة، لأ في كمان".
روّض عمر فرس السرد الهائج. والترويض رياضة شجاعة، أما الفروسية
رياضة نبل. وكل مروض فارس، والعكس غير صحيح. شجاعة الترويض ونبل الفروسية نباريس تلألأت
منيرة وهو يشرح أشد الخصوصيات إحراجًا بغير ابتذال. يُضفر حاضرًا بماضي. يبدأ حكايات
من آخرها. يُنهي قصص عند ماضيها. يُبرم هدنة مع مستقبل شخص، ويقاتل لأجل مستقبل آخرين.
يبعث مرسال بهجة مع رد فعل. يتسلم جواب ألم عليه طابع ذكرى.
وعشان اتجرجنا وحكينا معاه؛ تُضاف موهبتين جديدتين لسجل مواهبه:
بث روح الحكي في المتلقي، فتح مواضيع مزدحمة والركون إلى هدوء الردود المقتضبة على
طريقة الطبيب النفسي.
موهبة أخرى سجلتها المجموعة في سجل المواهب، قديمة نعم، استخدمها
قبل سابق في "من علم عبد الناصر شرب السجائر"، وغيره، لكنها بهذه المجموعة
نَوَافِيث مصدورين في بلاد تأكل النار أحشاء أكابرها – وأصاغرها – من كلمة. كاتب في
الغرب، تنتهي مَلَكته عند دراسة فكرة فاعتقادها، ثم تطويعها للعرض برشاقة. جوب ديسكريبشن
أدوات تطبيقه من أجل سالاري معتبر وعشرات من حفلات القراءة؛ معايشة وبحث وأوراق وأقلام
ولاب توب، وأحيانًا موسيقى في الخلفية، وممكن سجائر. أما عندنا، يُضاف لما سبق بالمجان،
من غير حوافز إجادة ولا أوفر تايم، مهام الرقص على زجاج مهشم وعلى رؤوس أفاعٍ، كشف
ألغام شراشيح التنوير، تفادي شلاليت التكفير، ويسترها ربنا من جعير البعارير بجملة
"زغلولية" منتزعة من سياق "احتلالاوي" 3 مرات. (بتصرف وقح: وصفولي
الصبر: عن الكتابة وأهلها)
تجلت تلك الموهبة هنا، بلا فوقية متصنع، ولا أبوية متكلف،
بل حسيس محب يوشوش منبهًا عن رزايا، عن بلاءات. محذرًا من: جواز الصالونات "أنثى
السكر"، للطلاق سنة أولى جواز "النشرة الجوية". من: البطالة "يجيد
الإسبانية"، للزبون ديمًا على حق "فنجان الست". من: بجاحة الاعتراف
بالخطأ "فتاة تشعر بالوحدة في الثمانينيات"، للاستسلام لرغبات الآخرين واعتبارها
نجاة "شوكة تحت جلدي". من: ملل شات الكتابة معدوم الأحاسيس "فنجان الست"،
لانفصال قنوات التلفزيون عن الواقع "بعد ما يناموا العيال". من: تأخير أجلاف
الأطباء بالساعات والأخطاء الطبية لبعضهم "هبوط اضطراري"، لإله السرد الذي
يصنع قراءه ولا يصنعونه "المتوسط". من: إزالات البيوت "شدة وتزول"،
لـ "ادلعي يا هبة في الأيام المهببة".
الباقي: الحوكمة والتنمية المستدامة ومكافحة تغير المناخ
وجذب الاستثمارات الأجنب... امنعوا الضحك.
لم ينس طاهر كفوف الطعام المشققة من فتل حبال الوصال. حنّاها
بحِنة سوداني. بروزة تخوف من فخ تقليد ما سابق في "كحل وحبهان". لم يسقط.
هناك، في "كحل وحبهان"، أصناف الطعام نظارات طبية تجلي غبش النظر جوه النفوس.
أما هنا؛ مفاوض على بروتوكول توزيع حصص الوخز والنشوة مع الآخرين. الأرز بلبن في
"غبار خفيف" طلب وضع البروتوكول. والسجق في "أثنى السكر" جرَد
الكميات وأجرى المعاملات الحسابية. والكباب في "بعد ما يناموا العيال" صاغ
بنود التوزيع وأخضعها للتدقيق الإملائي والنحوي. والشاي في "يُجيد الإسبانية"
أضاف ملحقًا. والسمك المستكاوي في "فنجان الست" طلب جلسة مباحثات جديدة.
والكريم كراميل المتحروق في "شوكة تحت جلدي" نقل على الهواء مباشرة مراسم
التوقيع. والبن في أغلب القصص وضع لائحة التنفيذ. والبيض المسلوق في "فتاة تشعر
بالوحدة في الثمانينيات" تهديد بالانسحاب ما لم تُعاد المفاوضات على بعض البنود.
رأى الدكتور "جابر عصفور" أن العصر عصر الرواية
بامتياز، وهو من جملة ما أنكرناه عليه، مع حفظ المقامات طبعًا، وكنا ندافع عن إنكارنا
المتوهم هذا بالإصرار على أن الكتابة الحلوة تأخذ مكانها في القلوب، واليوم في أيدينا
دليل مادي ملموس. لكن للأسف لن نستطيع وصفها بـ"السهل الممتنع" لتهلهل الوصف
من كثرة ما غسل كتابات توهمت أن الركاكة سهولة وشذوذ الفكرة تمنُّع، ففقدت العبارة
أعز ما تعبر عنه: "عمل متعوب عليه، وادمنا كتير على ما نلاقي زيه". وبكل
أسف أيضًا لا نعرف لها بديلًا بنفس القوة في الأداء، أقره مجمع اللغة العربية، ولذا
أتوجه للسادة أعضاء المجمع الكرام، إقرار فصاحة تعبير "مجموعة قصص على الله حكايتها
يا عم" مع هذه المجموعة فقط على سبيل الاستثناء.


