أن تُصادف رواية ممتعة هو أمر يستحق التقدير والاحتفاء، وإن
تجد كاتبة شابة تُخلص للفن وتنتج عمل أدبي ذو قيمة، فهذا لا يحدث كثيراً. وقعت رواية
رفيق الموتي للدكتورة/ إيمان البدراوي في يدي بمحض قدر -لا مجال للحديث عنه هنا-،
ففتحت لي عوالم لم أكن استسيغها فيما مضي؛ فبعد تجارب عديدة في هذا الصنف الأدبي
لم تكن على القدر المطلوب من الحرفية؛ قاطعت هذه الثيمة من الروايات. روايات الرعب.
يرجع ذلك إلى؛ استسهال الكُتاب الشباب كتابتها وعدم بذل
المجهود الكافي لإخراج العمل بصورة تحترم عقل القاري. لكن الأمر هنا مختلف بالكلية؛
نحن أمام كتابة جيدة وكاتبة موهوبة، تنسج عملها على مهلٍ، وبحرفية لا تقل جودة عن
الموهبة المتقدة داخلها.
في العادة لا أحب أن أضع أي نص روائي في قالب محدد، أو في
تصنيف من التصنيفات الكلاسيكية، فالروايات عادةً هي وعاء جيد لاحتواء كل أشكال
الدراما، الاجتماعية والرومانسية والفانتازيا والتاريخية.. إلى آخر كل سياقات
الكتابة هذه. ورغم انتماء تلك الرواية إلى فئة الرعب النفسي، إلا إنها تعتمد في
بنيتها الأساسية على سرد معاناة الإنسان، متمثلة هنا بجدارة في أبطالها المقهورين
في الحياة على طول خط الرواية الزمني، منذ مشهد ميلاد البطل الغريب والصادم الذي
صاغته الكاتبة بقدرة فائقة على الخيال والتخيل، لدرجة تتسم بواقعية أكثر من الواقع
نفسه، وحتي مشاهد النهاية الحزينة التي تغزل حالة حزينة تسحب الدموع من القارئ بلا
قدرة منه ولا إرادة.
رواية رفيق الموتى بحبكة غير تقليدية
حبكة رواية رفيق الموتى غير تقليدية لأنها لا تعتمد على
إعادة تدوير ثيمات غربية تم مناقشتها أو تمصيرها في أفلام وروايات مِراراً من قِبل
شباب الكُتاب، بل هي هنا ذات فكرة أصيلة وأصلية. اختيار أسماء الشخصيات كذلك غير
معادة التدوير، بل مُختارة لتعبر عن مصائرهم بدقة، وهذه احدى أهم النقاط التي تُحسب
للكاتبة. من ثنايا جودة الحبكة وأصالتها؛ يمكن أن نُجزم بأن الدكتورة/ إيمان
البدراوي قد بذلت جهداً كبيراً، استغرق شهوراً طويلة، في التحضير لهكذا نَصّ مُرهق
ومُحمّل بالكثير من المشاعر المختلطة والمختلفة، والتي لا تُكتب دون أن تأخذ من
روح وأعصاب كاتبها.
الحالة الرومانسية التي قدمتها الرواية أيضاً -رغم
أجوائها الحزينة- قد أعطت ملمحاً آخراً للعمل، وأكسبت الحكاية ثراءً وعمقاً؛ لتُذاع
من خلف السطور معزوفة موسيقية رقيقة، تجعل قراءة النص مرات غير مُملة، وفي نفس
الوقت يحتاج القارئ إلى كبير مجهود وعظيم تركيز أثناء القراءة.
نخلص من ذلك إلى أن رواية رفيق الموتى ليست من نوعية
الكتابات التي تُقرأ على عجل، كما حال بقية الروايات في نفس التصنيف، والتي في
الغالب تصنع هالة من الحماسة والتشويق خلال القراءة ثم سرعان ما تُنسى التفاصيل.
أما رفيق الموتى رواية تُقرأ بتؤدة وهدوء؛ لأن اللغة في النص تحمل صوت شخصي
للكاتبة، لم يشوبه أو يعكره أصوات أخرى تأثرت بها الكاتبة، لغة منتقاة بعناية،
تحافظ على الأصالة والجزالة، الجمل القصيرة الصادقة التي تُصيب الهدف من أقصر طريق،
بلا ثرثرة فارغة أو حشو غير مطلوب، وفي نفس الوقت تحمل عمقاً شديد التعقيد، وتغزل
الجمل السردية حكاية وراء الحكاية، ومشاعر إنسانية تمس كل إنسان.
في اعتقادي الشخصي؛ رفيق الموتي قد حوّلت الذاتي إلي
شخصي، فاتخذت من حكايات مجموعة من البشر نموذجاً لمأساة البشرية جميعها، لذلك ليس
غريبًا أن يتماس حدث محوري أو شعور نفسي للأبطال مع القارئ، فالرواية على مدار
صفحاتها ترسم ببراعة صورة عميقة للنفوس البشرية بكل ما تحمله من كآبة وحزن وضياع
وتشتت، هي رواية تستعرض المأسي، لكنها لا تبحث عن حلول.
ربما احتاج النص -فقط- إلى بارقة أمل في النهاية، كانت
مطلوبة لكسر حالة الحزن التي كونتها الكاتبة ببراعة، فجعلت القارئ في حالة إيهام
طوال الوقت مع شخوص وأبطال الرواية.
وتكمن احدى أهم نقاط تميز الرواية؛ في قدرة الكاتبة
بالتحدث على لسان الأبطال الذكور، وخاصةً "ثائر"، رغم أنه عملها الأول، ففهم
سيكولوجية الرجل وشرح هواجسه بتلك الطريقة البديعة كانت أحد أهم وأمتع النقاط في
الرواية. كما أن اختيار زاوية سرد الحكاية؛ اتسم بالتشويق والمحافظة على روح النص الرقيقة
الناعمة، الحزينة أحياناً.
رواية رفيق الموتى للدكتورة إيمان البدراوي نموذجًا لأفضل
مخرجات أدب الرعب النفسي المعاصرة، تحمل بين طياتها أفكار وكلمات وخبرات كاتبة أقل
ما توصف به أنها مبدعة، ومُنتظر منها أعمال أدبية أكثر وأجمل وأعقد.
