إسلام وهبان ومعضلتي الأزلية

ظللت ردحًا بعد البلوغ أهنئ الناس في المواسم السنوية بـ "ألف مبروك"، وفي المناسبات السعيدة كالنجاح بـ "كل سنة وأنت طيب"، لدرجة أنني كنت أرد على قوالب التعازي الشهيرة: "البقية في حياتك. البقاء لله"، بـ "عيب يا راجل متقولش كده، إحنا أخوات"؛ فتتحول المندرة/السرادق إلى مسخرة، بكثير من الألش الرخيص.

الصحفي إسلام وهبان


أكرمني الله بالذين جاهدوا فينا، وتمت معالجة المشكلة، وقطع الطريق على الألاشين الرُخاص، ولله الفضل المنّة.

ما لم يُعالج إلى الآن، وفشل المجاهدون فيه، تحولي أنا شخصيًا في محافل الإشادة والتبريكات إلى شخصية سامح عبدالشكور في مسرحية سك على بناتك، والتي أدّاها ببراعة الفنان أحمد راتب رحمه الله. فبغض النظر عن الإنزلاق أرضًا بالطريقة الكوميدية التي نفذها راتب بإجادة تثير القهقهات حد الدموع، أجدني في مواقف الاحتفاء والاحتفال: لخمة، كتكوت مبلول، عرقه مرقه، غرقان في شبر ميه، بطة بلدي في الرد على الثناء. مع أنني في التدوين مجريّ. سبحان الله.

أقسم أنني حاولت كثيرًا تنميق تعابير لمثل تلك الأحداث، لكنني فشلت باقتدار، مثل سامح تمامًا. آه لو اقتصر التواصل بين البشر على الكتابة، لنازعت سيادته كرسيه، سحيح. لكنها حكمة الله في أن نكون كائنات ناطقة. ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.

جُلّ ما استطعته بعد محاولات مرهقة التخفي وراء الردود المقتضبة: "أشكرك"، "أكرمك الله"، "ربنا يعزك"، لكن صياغة عبارة تصف بحق وحقيق ما عليه مشاعري من حب ودفء وامتنان واعتزاز، انسى.

وأحيانًا قد يلزم التخفي الناجح الارتكان إلى حيلة دفاعية؛ للهروب من جلد الذات على العجز، فأسوغ لنفسي قناعات: أنني ما استحققت أصلًا، أو أنها في النهاية مجاملات رقيقة من دمث خلق، أو في أحسن الأحوال يُشاد بي لأنني أفضل السيئين ليس إلا.

الصحفي إسلام وهبان


هل هناك ارتباط بين نشوة السعادة وفقدان القدرة على التعبير؟!

أعلن إسلام فوز مراجعتي على رواية جسم مثالي لرجل مهم للروائي خالد البري، ووضعني دون أن يقصد في مواجهة حامية مع معضلتي الأزلية، فكأن اللغة العربية تبخرت في فضاء سرمديّ، أو أن مفردات الشكر صارت أحجارًا صماءً، مهما تكومت حول بعضها فلن تصف بجلاء ذلك القلب الراقص بين الضلوع شكرًا وعرفانًا. لله الأمر من قبل ومن بعد.

على أي حال؛ بما أنني لن أستطيع؛ فعلى الأقل يمكنني إعلان ما قلته سابقًا في الغرف المغلقة، زي البربند، لعله ينجح ولو نجاحًا جزئيًا في وصف نشوة السعادة التي تغمرني.

إسلام وهبان كصحفي ومدير جروب قراء على الفيسبوك؛ من النوع الفعال والناجز والواعي والمحترف، وكل هذا جميل ومطلوب وممتاز، على الصعيد العملي، خاصةً في واقع ثقافي رتيب وممل، وفي طوره للاضمحلال بفعل الأفكار البليدة وجراء الشخصنة. لكن الأمانة تقتضي القول بأنه يتشابه في هذه الخصال المهنية مع كثيرين.

أما الذي يتفرد به إسلام على أولئك الكثيرون، فهو: النبل.

نبيل هو باختياره لعب دور رأس الحربة في قطاع يموج بالتأولات وسوء الطوية. في أغراضه من الحياة، بالرغم من زمانه القائم على المصلحة والمكسب. في معافرته لخلق حراك. في التقريب بين القراء، وبينهم وبين الكُتّاب. في شحذ الهمم نحو القراءة الجادة، القادرة على بلورة سلوك وتوسيع مدارك وتنمية مهارات التفكير والنقد، ومقاومة القراءة الهزلية السخيفة، والحد من قراءة الملخصات وبوستات الزتونة...

نبيل في إنشاءه وإدارته للجروب والمدونة، وعدم احتكار النشر. في عدم الجور على حق عضو في النشر طالما ظل ملتزمًا بالهدف الأسمى لمجتمع قراء. في عدم الترويج إلا لما ولمن يستحق، ويُضيف إلى القارئ ذائقة ومعارف. في إبداع الأفكار التي تعزز الروابط وتشحن الطاقة وتستقدح بزند العقول. في احتضان المبتدئين وإرشادهم بحب. في شد عضد السالكين على المدارج في اتجاه المعرفة.

إسلام وهبان نبيل... إسلام نبيل وهبان... نبيل وهبان إسلام...

والنبل سمة شحيحة عمومًا... وفي الفضاءات الافتراضية أشحّ...

ارتبط عندنا النبل بالفرسان، وهو ارتباط جد حقيقي، لكنه ظل يتمحور حول أخلاق الفارس في الحروب، وجوده بنفسه دفاعًا عن العُزّل والمستضعفين، وهو تمحور صحيح وجدير.

لكن ما تفوّته الأذهان؛ أن نبل الفارس يبدأ من علاقته مع الحصان. قال لي جدي رحمه الله، وكان من الشغوفين محترفي تربية الخيول، وظل على العهد إلى أن توفاه الله، تسعينيّ، وانقضى بانقضاء نَحبَه زمن الاسطبل، وتفرق الجمع وولت الخيول الدُبر، ثم ما لبثت أن تحولت الأرض الشاسعة إلى خرسانات بشعة - قال: "الفرس يا وليدي لن يعطيك ما تريد إلا إذا رأك صديقًا مخلصًا، تعتني وتهتم لأنك تحب، لا لتكسب في السباقات، حينها فقط سيعافر أكثر منك، وسيجتهد ليكسب إرضاءً لك".

انتهى كلام جدي رحمة الله عليه... وصدق.

فعلًا الخيول كائنات نبيهة إلى أبعد حد، قادرة على التفريق بين الصاحب الذي يعتني ويراعي لغرض في نفسه، وبين الصاحب العاشق والوهبان، حتى إنها لتضع الفارس في اختبارات عديدة، قبل أن تصطفيه، فقد تتمنع عامدةً عن الفوز، لترى هل ستتغير أخلاقه مع الخسارة، أم سيبقى نبيلًا في صحبته ولو فشلت أغراضه.

وليست الخيول وحدها هكذا يا جَد، الحياة كلها خيول. الثقافة والتثقيف أحصنة، الدليل: فروسية إسلام وهبان النبيلة، وفرسه الأثير: التثقيف، الذي يعتني به محبًا، لا لغرض، ومهما وضعه في اختبارات، ولو هناك ثمة غرض تحقق، فقد عافر الفرس قبل إسلام، إرضاءً له، وليمنحه سعادة النجاح مكافأةً على إخلاصه، بعد ما ثبت مرات ومرات أنه عاشق وهبان، وبعدما تأكد أنه لن يشيح بوجه بعيدًا مهما خسر عمرًا ومجهودًا وراحة بال.

أشكرك يا إسلام... يا (نبيل)... وربنا يعزك ويكرمك...