‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراجعات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراجعات. إظهار كافة الرسائل

كيف تنضج المصاير على مهلٍ ؟ قراءة في رواية أقفاص فارغة للشاعرة فاطمة قنديل

رواية أقفاص فارغة - فاطمة قنديل


"كل ما كتبته على هذه الأوراق، كان مؤلمًا، لكنني كنت أتعافى منه في اليوم التالي".

هناك أيام تصنع المصاير، كل المصاير، غير أنها بالضرورة خواتيم، لبدايات صيغت منذ زمن. وذاك الزمن مجهولٌ بلا شك. في حينه أُوقدت النيران خافتة، ثم تأتينا المصاير في النهاية مكتملة، ناضجة؛ فنعرف وقتها فقط أنها... إنما نضجت على مهلٍ.

الرواية شبه سيرة ذاتية لصاحبتها، شبه؛ لأن مساحات الصمت فيها عديدة، والسكوت عن وصف الملامح وتقديم التفسيرات ظل خيارًا وحيدًا في مواجهة الكثير من الأفعال. ولأنها أيضًا ليست قائمة على التوثيق بالمعنى الحرفي، بقدر قيامها على زمن فني، انتُقيت له ذكريات القسوة والمعاناة والألم، ومنحنيات الهبوط، يجوز لأنها الأبقى سيطرةً وخلودًا بما فيها من جراح وهزائم، على النقيض من ذكريات الانتصار والصعود التي تخفت سريعًا على ما معها من سعادة في مواجهة المآسي. وهو ما جعلها (الرواية) دفتر مصارحة، سجل تعارك على صفحاته النزق مع الرعونة، فكان على أثر العراك تهاوي فسيفساء الذاكرة، والتخلص الأبدي من ندوب الطيش وجروح الحنين.

في هدوء تام حدقت الكاتبة بعيون جاحظة في المحيط الحياتي من الأماكن والأشخاص والأحداث؛ لتكشف بالكامل أي ثابت وكل متحول في وعيها العميق عنهم، حتى وصلت لأن تُربتُ على روحها المنهكة كي تستكين أخيرًا.

هدف التداوي المرجو هذا؛ فرض تنحية الأبطال جانبًا، وخلا موقع البطولة للتجربة وعواقبها فقط. تجارب واجهتها وعواقبها الراوية في الأثناء، ويبدو أنها استعدت أيضًا، وبإصرار أقوى، لمواجهة عِناد الإفصاح عنها، كل ذلك في سبيل الخلاص والتحرر.

عرّت المُتذكِّرة أجساد الأسر من الطبقة الوسطى العليا؛ هادمةً وهم أسطورة الروابط العائلية المتينة، وكاشفةً قيوح وتورمات التحولات المجتمعية الكبرى في الفترة من أواخر الخمسينيات حتى أواخر التسعينيات تقريبًا، في سردية لم يتزين شكلها بالمحسنات، ولا تخفَّى فحواها وراء إشاعة تطابق الإصابات في كل الأسر، بل صيغت بحيادية عجيبة، وشجاعة أعجب، تخرج بين الحين والآخر من ثنايا سطورها براثن حادة مدببة تقبص ألم الخصوصية لتقتلعه إلى اللاعودة، وفي الوقت نفسه، حافظ السرد على هدوء الشكل الشعري، وبخاصة عند تمجيد المعاناة والألم والقسوة، وتأكيد دورهم في بزوغ التعافي.

مركزية الأم ومرضها أهم معالم الحكاية، حتى وإن لم تكن بطلتها، حيث جاء دورها أشبه بلهب شمعة تنكشف على وميضه الخافت تحولات النفوس وتغيرات الطبائع، وبما صنعه اللهب من ظل باهت، بانت تباعًا توجهات أفراد الأسرة في الحياة، المادية والأخلاقية والأسرية، ناهيك عن أن جذور المآسي نابتة بالأساس في تربتها، تربة الأم. هي من اختارت – ولو شكليًا، ولو مُجبرة - محطات الانطلاق ومحطات الوصول، المصاير، للأبناء الثلاثة: راجي، رمزي، فاطمة، اختارتها منذ لحظة اختيار الزوج الأولى، الموافقة على الهجرات القريبة والبعيدة الكثيرة، مساعدة الابن الأول "راجي" على السفر تهريبًا من جحيم العزلة وملمات الفشل في التعليم، تبرير رعونة الابن الأوسط "رمزي" في خياراته النسائية وصولًا إلى رعونة اختيار زوجته.

مع الابنة، "فاطمة"، اختارت الأم محطة الإتزان الإجتماعي بالرفعة الأكاديمية، بعد تبّات علم فشلت "فاطمة" في صعودها لأكثر من عشر سنين، تخللتهم زيجتين محكومتين بالفشل، لا لسبب إلا لأنهما كانا هروبًا للأمام، زيجتين عن غير قناعة حقيقة، وإن أبداهما طيش الصبا أبديتين. اختارت الأم تلك المحطة منذ البداية، منذ أن كانت الابنة طفلة مطموعٌ في استقلالية جسدها، في خصوصية أفكارها، غير أن اختيارها هذا ظهر مكثفًا بعد وقت طويل، وقت مرضها، حيث تمنّعت عن العلاج لشهر كامل، وأصرت على ذلك لكي لا يُخدش التفوق الجامعي للبنت في سنته الأخيرة، فوهبتنا بذلك كله أكاديمية وشاعرة وأديبة وقاصّة، ننعم بسيرتها، متألمين بوجع تجاربها، وهبتنا نموذج مُحرِّض نحتذي به في مسح النزوف بجرأة غير مكترثين.

وعلى الرغم من القوة الحاضرة للأم في حيوات الثلاثة، وفشلها مع الأول والثاني، ونجاحها مع الثالثة، مع الابنة، بقي لها - برغم الفشل - عدم استئثارها بالخلاص الفردي وسعيها لنجاة الجميع.

اللحظات القاسية المختارة للزمن الروائي أظنها عصية على التجاوز، خصوصًا مع إبداع الراوية في جذب وجدانك لتجربة واختبار ما في كل لحظة من مشاعر فائرة بنفسه، أكثر من مجرد انشغاله بمجريات اللحظة أو تطورات أحداثها.

حينما تفرغ من قراءة "الخبز الحافي" تعتقد يقينًا أن قتامة الأيام وسواد المجريات ونذالة البشر قد كفانا كاتبها "محمد شكري" مرارتهم بالتجربة نيابة عنا. بيد أن "أقفاص فارغة" للشاعرة والأديبة "فاطمة قنديل" تبدد هذا المعتقد، فلا يزال لآخرين - فاطمة أحدهم - أيام أقتم ومجريات أسود وبشر أنذل. والبشرى في اجتماعهما (شكري وقنديل) على حل وحيد، الهروب بعيدًا، في المكان، وفي المكانة.

دخول عوالم الباشا ليس كالخروج منها : قراءة في رواية بنات الباشا للكاتبة نورا ناجي

رواية بنات الباشا نورا ناجي


راكمت نورا ناجي في روايتها بنات الباشا طبعة دار الشروق، 2021م؛ على مهل وبشكل مدروس طبقات من التميز، بدايةً من الفكرة، حتى التصوير والمعالجة. فما تعنيه وتعتني به نورا ناجي في الرواية أصيلٌ في معارك التجديد، الفكرية والاجتماعية؛ لأنه يرتكز على خصوصية الحالة للإنسان، فحتى وإن جمعتنا سياقات وأُطر ثقافية شبه موحدة، يبقى لكل فرد استقلاليته الفكرية، بحسب صراعه هو مع واقعه.

تسع قصص متقاطعة، لتسع فتيات يجمعهن مكان واحد، بيوتي سنتر الباشا، ولا تماثل جوهري بينهن تقريبًا إلا في:

"من الغريب قدرتنا على الغفران لمن نحبهم برغم فداحة فعلهم، أشعر وكأن حبي يجبرني على الخضوع والنسيان، وأشعر أحيانًا أن الكراهية قوة لا يملكها إلا من يستحقها، أما الضعفاء فمبتلون بالحب، مبتلون باسترجاع مرارة الذكرى وحدهم في لحظات الصمت والسكون قبل النوم، دون حتى أن يملكوا القدرة على الصراخ ألمًا".

نجاحها الأول في جرجرة القارئ – بمزاجه – إلى إلتهام الرواية، فما إن يبدأ حتى ينتهي، مع تأنيب ضمير "بايخ" لو توقف لدقائق مجبرًا بفعل العطش، أو حرقان العين أو التوق لفنجان قهوة.

أن تفرد مساحة لحكايات من عالم المهمشين المكتوم، هو أيضًا نجاح، خاصةً تلك التي يتجلى فيها الصراع النفسي الداخلي مع موروثات ثقافية، لا مجال للحياد عنها إلا بالخطيئة، ومع أطر مجتمعية حاكمة للتصرفات، لا سياق لكسرها إلا بالهروب، وحتى مع الخطيئة أو الهروب لا ضمانة للانتصار أو لنجاح الكسر.

ولكن النجاح الأكبر؛ حكيّ هذا الشائك، والمكتوم أغلبه، بعمق، وبغير ابتذال، وبعيدًا عن القوالب السطحية التي قولبتها أفلام المقاولات الرخيصة، وصارت عِماد من أراد الحديث عن أبناء الطبقات الدنيا، وبالأخص نساءها.

ظني – والله أعلم – أنها عايشت فعلًا شخصياتها التسع، واستبطنت تجاربهن الواقعية، ثم جلست تكتب. وإذا شطح بنا الخيال إلى أن نورا توظفت فعلًا في بيوتي سنتر، متخفية تحت اسم مستعار، لأجل عيون الكتابة، فالشطحة مقبولة التصديق لشواهدها، فالحس الإنساني الغير مفتعل في كل شخصية، وهو الغائب بالطبع عن كتابة "أديب المكتب" الذي يجمع ثيمات شخصياته من مؤلفات آخرين؛ لا يمكن اعتباره خيال محض، وإذا كان خيالها على هذه الدرجة من الإنسانية؛ فاجعل ذلك طبقة التميز الأولى.

كما لم يكن نجاحها في الإنطلاق من محور درامي معقد بالأساس، قاصرٌ على الغوص غير الرخيص فيه، أو على واقعيته الشديدة فقط، ولكن أيضًا من بحثها الدائم عن مخرج النور وسط ركام العتمة. الرواية وإن كانت تناقش وتحلل إنسان الآن، وتتناول جانبه الواقعي الحالي، الغارق في ظلامات الخطيئة والهروب الدامسة، إلا أن المؤلفة ظلت متمسكة بقناعة وجود نور وأمل، حتى في أشد الأركان إظلامًا، فلم تطمس أبدًا بصيص الانفراجة المحتمل.

إشادة نورا ناجي بمراجعة الرواية


تستشتف أنت هذا التوجه من: بلاغة فصحى السرد، وعذوبة الحوارات مع النفس ومع الغير، والتي اعتمدت فيها على تكنيك الفقرات القصيرة، الدسمة بالمعاني الخفية بأكثر مما هو بادي على السطح، وهو ما أكسب صدقًا فنيًا، وحجز للكتابة مرتبة متقدمة على المسار المحفوظيّ البليغ والبسيط: "بقرش فول يا عم"، أو كما يطلق عليه الأكاديميون: "اللغة الثالثة. اللغة البيضاء".

وأيضًا من: منطقية ردود الأفعال، وتماهيها مع الملامح الشكلية والجسدية للشخصية، وتماشيها كذلك مع المنعطفات السلوكية المتوقعة جراء التكوين البيئي والمادي لمكان التنشئة، وهو ما أكسب التفاعل مع الحياة ومع المحيطين حيوية.

وبعيدًا عن سلاسة الحكيّ وعقلانية التشخيص، هناك مقاربة واعية وغير فوقية في تناول آلام النساء التسعة، وفي شرعنة تباين تصرفاتهن، حتى وإن تطابق الوقوع في نفس الفخ. والشرعنة هنا ليست دعوة للتعاطف معهن، ولكنها دعوة لعدم التعالي، والإقرار بوجود فروق فردية ومتغيرات حياتية لكل امرأة على حدة، يُتقبّل معها استثنائية ردود أفعالها وتصرفاتها، ولو تشابهت المواقع وظروف التنشئة مع أخريات.

وحقيقة؛ كان من الآثار الخفية لهذا التناول الواعي؛ هدم الرؤيتين: الذكورية والنسوية، والذي يعكس ما فيهما من تصلب وتكلف وكفر بالتنوع والاختلاف، الأطروحات الموحدة لديفيله الكرافتات والسكارفات على شاشات قنواتنا الفضائية، والصراخ بوجوب أن تتوحد النسوة تحت هذه الراية أو تلك، دونما اعتبار للفردية والخصوصية، لتصبح المحصلة جعجعة بلا طحين على الأرجح.

"لا أحد" - مثلًا - تصرّفت على وقع من العِوز:

"هؤلاء بكل بساطة، نسوة يملكن بيوتهن الخاصة، ملابسهن الأنيقة، مصدر دخل ثابت، فلا حاجة لهنّ بالرجل ولا الزواج، ربما تعيش كل منها حياتها مع صديق أو عشيق، أمّا أنا، فماذا عليّ أن أفعل؟ أنام على سرير متهالك في صالة ضيّقة باردة في الشتاء وخانقة في الحر، لا أعرف أحدًا ولا يعرفني أحد، أتمنّى سماع كلمة لطيفة ولو «شكرًا»، فلا أسمع". وعلى أثر اختبار صعوبة التغيير بالتزامن مع استمرار البقاء داخل محددات الطبقة: "تزداد حدّة المعاكسات فأشعر بالقلق، أحاول السير بشكل أسرع، يلطشني صبّي صغير على مؤخّرتي فأنتفض...".

في حين اختارات "جيجي" التحايل، واستعانت بما يداريه: الزواج الصوري وارتداء النقاب، كحاجزين تتخفى وراءهما، كما وفرت لضميرها ما يُسكته من مبررات وأعذار:

"أنا لا أخون زوجي مع الباشا، أنا أخون الباشا مع زوجي، وهو يخونني مع زوجته، إنّه من حقيّ وأنا من حقه، لكنّ العالم لا يسمح لنا بذلك".

أما "جيلان" فلم تخرج ولم تتحايل صراحةً، بل خلقت واقعًا موازيًا يرضيها عبر أحلام اليقظة، التي تعلمت التكيّف معها قبيل انتهاء القلم السنون الذي لم يبدأ بعد:

"أعيش في واقع موازٍ طيلة الوقت، فيه أنا أميرة الأميرات.... يأتيني الباشا في أحلام يقظتي فارسًا على صهوة جواد، يخطفني من واقعي البائس ويحملني إلى عالم آخر..... أنا غارقة في أحلام يقظتي منذ الطفولة...".

و"نهال" عند لحظة شعورية فارقة قادت إليها التراكمات، لم تُعر المحددات اهتمامًا، كما لم ترضى بالخيال:

"أشعر بأنّني نجسة فعلًا كما يقول... لا شيء يمنعني... أثبتت تهمة النجاسة عليّ أمام نفسي فقط، لكنّها برّأتني منها أمام الجميع".

بيوتي سنتر


"منى" و"ياسمين" قبلتا المفروض ولم تناقشا. كما لم تناقش "فلك" أيضًا، بالرغم من تمردها المدفوع بعنجهية مزيفة لأب موهوم وبنت عديمة الموهبة، ربع متحققة، لكنها أيقنت بعد فترة من موات روحها في صمت، فحاولت إحياءها ولو للحظات قبل أن يُسدل ستار العمر.

بينما "زينب" التي لم تحتاج إلى أيٍّ من هذا كله، والمحسودة ممن حولها من الواهمات، المتمنيات لمكانها ومكانتها عند الباشا، ما لبثت أن اكتشفت الزيف، البراق في مظهره، الحزين في بؤبؤه.

ولا شك ستخونك عيناك بالدموع - كما خانتني - مع "أم لوسيندا" لفرط قسوة الجبرية، والتي جعلت الاختيار بحد ذاته ترفًا، وجعلتها كأنثى معاقة حتى عن التطلع لما هو أبعد، بشكل نهائي، وغير قابل للتبدّل، وأقصى طموحها الحفاظ على ما بيدها من خلال السير الأعمى خلف السائرين.

قبس النور القادر على تبديد العتمة، والذي ظلت الأديبة تراهن عليه من البداية، تجسَّد في "نادية". الشخصية التي تعتقد - كقارئ - أن دورها في الحديث عن نفسها وآلامها واختيارتها قادم لا محالة، وبمساحة أكبر من الأخريات، ولكن تنفد منك الصفحات لتكتشف بطلان اعتقادك؛ فقد شغلت مساحة سردية، أقل من عُشر معشار المساحة المتاحة لغيرها. تدري لماذا؟!

لأن العبرة ليست من نادية؟ العبرة أن تكون أنت – القارئ – نادية، أن تكونها في قراءة حيوات الناس من داخلها، من منظورهم هم، بدون أحكام مسبقة ولا تصنيفات جزافية. أن تخفف عنهم المرارة بالقبول، وأن تتمحور فاعلية دورك معهم في:

"- الحق أنّك ساعدتيني، ساعدتيني على معرفة أنّني قادرة، وأنّني أستطيع المواجهة، أستطيع الوقوف بجانب نفسي، أستطيع أن أكون أنا، ولا أن أظلّ مجرد سلعة تُشترَى وتباع، زخرف يزيّن حياة فارغة، آلي يسير بالقوى الدافعة".

دخلت عوالم بنات الباشا دون أن أكون "نادية" لأحد، وخرجت وأنا عازم على أن أكونها لأقربهن إليّ، بنتي، بنت الثمانِ سنوات، بعد أن فهمت:

"لماذا تأتي كل هذه النساء إلى الكوافير..... كُلّهنّ يردن تمييزًا، التميّز يمنحهنّ القوة، يجعلهن قادرات على تحقيق ما يردنه".

فلن اعتبر من اليوم مشاوير ومصاريف الاكسسوارات وتكاتيك الشعر "بالأمور التافهة كما يقول الرجال، إنها أساسيات حياة المرأة...". وسأجتهد في حذو طريقة "نادية" مع بُنيّتي:

"وكأنها ظهرت من اللا مكان كعادتها، تبتسم لي...

- أنت تعنين لي الكثير..

* ماذا؟

- أنتِ أحد بالنسبة لي، إنسان، امرأة جميلة بشعرك، بالإيشارب بأي شيء".

حسن الخطيب من مصر يكتب: قراءة في كتاب السرد الفلسفي لـ/ عبداللطيف الحرز

حسن الخطيب وقراءة في كتاب السرد الفلسفي (تجاذبات قولية بين الغزالي والسهروردي، حكايات عقلية من أفلاطون إلي الطباطبائي) لـ/ عبداللطيف الحرز

كتاب السرد الفلسفي لـ/ عبداللطيف الحرز


ارتباكات الكتابة بين الاستدلال والتخيل

في هذا الكتاب يحاول عبداللطيف الحرز الكشف عن وجه آخر للفلسفة، وجه مغاير عن وجه الإستدلال والبرهان، وجه غارق في السرد والحكاية والبلاغة والمجاز. ولأن الفلسفة دائمًا ما تُظهر نفسها باعتبارها البناء الصارم الذي يتطابق فيه المعقول مع الموجود، فهذا ما جعلها تبتعد كثيرًا عن مشاغبات الشعر وصخب الخطابة وكل قصة وحكاية ومجاز وبلاغة، وعلى الرغم من أن الفلسفة هي جزء من الأدب كما إنها جزء من التاريخ إلا إنه كل اقتراب منهما يعتبر محسوب على عدم الدقة النظرية والابتعاد عن الحقيقة، وهذا ما يفسر لنا تمسك الفلاسفة بلا زمانية الوجود، لأن هذا بدوره يقصي السرد والحكاية من الفلسفة.. وهذه مغالطات كبيرة، فحتى لو ثبت لا زماني الوجود فهذا لا يعني لازمانية الفلسفة، لأن الفلسفة هي مجموعة تصوراتنا -نحن- عن الوجود، وبهذا فهي جزء من تاريخ شخصي وسردي لمجموعة من الناس.. وبناءًا على هذا يقدم لنا عبداللطيف الحرز في كتابه "السرد الفلسفي" الوجه الآخر من الفلسفة الذي تمتزج فيه الحكاية والبرهان ويكتمل فيه العقل مع السرد، وذلك عبر المتكلمين في الحضارات القديمة والمسيحية والإسلام.

جارية الرومي وحورية الطباطبائي

لو حاولنا في مقاربة وبحث للدرس فلسفي كمنطوق برهاني سنجد أنه يخفي مسكوتًا سرديًا، وهذا ما يتحقق هنا في القصة المعروفة (الملك والجارية) التي صاغها جلال الدين الرومي والتي مفادها، أن ملكًا قابل جارية فاتنة الجمال واختفت فبحث عنها ولم يجدها حتى مرض وأصبح معذبًا بحبها يطوف على الأطباء ولم يجد طبيبًا يشفيه، هذه القصة أصبحت كقنينة يتناقلها الفلاسفة من جيل إلى آخر، فيحكيها ابن سينا والطوسي وابن الطفيل والسهروردي وفريد الدين العطار  والطباطبائي، كل منهم يظهر وجه العملة الفلسفية المغاير للبرهان بالخيال والعاطفة قاصدًا الجمال الحقيقي للمعرفة والكشف. فما يحكى عن الإمام الطبطبائي بأنه قد رأى حورية من الجنة بجانبه، ليست سوى نفس القصة ذاتها، ذلك التجلي الذي شاهده الملك في حورية جلال الدين الرومي.. إذا للفلسفة زاوية أخرى وجانب سردي حكواتي.

الغزالي فلسفة الحجّام وعسل الاستعارة

إن فلسفة الغزالي كثيرًا ما تظهر الجانب السردي مع الإستدلال البرهاني، فيخبرنا في دمج بين الحكاية والتنظير الفلسفي عن بداياته وبطولاته ومغامراته في هذا المسلك العلمي الصعب الملئ بالخصوم والهجوم والتحولات حتى الوصول من الشك إلى الإيمان والحقيقة الفلسفية، وهذه الرحلة الشاقة تكشف لنا عن شخصية لا تسكن ولا تمل من طلب العلم، وهذا العمل الدؤوب يكشف لنا أيضا عن روح مضطربة كثيرة القلق، فنجده يندم عن الخوض في علم الكلام والقيل والقال، كذلك في هجومه على الفلسفة هو إسقاط عن تجربته غير المريحة مع الفلسفة.. من هذه التحولات تظهر الإستعارة والتمثيل في حكي وسرد الرحلة الشاقة والتجربة العاطفية القوية في الإيمان والكشف. أيضًا تكشف لنا عن تأثير الحجّام (الملك) والسياسية في تنقله من بلد إلي بلد والابتعاد عن الصدام والمخالفة.

التواصل السردي من ابن الطفيل والسهروردي إلى العطار وابن سينا

إن التراث السردي بين الفلاسفة ملئ بالحكايات، فنجد مثلًا قصة ابن الطفيل التي تحكي عن طفل(حي بن قيظان)، ولد في الطبيعة وتعلم من الحيوانات حتى كبر وتكونت لديه صورة عن الحياة والموت والإله.. هذا النوع من الحكايات تناقله فلاسفة مثل: ابن سينا والطوسي والطبطبائي في الإشارة إلى الكشف والعرفان والعقبات الموجودة في هذا الطريق، هذا مسلك قد تحرر فيه الفيلسوف من قيد المقولات الفكرية إلى البوح العاطفي المفعم بالخيال، يلجأ إليه كثيرًا عندما يصل إلى الحكمة المتعالية، والتي من شأنها لا تصلح للعوام ولن يفهمها الناس لذلك تكون مليئة بالرمز والمجاز، فنجد طور الإنعزال والإحجام عن الكتابة يأخذ حيزًا مهمًا في كتاباتهم وسردهم.

الشيرازي والعودة إلى كهف افلاطون

يعتبر محمد بن إبراهيم الشيرازي الملقب بـ (ملا صدرا) أو (صدر المتأهلين) هو البوتقة التي جمعت كل الفلاسفة السابقين، فهو امتداد ومكمل لفلسفة الغزالي وابن عربي وشيخ الإشراق السهروردي، وهو من أثبت خطأ مقولة موت الفلسفة بعد ابن رشد، حيث استمرار الدرس الفلسفي في الفضاء الشيعي والإيراني يرجع في الأصل لفضل فلسفته وشاريحيها من بعده.

تكمن الصدمة الأولى في حياة الشيرازي من خلال إعلانه عن مذهبه بأصالة الوجود عن الماهية، موجهًا نقدًا للسائد حينذاك من شراح ابن سينا الذين يقولون بأصالة الماهية، لينتهي به الحال مطرودًا من مدينته "قم" ليعيش في كهف على ضواحي المدينة.

ويتطرق للبلاغة والشعر في تأكيده على أن العلم الحصولي الغيبي يعتمد على معرفة المجهول التصوري والتصديقي، وبالتالي لا يمكن الوصول إلى الوجود في العلم الحصولي حيث لا يمكن إقامة البرهان على مجهول، وأن العقل هنا وظيفته الوصول لا الإنتاج المعرفي وهو بذلك إيصال ناقص يحتاج إلى نوع من أنواع الكشف، ومن خلال حديثه عن الكشف تنفجر عاطفة الضيق من الجمهور والهجوم عليه بسيرة ذاتية، ولجوءه للخيال والتصور في محاججة الخصوم.. وكثيرًا ما يتشابه مع الغزالي في دمج السيرة الذاتية مع الوجدان الصوفي، وكذلك بقوله بأصالة الماهية ثم الرجوع والتوبة بعد ممارسات ونوع من أنواع الكشف الرباني والقول بأصالة الوجود، وأيضًا الهجوم العنيف على المخالفين من الفقهاء والفلاسفة من مبدأ أنه هو من جلب ذلك السخط لنفسه بسبب تبسيط الفلسفة للتلاميذ والجمهور، عكس الغزالي الذي رفض المذهب الفلسفي من أساسه، وأيضًا صدامه مع السلطة الصفوية لتظل فلسفة الشيرازي ساكنة حتى جاء الخميني في إيران وأعاد إحياؤها من جديد.

الخميني التصوف استراحة محارب

يتوجه الخميني برسالة يدعو فيها رئيس الاتحاد السوفيتي "غورباتشوف" بقراءة كتاب الحكمة المتعالية للشيرازي فيقول: "السيد غورباتشوف الواجب هو التوجه نحو الحقيقة، إن مشكلة بلدكم الأساسية لا تكمن في مشكلة الملكية والاقتصاد والحرية، بل إن مشكلتكم الأساسية هي فقدان الإيمان الحقيقي بالله .....".

مستخدمًا لغة كلاسيكية قديمة مع رجل صاحب تعليم عصري، ورغم تقليدية الرسالة نجد أن الخطاب مقصود به ذلك، فهو لا يخاطب فقط الخارج بل الداخل من الجموع والمريدين بعد ثورة اعتمدت على حشد الداخل والاتكال عليه، بل وستتحول هذه الخطب والرسائل إلى متن يتم تدريسه في الحوزات العلمية في إيران، بعد أن كان الخميني -أستاذ الفلسفة- يشطفون طلابه القدح الذي يشرب منه هو وابنه حتى يتطهر من نجاسة الفلسفة، أصبح الآن هو رأس الدرس الفلسفي في الحوزات العلمية الإيرانية.. هكذا تبدل الحال.

وفلسفة الخميني ككل المتصوفة لا تقبل من الفلسفة إلا كونها وسيلة وعقلًا شارحًا ليس منتجًا، مستخدمًا تارة الخطاب السري في عرض آراءه الخاصة، وتارة أخرى يستخدم الخطاب الوعظي الجمعي المختلط بالشعر والأدب والبلاغة والترميز في خطاب العامة، وهنا يجتمع مع الغزالي والشيرازي والمظفر، حيث المحاورة مع رموز خيالية في شرح الفلسفة والعرفان والتصوف.

الطباطبائي وسعادة كسر الاحتياج

إن سعادة الإنسان لدى الإمام الطباطبائي تتأتى من خلال السير عبر الطبيعي والمطلوب والجاهز، والخروج عن هذا النهج كالذي يريد أن يشبع بدون طعام يؤكل ويهضم، وخروج كهذا هو ظلم وسقوط في الإثم، وبالتالي فالسعادة من خلال القانون لا من خلال كسره والخروج عليه، وهذا ما ينعكس في كتابة الطباطبائي فهي مرتبطة بالمألوف والرسمي من خلال النص الديني الأول وهو القرآن الكريم والسنة، وبهذا يقف موقف سلبي من الشعر والخيال باعتباره خروج عن المرسوم سلفًا، لكن في قراءة أخرى لكتاب محمد الحسين الطهراني السارد لحياة الطباطبائي نجد وجه آخر لفلسفته، وهو وجه خالي من الكتابة النظرية الجامدة مفعم بالحياة والخيال والسرد الذاتي من المحنة وهجوم الخصوم ثم الإنعزال والوصول في تجربة عرفانية قائمة على العاطفة والخيال، كذلك ما يظهر خلف فلسفة الطباطبائي أنه يمثل في الأصل الخروج عن المألوف، فهو أول من ضرب مسمار في نعش العلم السائد والمألوف من خلال تناول الفلسفة في محيط لا يمتهن إلا الفقه وعلم الأصول، ضاربًا بالعلم السائد عرض الحائط.

الجيلاني لا صبرية الكتابة

على صعيد آخر يتحدث الجيلاني في كتابه (الفتح الرباني والفيض الرحماني) عن الصبر فيقول: "إنما يُظْفَر بما عند الله عز وجل بالصبر، ولهذا أكد الله عز وجل عن الصبر ...". 

فما يظهر في فلسفة الإمام الجيلاني تأكيده على الصبر في حين هو نفسه لا يستطيع الصبر في الإنكباب على الأوراق ومزاولة الكتابة، فالكتاب عبارة عن محاضرات شفهية كتبت من قبل تلاميذه، تاركًا الكتابة التي لا يأتي من وراءها إلا المعصية والإثم والوقوع في المسآءلة.. 

والجيلاني مثل الطبطبائي لا يتحدث عن العرفان إلا كذكريات شخصية حدثت ذات يوم، ففي السرد تواصلية ذهنية وعاطفية تكسر صرامة الهوية عكس الكتابة النظرية والاستدلالية التي تحفظ هيبة الهوية، لهذا انقطع الجيلاني عن الكتابة، وهجا الطبطبائي الكتابة الشعرية لما فيها من خيال وعاطفة.

الكاتب المصري حسن الخطيب


حسن إبراهيم الخطيب : مهتم بالقراءة والاطلاع على الكتب ومراجعتها. 

قراءة في رواية رفيق الموتى للدكتورة/ إيمان البدراوي .. أدب الرعب النفسي، ومعاناة البشر

رواية رفيق الموتى  إيمان البدراوي


أن تُصادف رواية ممتعة هو أمر يستحق التقدير والاحتفاء، وإن تجد كاتبة شابة تُخلص للفن وتنتج عمل أدبي ذو قيمة، فهذا لا يحدث كثيراً. وقعت رواية رفيق الموتي للدكتورة/ إيمان البدراوي في يدي بمحض قدر -لا مجال للحديث عنه هنا-، ففتحت لي عوالم لم أكن استسيغها فيما مضي؛ فبعد تجارب عديدة في هذا الصنف الأدبي لم تكن على القدر المطلوب من الحرفية؛ قاطعت هذه الثيمة من الروايات. روايات الرعب.

يرجع ذلك إلى؛ استسهال الكُتاب الشباب كتابتها وعدم بذل المجهود الكافي لإخراج العمل بصورة تحترم عقل القاري. لكن الأمر هنا مختلف بالكلية؛ نحن أمام كتابة جيدة وكاتبة موهوبة، تنسج عملها على مهلٍ، وبحرفية لا تقل جودة عن الموهبة المتقدة داخلها.

في العادة لا أحب أن أضع أي نص روائي في قالب محدد، أو في تصنيف من التصنيفات الكلاسيكية، فالروايات عادةً هي وعاء جيد لاحتواء كل أشكال الدراما، الاجتماعية والرومانسية والفانتازيا والتاريخية.. إلى آخر كل سياقات الكتابة هذه. ورغم انتماء تلك الرواية إلى فئة الرعب النفسي، إلا إنها تعتمد في بنيتها الأساسية على سرد معاناة الإنسان، متمثلة هنا بجدارة في أبطالها المقهورين في الحياة على طول خط الرواية الزمني، منذ مشهد ميلاد البطل الغريب والصادم الذي صاغته الكاتبة بقدرة فائقة على الخيال والتخيل، لدرجة تتسم بواقعية أكثر من الواقع نفسه، وحتي مشاهد النهاية الحزينة التي تغزل حالة حزينة تسحب الدموع من القارئ بلا قدرة منه ولا إرادة.

رواية رفيق الموتى بحبكة غير تقليدية

حبكة رواية رفيق الموتى غير تقليدية لأنها لا تعتمد على إعادة تدوير ثيمات غربية تم مناقشتها أو تمصيرها في أفلام وروايات مِراراً من قِبل شباب الكُتاب، بل هي هنا ذات فكرة أصيلة وأصلية. اختيار أسماء الشخصيات كذلك غير معادة التدوير، بل مُختارة لتعبر عن مصائرهم بدقة، وهذه احدى أهم النقاط التي تُحسب للكاتبة. من ثنايا جودة الحبكة وأصالتها؛ يمكن أن نُجزم بأن الدكتورة/ إيمان البدراوي قد بذلت جهداً كبيراً، استغرق شهوراً طويلة، في التحضير لهكذا نَصّ مُرهق ومُحمّل بالكثير من المشاعر المختلطة والمختلفة، والتي لا تُكتب دون أن تأخذ من روح وأعصاب كاتبها.

الحالة الرومانسية التي قدمتها الرواية أيضاً -رغم أجوائها الحزينة- قد أعطت ملمحاً آخراً للعمل، وأكسبت الحكاية ثراءً وعمقاً؛ لتُذاع من خلف السطور معزوفة موسيقية رقيقة، تجعل قراءة النص مرات غير مُملة، وفي نفس الوقت يحتاج القارئ إلى كبير مجهود وعظيم تركيز أثناء القراءة.

نخلص من ذلك إلى أن رواية رفيق الموتى ليست من نوعية الكتابات التي تُقرأ على عجل، كما حال بقية الروايات في نفس التصنيف، والتي في الغالب تصنع هالة من الحماسة والتشويق خلال القراءة ثم سرعان ما تُنسى التفاصيل. أما رفيق الموتى رواية تُقرأ بتؤدة وهدوء؛ لأن اللغة في النص تحمل صوت شخصي للكاتبة، لم يشوبه أو يعكره أصوات أخرى تأثرت بها الكاتبة، لغة منتقاة بعناية، تحافظ على الأصالة والجزالة، الجمل القصيرة الصادقة التي تُصيب الهدف من أقصر طريق، بلا ثرثرة فارغة أو حشو غير مطلوب، وفي نفس الوقت تحمل عمقاً شديد التعقيد، وتغزل الجمل السردية حكاية وراء الحكاية، ومشاعر إنسانية تمس كل إنسان.

في اعتقادي الشخصي؛ رفيق الموتي قد حوّلت الذاتي إلي شخصي، فاتخذت من حكايات مجموعة من البشر نموذجاً لمأساة البشرية جميعها، لذلك ليس غريبًا أن يتماس حدث محوري أو شعور نفسي للأبطال مع القارئ، فالرواية على مدار صفحاتها ترسم ببراعة صورة عميقة للنفوس البشرية بكل ما تحمله من كآبة وحزن وضياع وتشتت، هي رواية تستعرض المأسي، لكنها لا تبحث عن حلول.

ربما احتاج النص -فقط- إلى بارقة أمل في النهاية، كانت مطلوبة لكسر حالة الحزن التي كونتها الكاتبة ببراعة، فجعلت القارئ في حالة إيهام طوال الوقت مع شخوص وأبطال الرواية.

وتكمن احدى أهم نقاط تميز الرواية؛ في قدرة الكاتبة بالتحدث على لسان الأبطال الذكور، وخاصةً "ثائر"، رغم أنه عملها الأول، ففهم سيكولوجية الرجل وشرح هواجسه بتلك الطريقة البديعة كانت أحد أهم وأمتع النقاط في الرواية. كما أن اختيار زاوية سرد الحكاية؛ اتسم بالتشويق والمحافظة على روح النص الرقيقة الناعمة، الحزينة أحياناً.

رواية رفيق الموتى للدكتورة إيمان البدراوي نموذجًا لأفضل مخرجات أدب الرعب النفسي المعاصرة، تحمل بين طياتها أفكار وكلمات وخبرات كاتبة أقل ما توصف به أنها مبدعة، ومُنتظر منها أعمال أدبية أكثر وأجمل وأعقد.

قراءة انطباعية في المجموعة القصصية بعد ما يناموا العيال لـ عمر طاهر

بعد ما يناموا العيال لـ عمر طاهر


امتنان كاتب لسكان عمله، تنويه هامس: "هذا العمل من وحي خيال المؤلف، وكل ما يرِد فيه من أحداث وشخصيات يمت للواقع بكل الصلات، فلا تفزع إذا اشرأبت رقبتك ورقبة اللي جابوك واللي يعرفوك من بين السطور". هكذا وقعنا في الأسر من الكلمات الأربع الأولى للمجموعة القصصية بعد ما يناموا العيال، للمؤلف: عمر طاهر، الصادرة عن دار الكرمة للنشر والتوزيع، عام 2021م.

تسع عشرة قصة من شوارعنا، عنّا. استبطان واضح ومرتب لتجارب حيايتة عايشها، ثم جلس يكتب بتكثيف واكتناز.

مُركبة، يتفرع عن كل قصة قصص. مسلسلة لامتناهية الحلقات، لا يكاد ينتهي العرض، إلا ويعاد إذاعته على وسيط آخر في بيت مجهول. مشاهد داخلي وخارجي بعدد من مروا على البلد من أبطال وكومبارس. مواسم بطول زمن التعافي من خناقات الجموح مع الطموح. حلقات يُعاد عرضها في اليوم بإجمالي = حاصل ضرب طول المسافة بين سطوح الأمل وأسفلت الخيبة X عدد وسائط العرض البشرية.

تفاصيل الزمن والمواقع والأشخاص منفصلة، تُسبب إرهاق عند اقتباس الكوتس. في الوقت نفسه حافظت على خيط درامي واحد، مفتول على حبل مجتمع شرقي، بطرفيه من الوجع والتعافي. إذا ما أقسم الواحد على معايشة قصة منهم – أو أكثر - بكامل أبعادها في محيطه الضيق؛ أقسم غير حانث. ولتذهب الكوتس للجحيم.

19 قصة من مُنمنات مكتنزة، يقذفها التكرار يوميًا في البيوت. تلقفها عمر طاهر واحدة تلي الأخرى، وصنع من كل مُنمنة مجسمًا رباعي الأبعاد، بدون إخلال بالاكتناز المقصود. والتفاصيل الغائبة، أهملها عامدًا، ليستمتع بجلوسه الهادئ على كرسي هزاز في الساحة الفارغة أعلى يسار الصفحة، مُطلًا على السطور وعلى القارئ، ومكتفيًا بمداعبة أنامله لشعر اللحية بنفس هدوء إفراجه عن ملامح الوجوه وتفاصيل الأماكن، بغمزة عين إجابة على: "خفيت أسامي في الحدوتة دي ليه"، ببوكس حنون مُسدد نحو الصدر وهو يسمعك: "أنت تقصد هنا فلان". بتشويحة ذراع على امتداده وهو يغادر مُغمغمًا بلعن سؤالك: "النهاية هنا إيه". ثم يعود ويجلس على نفس الهيئة في القصة التالية حتى آخر صفحة.

هكذا؛ نحى عمر إيجو الكاتب جانبًا، وتعامل مع النص كميراث مشاع. بل وطلب بلطف متمهل مجاراته في تأليف الـ 19 قصة، وما يتفرع عنها. فاستدعينا تجاربنا ومن نعرف، وألبسناها لشخصياته، ثم حكينا على ألسنتهم برحابة صدر عنا وعنهم. استرسلنا في الحكي لسببين: لم يطمس التكثيف الخلفيات التربوية والإجتماعية والثقافية للشخصيات فتنامت بيننا وبينهم العِشرة، ولم يداري الاكتناز السوءات النفسية فتوطدت معهم صداقتنا. اكتناز وتكثيف قياس ضغطه الباروميتري لم يرتفع لدرجة "ولا فاهم حاجة"، ولم يهبط لدرجة "طيب يا سيدي كتر خيرك"، بل استقر عند "يا نهار أزرق معقول خلصت بسرعة كدة، لأ في كمان".

روّض عمر فرس السرد الهائج. والترويض رياضة شجاعة، أما الفروسية رياضة نبل. وكل مروض فارس، والعكس غير صحيح. شجاعة الترويض ونبل الفروسية نباريس تلألأت منيرة وهو يشرح أشد الخصوصيات إحراجًا بغير ابتذال. يُضفر حاضرًا بماضي. يبدأ حكايات من آخرها. يُنهي قصص عند ماضيها. يُبرم هدنة مع مستقبل شخص، ويقاتل لأجل مستقبل آخرين. يبعث مرسال بهجة مع رد فعل. يتسلم جواب ألم عليه طابع ذكرى.

إشادة عمر طاهر بالمراجعة


وعشان اتجرجنا وحكينا معاه؛ تُضاف موهبتين جديدتين لسجل مواهبه: بث روح الحكي في المتلقي، فتح مواضيع مزدحمة والركون إلى هدوء الردود المقتضبة على طريقة الطبيب النفسي.

موهبة أخرى سجلتها المجموعة في سجل المواهب، قديمة نعم، استخدمها قبل سابق في "من علم عبد الناصر شرب السجائر"، وغيره، لكنها بهذه المجموعة نَوَافِيث مصدورين في بلاد تأكل النار أحشاء أكابرها – وأصاغرها – من كلمة. كاتب في الغرب، تنتهي مَلَكته عند دراسة فكرة فاعتقادها، ثم تطويعها للعرض برشاقة. جوب ديسكريبشن أدوات تطبيقه من أجل سالاري معتبر وعشرات من حفلات القراءة؛ معايشة وبحث وأوراق وأقلام ولاب توب، وأحيانًا موسيقى في الخلفية، وممكن سجائر. أما عندنا، يُضاف لما سبق بالمجان، من غير حوافز إجادة ولا أوفر تايم، مهام الرقص على زجاج مهشم وعلى رؤوس أفاعٍ، كشف ألغام شراشيح التنوير، تفادي شلاليت التكفير، ويسترها ربنا من جعير البعارير بجملة "زغلولية" منتزعة من سياق "احتلالاوي" 3 مرات. (بتصرف وقح: وصفولي الصبر: عن الكتابة وأهلها)

تجلت تلك الموهبة هنا، بلا فوقية متصنع، ولا أبوية متكلف، بل حسيس محب يوشوش منبهًا عن رزايا، عن بلاءات. محذرًا من: جواز الصالونات "أنثى السكر"، للطلاق سنة أولى جواز "النشرة الجوية". من: البطالة "يجيد الإسبانية"، للزبون ديمًا على حق "فنجان الست". من: بجاحة الاعتراف بالخطأ "فتاة تشعر بالوحدة في الثمانينيات"، للاستسلام لرغبات الآخرين واعتبارها نجاة "شوكة تحت جلدي". من: ملل شات الكتابة معدوم الأحاسيس "فنجان الست"، لانفصال قنوات التلفزيون عن الواقع "بعد ما يناموا العيال". من: تأخير أجلاف الأطباء بالساعات والأخطاء الطبية لبعضهم "هبوط اضطراري"، لإله السرد الذي يصنع قراءه ولا يصنعونه "المتوسط". من: إزالات البيوت "شدة وتزول"، لـ "ادلعي يا هبة في الأيام المهببة".

الباقي: الحوكمة والتنمية المستدامة ومكافحة تغير المناخ وجذب الاستثمارات الأجنب... امنعوا الضحك.

مؤلفات عمر طاهر مع دار الكرمة


لم ينس طاهر كفوف الطعام المشققة من فتل حبال الوصال. حنّاها بحِنة سوداني. بروزة تخوف من فخ تقليد ما سابق في "كحل وحبهان". لم يسقط. هناك، في "كحل وحبهان"، أصناف الطعام نظارات طبية تجلي غبش النظر جوه النفوس. أما هنا؛ مفاوض على بروتوكول توزيع حصص الوخز والنشوة مع الآخرين. الأرز بلبن في "غبار خفيف" طلب وضع البروتوكول. والسجق في "أثنى السكر" جرَد الكميات وأجرى المعاملات الحسابية. والكباب في "بعد ما يناموا العيال" صاغ بنود التوزيع وأخضعها للتدقيق الإملائي والنحوي. والشاي في "يُجيد الإسبانية" أضاف ملحقًا. والسمك المستكاوي في "فنجان الست" طلب جلسة مباحثات جديدة. والكريم كراميل المتحروق في "شوكة تحت جلدي" نقل على الهواء مباشرة مراسم التوقيع. والبن في أغلب القصص وضع لائحة التنفيذ. والبيض المسلوق في "فتاة تشعر بالوحدة في الثمانينيات" تهديد بالانسحاب ما لم تُعاد المفاوضات على بعض البنود.

رأى الدكتور "جابر عصفور" أن العصر عصر الرواية بامتياز، وهو من جملة ما أنكرناه عليه، مع حفظ المقامات طبعًا، وكنا ندافع عن إنكارنا المتوهم هذا بالإصرار على أن الكتابة الحلوة تأخذ مكانها في القلوب، واليوم في أيدينا دليل مادي ملموس. لكن للأسف لن نستطيع وصفها بـ"السهل الممتنع" لتهلهل الوصف من كثرة ما غسل كتابات توهمت أن الركاكة سهولة وشذوذ الفكرة تمنُّع، ففقدت العبارة أعز ما تعبر عنه: "عمل متعوب عليه، وادمنا كتير على ما نلاقي زيه". وبكل أسف أيضًا لا نعرف لها بديلًا بنفس القوة في الأداء، أقره مجمع اللغة العربية، ولذا أتوجه للسادة أعضاء المجمع الكرام، إقرار فصاحة تعبير "مجموعة قصص على الله حكايتها يا عم" مع هذه المجموعة فقط على سبيل الاستثناء.

أحمد السملاوي يكتب: قراءة في مشروع حماد عليوة الروائي

كتب: أحمد السملاوي

قلة هم أصحاب المشاريع الأدبية، هؤلاء الذين يملكون فكراً واضح ينقلونه عبر سرديات ممتعة وخادعة لا تتسم بروح المباشرة، ولا بالنقل الحرفي لمعطيات الواقع، وإنما إعطاء كل معني ومشهد روحًا مختلفة. والحقيقة الدامغة التي اكتشفتها خلال الشهور المنصرمة بأن مشروع حماد عليوة الأدبي هو واحد من أهم المشاريع الأدبية المتواجدة علي الساحة؛ فالعالم الروائي لدى حماد يستلهم حكاياته من المكان. المكان هو البطل دائماً وأبداً بما يحمله من تاريخ وشخوص ومصائر، وهكذا يبدأ دوماً حماد عليوة عالمه الروائي باستعراض ذاكرة المكان، ثم غرس شخوصه داخله في إطار حبكة متماسكة ذات دلالة وعمق لتعرض أنماط من البشر لا ندري عنهم شيء. وداخل هذا المقال المتواضع نعرض رباعية حماد عليوة الروائية؛ بدءً من روايته الأولي المنشورة تقريباً في عام ٢٠٠٩ "من أجل البلوند".. وصولاً إلى آخر أعماله جراج الزمالك الصادرة في معرض القاهرة ٢٠٢٣ عن دار الرواق للنشر والتوزيع.

أحمد السملاوي يكتب: قراءة في مشروع حماد عليوة الروائي


من أجل البلوند .. عقدة الخواجة وسوءات المجتمع المصري

بحبكة مغايرة لا تعتمد على النمطية أو استلهام مشاهد روائية قديمة أو مكررة؛ يأخذنا حماد داخل عقل عماد بطل روايته الشاب المصري المغلوب على أمره، والذي يعاني العذاب كأغلبية شباب مصر، يتعرض عماد لعديد من الأزمات، سواءً المادية أو العاطفية، ويواجه صعوبة في الحصول على حياة كريمة في وطنه، وعلى الجانب الآخر يجد أحد رواد الجاليات الأجنبية الذي تجمعه به صداقة وقد فُتحت أمامه كل أبواب البلاد، الحصول على امتيازات لا يستطيع أصحاب البلد نفسه أن يحصلوا عليها. يحسم عماد أمره ويقرر ترك حبيبته، ومن ثَمّ البحث عن (بلوند)، أيًا كانت جنسيتها أو شكلها أو مستواها، في محاولة للانتساب إلى الطبقة الآمنة في مصر.

سردية مخادعة وممتعة ومأساوية تأخذنا وتتنقل بنا عبر علاقات متعددة ترك فيها عماد حبيبته ثم تنقل عبر أجساد (البلوند) لمحاولة الزواج بإحدهن؛ لضمان حياة آدمية في وطنه لا الهجرة.

رواية من أجل البلوند الكاتب حماد عليوة


عمل روائي أول للكاتب استطاع من خلاله تأسيس عالمه الروائي، حيث العلاقة اللصيقة بين عالمين مختلفين تماماً.. يحاول البطل الانصهار داخله بأي طريقة ممكنة.. فهل ينجح؟!

الرواية على مقدار عالى من الاتقان وتحمل متعة وشخصيات ودراما مختلفة، تطلبت جهد كبيراً من المعايشة والمعاناة من الكاتب؛ لينقل تفاصيل التجربة كأننا بين أبطالها ونشاركهم مأساتهم وخاصة في الجزء الخاص بشخصية أمنية محمد -حبيبة عماد السابقة- والتى تأثرت بأفكاره بعد الانفصال المباغت بينهم، مما دفعها هي أيضاً للبحث عن (بلوند) كبطاقة أمان لها في الوطن. والحقيقة أن الجرأة التي تتميز بها الرواية والاسقاطات التي تكشف عورات المجتمع وزيف العلاقات وحالة الفساد الضاربة في جذور البلد هي أشد ما يميز تلك الرواية البديعة، والتي لم يعكر صفوها سوي أخطاء الطباعة والتنسيق التي لم تلتفت لها دار النشر المسؤول الأول عن خروج العمل بشكل فني لائق بالجمهور.

الحي الانجليزي .. المزج بين رواية المكان ورواية الشخصيات المتعددة

ثاني أعمال حماد عليوة والتي أكاد أُجزم بأن رواية ضخمة كتلك تطلبت منه سنوات لكتابتها، ليس فقط لمجهود الكتابة الصعب، وإنما لصعوبة الاختبار والمأزق الذي وضع الكاتب نفسه فيه؛ فعبر أكثر من ثمانين شخصية رئيسية أو ثانوية يسرد لنا الكاتب قصة حي المعادي في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، عبر مجتمع الجالية الأجنبية في المعادي وعالم الخدم والمهمشين، هذه العلاقة التي يتخذها نواة في تكوين عالمه الروائي عبر سرد ممتع وشيق لا تشعر معه بالملل، يتنقل بنا عبر الشخصيات بتقنية روائية بديعة في اختيار زاوية حكي الرواية؛ لنستعرض السؤال الأهم والذي تحاول الرواية الإجابة عليه: الحرية أم لقمة العيش؟!

رواية الحي الانجليزي الكاتب حماد عليوة


وفي تلك الرواية نجد أن حماد قد استطاع تفادي أخطاء عمله الأول، وأصبح قادراً على صنع صوته الروائي الخاص، واختيار لغة مناسبة للنص والأجواء التاريخية التي تدور فيه، وأصبحت هناك مرونة أكثر في السرد وإحكام تام لمجريات الأمور في الرواية، خاصةً مع كثرة الشخصيات -كما ذكرت سابقاً- والتي احتاجت من الكاتب حرفية في رسمها لتكون واقعية، وهو أهم ما يميز أدب حماد عليوة الذي يلتقط من الحياة والبشر تفاصيل أبطاله في حكايات متشابكة تتقاطع مع بعضها البعض لتقدم صورة عميقة للمجتمع المصري في عهود سابقة؛ لذلك أعتبر أن رواية الحي الإنجليزي هي واحدة من أهم روايات المكان، ولا تقل روعة ولا إبداع عن ميرامار للأديب العالمي نجيب محفوظ أو عمارة يعقوبيان أو نادي السيارات للكاتب الكبير علاء الأسواني.

فلم يشوب الرواية -من وجهة نظري الشخصية- سوي أنها كانت ضخمة الحجم، وكان يمكن اختزالها في عدد صفحات أقل، مع أنه لم يكن الملل حاضراً في قراءة الرواية أبداً، بل على العكس؛ فحماد قد اعتمد على الرتم السريع للعمل والمحافظة علي عناصر التشويق والإثارة.

أغسطس .. حكايات الماضي في حي الضاهر

أما عن روايته الثالثة؛ والتي تعتبر في رأي الشخصي أكثر أعماله نضجاً؛ فقد اتخذ حماد من حي الضاهر مكاناً جديداً لتدور أحداث رواياته، حيث الماضي ومتجر سبنسري وحكايات الأجانب فيه، ليتخذ من الكلب أغسطس بطلاً للرواية جوار الجميلة إليزابيث، والتي يشتد الصراع عليها من اثنين من أبطال الرواية يسعوا جاهدين إلى الفوز بتلك الأنثى الجميلة، فيتولد صراع طوال الرواية حولها، ونشاهد معها ماضي المكان وحاضره، الدوافع الخفية التي تحرضها علي البقاء، والدوافع الأخرى التي تجبرها علي الهجرة.

رواية أغسطس الكاتب حماد عليوة


وسط هذا الصراع النفسي تدور أحداث الرواية بين مجتمع الطبقة الفقيرة من بقايا اليهود، بسرد هو الأكثر متعة بين كل أعمال حماد عليوة، وبفكر عميق يفتح لنا الكاتب العوالم الخفية في نفوس أبطاله والرغبات البشرية المكبوتة بجرأة تؤكد أن الكاتب لا ينتصر إلا للأدب الحي، بعيداً عن سطحية الكتابة الهامشية أو الأدب التجاري الضحل الذي يعتمد على قصص الرعب الرخيصة المفتعلة، بل يؤسس لروايته جيداً ويحرص على المعايشة ونقل أجواء وتفاصيل المكان بصورة تفصيلية وهي واحدة من أهم مميزات قلم حماد.

وفي اعتقادي أن عوامل كثيرة ظلمت هذا العمل ولم تعطيه القدر الكافي الذي يستحقه من الاحتفاء والتقدير، وأنه من المؤكد سيعاد اكتشاف هذا النص مرة أخرى، واكتشاف مدي عمقه واشتباكه مع الواقع.

جراج الزمالك .. صراع الطبقات الاجتماعية والانسحاق أمام سلطة المال

في روايته الأخيرة؛ يُكمل حماد مشروعه الروائي الخاص بذاكرة المكان، ويتنقل بنا عبر شوارع الزمالك والمعادي، وبين بقايا الأجانب الذين يقطنون تلك الأحياء، وبين مجتمع الخدم باختلاف مهنهم، بدءً بأحمد نصر ونهايته المأساوية، مروراً بحكايات الأجانب ومعاناتهم الخاصة والتحكم في الطبقة الفقيرة مقابل فتات الأموال، وتطلعات الطبقة الفقيرة إلى حياة أكثر رحابة، وانسحاقهم في نفس الوقت أمام لقمة العيش دون اكتراث لأي شيء أو مطالبة بأي حق لهم.

رواية جراج الزمالك الروائي حماد عليوة


هذا الصراع القائم بين الطبقة الأرستقراطية التي تنبذ مجتمع الفقراء لكنها تحتاج إليه أغلب الوقت في خدمتها، وطبقة الفقراء التي تكره طبقة الأغنياء وتلقي اللوم عليها فيما وصلوا إليه. وقد جاءت النهاية متسقة تماماً مع تلك الرؤية؛ حيث ألقت الطبقة الأرستقراطية بخطاياها على واحد من هؤلاء البسطاء ليكون هو في النهاية: صاحب الجُرم.

هذه العلاقة نجدها في أغلب روايات حماد عليوة، فهي جزء أصيل من مشروعه، وكأنه بتلك العلاقة يستعرض علاقة أكبر وأهم، ألا وهي علاقة الفرد بالمجتمع والمجتمع بالسلطة، في إطار من الحكايات البعيدة عن الوعظ والخطب الحماسية، ومن خلال حوارات تُعبّر عن أزمات الشخصيات وبيئتهم، وهذا يؤكد علي وجود موهبة أدبية عظيمة ننتظر منها المزيد والمزيد من الأعمال التي تثري هذا المشروع الأدبي المهم. 


الروائي أحمد عبد المجيد السملاوي
أحمد عبد المجيد السملاوي : كاتب شاب من مواليد التسعينات صدرت له عدة روايات: نصف قمر أسود، أوراق يحيى درويش، الطيور تهجر السماء. رُشِّحت أعماله للعديد من الجوائز منها جائزة جرير للسرد القصصي وجائزة خيري شلبي برعاية دار الشروق. 

الموت يريد أن أقبل اعتذاره لـلكاتبة نهلة كرم .. مدخل طريقة للعب مع "X"

كتب : محمد أسامة

تعد قصة الموت يريد أن أقبل اعتذاره الموجودة بمجموعة تحمل الاسم نفسه للكاتبة نهلة كرم والصادرة عن دار العين للنشر 2017م، من القصص التي اعتبرها تستحق الوقوف عندها وتحليل تفاصيلها؛ لما بها من توازن واضح بين قوة وعمق الأفكار المطروحة، وبين طريقة تقديم تلك الأفكار بشكل يلائم القارئ من خلال قالب فانتازي يمزج الواقع بالخيال.

الموت يريد أن أقبل اعتذاره لـلكاتبة نهلة كرم


تدور تلك القصة حول كاتب يزوره الموت في غرفته، وأثناء ما يعيشه من رعب لهيبة اللحظة ورؤيته الأولى للموت، ومن تفكير في مصيره المجهول، يفاجئه ذاك الكيان المهيب بأنه يعتذر لحضوره مبكرًا عن ميعاد لحظته، بل ويُصِر بطرق عدة على أن يقبل الكاتب اعتذاره عن الرعب المبكر، ومنه تحدث مناظرات حول الموت، وعن سر الدقائق الأخيرة في الحياة.

من مستهل القصة الذي جاء على لسان بطلها، والذي كان شارحًا لحالته من رعب وفزع "لا بد أنني أحلم.. ليس حلمًا بل كابوس.. سأفيق منه الآن"، ينشأ سؤال، يمثل بدوره مفتاحًا لجدل متراوح بين أهميته واستحقاق الوقوف عنده، وبين تجاوزه، وهو: أيهما أفضل أهمية سواء للكاتب أو القارئ في تناول الفانتازيا، عرض ناتج المزيج فقط أم عرض السر وراء تكونه بشكل يستند عليه المزيج المعروض؟

بتتابع الأحداث؛ نرى -بفضل الانتقالات السلسة لانفعالات بطل القصة- توليفة غريبة لا تعتمد على الفكرة نفسها بقدر ما تعتمد على مرونة علاقتها بين مقتضيات الواقع وتغييراته والخيال وعجيب مقارباته، ومن ثَمّ قابليتها للتجديد التي تمكن الكاتب من طرح وجهات نظره متحررًا من أي إطار مُقِّيد، أو على الأقل مُطوِّعًا الإطار لتوجهاته، وكذلك تجذب انتباه القارئ وتجعله يصل إلى تلك الأفكار بنهاية القصة دون ملل أو تشويش.

لذلك لم يكن في رأيي غرض الكاتبة برسم مشهد موت البطل بطريقة حوارية بين الكاتب ونفسه حينًا، والكاتب وكيان الموت حينًا، وتجسيد الموت -لكي يكون الحوار له منطقية- وما به من هيبة وغموض كأنه بشري يخطئ ويندم.. وصولًا إلى الاعتذار والتوسل، تصميم صورة مغايرة قائمة على نسج سيناريوهات متخيلة، لتخفف من جدية الواقع فقط، بل من خلال استخدام الكاتبة لصوت السرد وجعله راويًا عليمًا، والذي بدوره يفسح مجالًا للنظر للصراع النفسي داخل البطل بشكل ملائم لحجم القصة، نرى أن المؤلفة تريد أن تنقلنا من مجرد عرض كابوسي يسعى القارئ للإفاقة منه، إلى مكاشفة كبيرة حول الموت نفسه، والاقتراب ناحية هالته الغامضة التي يصعب تدوين شعور الناس تجاهها، والموضحة ببساطة في جملة "الموت لا يحتاج لكلمات ليتم تعريفه" لمعرفة سبب تكوين البشر إياها له، والاقتراب من توصيف إحساسهم به.

الروائية والكاتبة نهلة كرم


من لا نعرفه.. أنخافه؟ "الخوف من X"

وكأنه مقيد داخل حلم، فكثيرًا ما حلم بأنه يسير عاريًا دون أن يتمكن من إيجاد ملابس يرتديها❝.

يبدأ من ذلك الاقتباس، عرض المزيج بين التخييل والواقع. فنرى بعض الكلمات مثل: "التعري" و"القيد" و"الملابس" واقفة في موضع مشوش، بين صفها في وصف حدث عادي وقع من جهة، وبين وجودها كبوابة تكشف ما بداخل ذات الكاتب بطل القصة؛ تجعلنا نكتشف أثر الكيان الغامض الذي لا يوجد له وصفًا شكليًا إلا عبر اسمه: الموت، الذي أجبر البطل ينزع عن نفسه -أو جعلها تذوب عنه- المبررات والمناورات والنظريات، ويعري ذاته -أو تتعرى- أمام مخاوفه المتصاعدة، فتدرك عجزها التام -مدللًا على ذلك فكرة نسبية الوقت "ساعتان" بين البطل وبين الموت- على المواجهة.

وببساطة؛ يتكشف سبب ذلك الغموض المرعب، ونجد منها أن بطلنا يتفق بأسبابه مع معظم الناس، فهو مثلهم لم يسمع عن ذلك الشيء وصفًا كما سمع من أوصاف عديدة عن أشياء أخرى في الموروثات الدينية "كوصف المسيخ الدجال" أو الحكايات الشعبية. وأيضا لم يصادف قطعًا مجرب رآه على حقيقته. فلم يدرك منه إلا مجرد اسم، لكن حينما يحل على أحد في ميعاد محدد، يحوله بسهولة بالنسبة للآخرين لجسد خالٍ من الحركة والإرادة في أبسط الأشياء، وتتغير صفته الحرة المتسعة إلى صفة ملازمة لذاك المُسمى "ميْت". ومن ذلك كله يكتمل الرعب والرهبة حين يأتي ذكر اسمه ويتشكل قيدًا من الخوف يُكبّل المشاعر ويجعل بينها وبين التعبير حاجزًا كبيرًا، يكتسب غموضه وإبهامه من إبهام المسمى.

أصول محاربة طواحين الهواء

وهنا تركز الكاتبة أدواتها وخاصة الحوار، في إظهار الأسباب الدافعة لوجود المشهد بهذه الصورة؛ فيدرك القارئ أن حضور الموت مبكرًا، يتراوح بين محاولة من البطل لتهيئة نفسه وتسيير اختيار لحظته الأخيرة. ومنه نجد تفضيله أن يموت على مكتبه عن موته بجوار أسرته، فلا يسبب الفزع لأحد. وبين محاولة أخرى، تحاول اللعب عابثة لصنع علاقة تفاهم بينها وبين مصيرها المحتوم.

وعليه؛ كان لا بد أن يكون الكيان الغامض أن يكون مرسومًا بطبيعة بشرية تتفق في فقدان الحيلة كما جاء على لسان الموت "لا يمكنك طلب شيء لا أملكه". تخطئ بحضورها المبكر، فتعتذر، ثم تطلب السماح. فيكونا -البطل والموت- على أرض واحدة، تسمح في البداية بإزالة بعض المخاوف. فيكتم الكاتب ضحكه ردًا على توسل الموت لاعتذاره، وبعدها يصر على عدم قبول الاعتذار. ثم فتح منفذًا للتعبير عن شعوره. لنرى البطل ينتقل من الخوف، إلى السخرية، إلى الشعور بالتشفي والانتقام لضحايا مثله، إلى الضيق من منطقية حديث الموت نفسه، فينعته بالمستفز والبشع.

توصلنا بتلك النقطة إلى آخر جزء في تلك اللعبة، وهي بدورها لُبّ تلك العلاقة والتفاهم، بحيث يدرك البطل بعد تفريغ رعبه ومشاعره، وضوح مصيره وحتميته. ومنه بوضع الواقع والمنطق كإطار محدد للسير، تصنع الكاتبة لعبة متبادلة، تظللها نسبية الأشياء بين الموت والبطل البشري، فيستطيع الموت أن يفاوض على حلول بديلة مغرية، تؤمن تخليد نجم البطل الكاتب، وتطمئنه على أسرته. وفوق كل ذلك يرضى بأن يفتح بعضًا من أسراره ليكون مصدر إلهام لما يكتبه. ومن جهة أخرى يحاول الكاتب قدر استطاعته بنسج تلك الأسرار في كلمات تكون شخصيات وأحداث في وقت ضيق. وكذلك يقدم إهداءً بسيطًا لهذا الكيان، عرفانًا لأنه فك بعض قيود مشاعره المبهمة تجاهه وجعلها مجسدة، يستطيع القارئ أن يستند عليها وتكون لسانه، وهنا يكون سر خلودها.



الكاتب محمد أسامة

محمد أسامة : كاتب مصري شاب، مهتم بالنقد الأدبي، وشغوف بتفكيك النصوص وثبر أغوار ما وراء السطور.