كتب : محمد أسامة
تعد قصة الموت يريد أن أقبل اعتذاره الموجودة بمجموعة
تحمل الاسم نفسه للكاتبة نهلة كرم والصادرة عن دار العين للنشر 2017م، من القصص التي
اعتبرها تستحق الوقوف عندها وتحليل تفاصيلها؛ لما بها من توازن واضح بين قوة وعمق الأفكار
المطروحة، وبين طريقة تقديم تلك الأفكار بشكل يلائم القارئ من خلال قالب فانتازي يمزج
الواقع بالخيال.
تدور تلك القصة حول كاتب يزوره الموت في غرفته، وأثناء ما
يعيشه من رعب لهيبة اللحظة ورؤيته الأولى للموت، ومن تفكير في مصيره المجهول، يفاجئه
ذاك الكيان المهيب بأنه يعتذر لحضوره مبكرًا عن ميعاد لحظته، بل ويُصِر بطرق عدة على
أن يقبل الكاتب اعتذاره عن الرعب المبكر، ومنه تحدث مناظرات حول الموت، وعن سر الدقائق
الأخيرة في الحياة.
من مستهل القصة الذي جاء على لسان بطلها، والذي كان شارحًا
لحالته من رعب وفزع "لا بد أنني أحلم.. ليس حلمًا بل كابوس.. سأفيق منه الآن"،
ينشأ سؤال، يمثل بدوره مفتاحًا لجدل متراوح بين أهميته واستحقاق الوقوف عنده، وبين
تجاوزه، وهو: أيهما أفضل أهمية سواء للكاتب أو القارئ في تناول الفانتازيا، عرض ناتج
المزيج فقط أم عرض السر وراء تكونه بشكل يستند عليه المزيج المعروض؟
بتتابع الأحداث؛ نرى -بفضل الانتقالات السلسة لانفعالات بطل
القصة- توليفة غريبة لا تعتمد على الفكرة نفسها بقدر ما تعتمد على مرونة علاقتها بين
مقتضيات الواقع وتغييراته والخيال وعجيب مقارباته، ومن ثَمّ قابليتها للتجديد التي
تمكن الكاتب من طرح وجهات نظره متحررًا من أي إطار مُقِّيد، أو على الأقل مُطوِّعًا
الإطار لتوجهاته، وكذلك تجذب انتباه القارئ وتجعله يصل إلى تلك الأفكار بنهاية القصة
دون ملل أو تشويش.
لذلك لم يكن في رأيي غرض الكاتبة برسم مشهد موت البطل بطريقة
حوارية بين الكاتب ونفسه حينًا، والكاتب وكيان الموت حينًا، وتجسيد الموت -لكي يكون
الحوار له منطقية- وما به من هيبة وغموض كأنه بشري يخطئ ويندم.. وصولًا إلى الاعتذار
والتوسل، تصميم صورة مغايرة قائمة على نسج سيناريوهات متخيلة، لتخفف من جدية الواقع
فقط، بل من خلال استخدام الكاتبة لصوت السرد وجعله راويًا عليمًا، والذي بدوره يفسح
مجالًا للنظر للصراع النفسي داخل البطل بشكل ملائم لحجم القصة، نرى أن المؤلفة تريد
أن تنقلنا من مجرد عرض كابوسي يسعى القارئ للإفاقة منه، إلى مكاشفة كبيرة حول الموت
نفسه، والاقتراب ناحية هالته الغامضة التي يصعب تدوين شعور الناس تجاهها، والموضحة
ببساطة في جملة "الموت لا يحتاج لكلمات ليتم تعريفه" لمعرفة سبب تكوين البشر
إياها له، والاقتراب من توصيف إحساسهم به.
من لا نعرفه.. أنخافه؟ "الخوف من X"
❞وكأنه مقيد داخل حلم، فكثيرًا ما حلم بأنه يسير عاريًا دون
أن يتمكن من إيجاد ملابس يرتديها❝.
يبدأ من ذلك الاقتباس، عرض المزيج بين التخييل والواقع. فنرى
بعض الكلمات مثل: "التعري" و"القيد" و"الملابس" واقفة
في موضع مشوش، بين صفها في وصف حدث عادي وقع من جهة، وبين وجودها كبوابة تكشف ما بداخل
ذات الكاتب بطل القصة؛ تجعلنا نكتشف أثر الكيان الغامض الذي لا يوجد له وصفًا شكليًا
إلا عبر اسمه: الموت، الذي أجبر البطل ينزع عن نفسه -أو جعلها تذوب عنه- المبررات والمناورات
والنظريات، ويعري ذاته -أو تتعرى- أمام مخاوفه المتصاعدة، فتدرك عجزها التام -مدللًا
على ذلك فكرة نسبية الوقت "ساعتان" بين البطل وبين الموت- على المواجهة.
وببساطة؛ يتكشف سبب ذلك الغموض المرعب، ونجد منها أن بطلنا
يتفق بأسبابه مع معظم الناس، فهو مثلهم لم يسمع عن ذلك الشيء وصفًا كما سمع من أوصاف
عديدة عن أشياء أخرى في الموروثات الدينية "كوصف المسيخ الدجال" أو الحكايات
الشعبية. وأيضا لم يصادف قطعًا مجرب رآه على حقيقته. فلم يدرك منه إلا مجرد اسم، لكن
حينما يحل على أحد في ميعاد محدد، يحوله بسهولة بالنسبة للآخرين لجسد خالٍ من الحركة
والإرادة في أبسط الأشياء، وتتغير صفته الحرة المتسعة إلى صفة ملازمة لذاك المُسمى
"ميْت". ومن ذلك كله يكتمل الرعب والرهبة حين يأتي ذكر اسمه ويتشكل قيدًا
من الخوف يُكبّل المشاعر ويجعل بينها وبين التعبير حاجزًا كبيرًا، يكتسب غموضه وإبهامه
من إبهام المسمى.
أصول محاربة طواحين الهواء
وهنا تركز الكاتبة أدواتها وخاصة الحوار، في إظهار الأسباب
الدافعة لوجود المشهد بهذه الصورة؛ فيدرك القارئ أن حضور الموت مبكرًا، يتراوح بين
محاولة من البطل لتهيئة نفسه وتسيير اختيار لحظته الأخيرة. ومنه نجد تفضيله أن يموت
على مكتبه عن موته بجوار أسرته، فلا يسبب الفزع لأحد. وبين محاولة أخرى، تحاول اللعب
عابثة لصنع علاقة تفاهم بينها وبين مصيرها المحتوم.
وعليه؛ كان لا بد أن يكون الكيان الغامض أن يكون مرسومًا
بطبيعة بشرية تتفق في فقدان الحيلة كما جاء على لسان الموت "لا يمكنك طلب شيء
لا أملكه". تخطئ بحضورها المبكر، فتعتذر، ثم تطلب السماح. فيكونا -البطل والموت-
على أرض واحدة، تسمح في البداية بإزالة بعض المخاوف. فيكتم الكاتب ضحكه ردًا على توسل
الموت لاعتذاره، وبعدها يصر على عدم قبول الاعتذار. ثم فتح منفذًا للتعبير عن شعوره.
لنرى البطل ينتقل من الخوف، إلى السخرية، إلى الشعور بالتشفي والانتقام لضحايا مثله،
إلى الضيق من منطقية حديث الموت نفسه، فينعته بالمستفز والبشع.
توصلنا بتلك النقطة إلى آخر جزء في تلك اللعبة، وهي بدورها
لُبّ تلك العلاقة والتفاهم، بحيث يدرك البطل بعد تفريغ رعبه ومشاعره، وضوح مصيره وحتميته.
ومنه بوضع الواقع والمنطق كإطار محدد للسير، تصنع الكاتبة لعبة متبادلة، تظللها نسبية
الأشياء بين الموت والبطل البشري، فيستطيع الموت أن يفاوض على حلول بديلة مغرية، تؤمن
تخليد نجم البطل الكاتب، وتطمئنه على أسرته. وفوق كل ذلك يرضى بأن يفتح بعضًا من أسراره
ليكون مصدر إلهام لما يكتبه. ومن جهة أخرى يحاول الكاتب قدر استطاعته بنسج تلك الأسرار
في كلمات تكون شخصيات وأحداث في وقت ضيق. وكذلك يقدم إهداءً بسيطًا لهذا الكيان، عرفانًا
لأنه فك بعض قيود مشاعره المبهمة تجاهه وجعلها مجسدة، يستطيع القارئ أن يستند عليها
وتكون لسانه، وهنا يكون سر خلودها.
محمد أسامة : كاتب مصري شاب، مهتم بالنقد الأدبي، وشغوف بتفكيك النصوص وثبر أغوار ما وراء السطور.


