مرايا الثورة العرابية .. منذ متى لم أقرر قراءة كتاب مرة أخرى؟!

مرايا الثورة العرابية .. منذ متى لم أقرر قراءة كتاب مرة أخرى؟!

كنا أمام نوعين من أدب الرحلات، الأول: التراثي، المجرد العبارة، باهتمامه الوحيد في وصف طبائع الجغرافيا والتاريخ والناس بالمحل الموصوف، فلا يحيد عن ذلك حيدة واحدة، مثال هذا النوع الأشد وضوحًا: رحلة ابن بطوطة، المعروفة باسم: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، وهو الأسلوب الذي امتد بصياغات أكثر عصرية وأخف جزالة، لكتابات أمثال: كتابات أنيس منصور، فهي الأخرى لم تحيد عن رسم صورة المزار. يكمن سر هذا النهج في الافتراض الأوليّ لهذا النوع، بأسلوبيه في الصياغة، حيث يتمحور حول تسفير القارئ في رحلة مجانية، دراماتيكية، إلى القُطر محل الحديث، وهو في مكانه، جلوسًا على سريره.

أما النوع الثاني: فقد اُبتُلينا به منذ سنوات معدودات على أصابع اليد الواحدة، والذي تؤكد فيه لوحة تعريف الكتاب على أنه أدب رحلات، وما إن تدخل إلى الصفحات الأولى حتى تكتشف أنك أمام تشكيلة خواطر وشجون انتابت صاحبها أثناء ترحاله من بلد لبلد؛ فأفرد لها المساحة الأم، وترك البواقي والفُضل لمدن المغادرة والوصول، أي أنك تُبحر في هواجس الكاتب أكثر من التنقل بين البلدان، ولعل بروباجندا: "هذا كتاب ماتع" على وسائل التواصل الاجتماعي، وفقدان الشريحة الغالبة من قراء العصر لوناسة التجريب في الحقيقة، مما ساهم في انتشار وشهرة هذا النوع.

هكذا كنا إلى أن وضع دكتور صبري حافظ على رفّ المكتبة العربية كتاب: مرايا الثورة العرابية (رحلة إلى سرنديب... سيلان... سريلانكا)، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، عام 2015م، ولم تحدد بطاقة التعريف رقم الطبعة. والذي يلزمنا معه ابتكار تصنيف جديد يخصه، دون الاكتفاء بالتصنيف التقليدي: أدب رحلات.

ولمن لا يعرف د/ حافظ؛ فهو المولود بالعام 1939م. والحاصل على بكالوريوس علم الاجتماع بامتياز مع مرتبة الشرف من جامعة القاهرة 1962م. ثم ماجستير في النقد والأدب الدرامي، من أكاديمية الفنون بالقاهرة، عام 1970م. ثم دكتوراه في الأدب العربي الحديث، من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية جامعة لندن، عام 1979م. وقد شغل د/ حافظ عدة مناصب أكاديمية كأستاذ للغة العربية والنقد المقارن، بعدد كبير من المعاهد والجامعات الأوروبية والعربية، شملت: المعهد العالي للفنون المسرحية بمصر، المعهد الشرقي بجامعة أكسفورد، مركز الدراسات العربية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، معهد الدراسات الشرقية بجامعة ستوكهولم، معهد اللغات السامية بجامعة اوپسالا، قسم لغات وثقافات الشرق الأدنى بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، واستقر أخيرًا كمحاضر في اللغة العربية بكلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن. ويتجاوز إنتاجه الفكري باللغتين العربية والإنجليزية الثلاثين مؤلفًا.

يتناول الكتاب رحلة صبري حافظ إلى جزيرة سريلانكا، والتي امتدت أسبوعين كاملين، جال خلالهم أكابر مدنها وأشهر مزاراتها التاريخية والسياحية. والجدير بالذكر هنا؛ أن الأسماء الثلاثة المدونة بالعنوان الفرعي للكتاب: سرنديب... سيلان... سريلانكا، هم في حقيقة الأمر أسماء دولة سريلانكا على مدار تاريخها، فقد عرفها التجار والرحالة العرب باسم: سرنديب، ثم بدّله الاحتلال الانجليزي للجزيرة، أواسط القرن التاسع عشر، إلى اسم: سيلان، فبدّله السيلانيون عقب نيل الاستقلال مباشرةً إلى اسم: سريلانكا. من ذلك؛ يتناول الرجل ترحاله إلى هذه الدولة الآسيوية البعيدة موقعًا وثقافةً عنا نحن المصرين، وإن كانت في جزء من تاريخها قد تقاطعت مع تاريخنا، وتضفَّرت بيننا وبينهم المصائر، على نحو يصعب طمسه.

احمد عرابي


مرايا الثورة العرابية عبارة عن ثلاثين مقالًا، متصلًا منفصلًا، تناولوا بشكل مجمع مشاهدات الرجل خلال زيارته للجزيرة. الأكثر إثارة في الكتاب، والداعي إلى إعادة قراءته مرة أو مرات؛ إعلانه في مقدمة الكتاب للهدف الأسمى والأولوية الأهم لقيامه بهذه الرحلة، ألا وهو تتبع آثار العرابيين هناك. فكلنا يعلم أن البشوات السبعة الضالعين في الثورة العرابية، حُكم عليهم جميعًا بالنفي إلى سيلان، وقضوا في منفاهم ما يناهز تسعة عشر عامًا كاملة، بدايةً من أواخر 1882م، وكان آخرهم عودةً إلى مصر – بعد صدور عفو الخديو – هو أحمد عرابي باشا، في 1901م.

وذكرنا آنفًا أن الكتاب جدير بابتكار تصنيف جديد يتعدى التصنيف التقليدي المندرج تحته، أدب رحلات؛ لأنه علاوةً على استعراضه كمؤلف يضع كتابًا تحت التصنيف التقليدي: أدب رحلات، لأوصاف الجزيرة كاملةً، جغرافيًا وتاريخيًا ودينيًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وفنيًا... بالشكل الذي تنتقل معه بكامل وجدانك ومخيلتك إلى كل شبر حضري وأثري، وكل حدث ثقافي وديني وفني، وكل معلومة تدفقت من بطون الوثائق أو من أفواه السيرلانكيين، وطأه أو عاينه أو حضره أو قرأه، الكاتب، خلال أسبوعيّ الزيارة، ولعشر شهور كاملة أعقبتها.

فإنه أيضًا وصف وصفًا كاملًا ومفصلًا لحيوات البشوات السبعة المنفيين هناك، الأسرية والعامة، من يوم خطت أقدامهم رصيف ميناء الوصول، حتى يوم الوداع الأخير، لمن بقى منهم على قيد الحياة، وقد كانت هذه الحيوات السبعة صاحبة تأثير قوي وواضح في المصير السيلاني، كما كانت بالضبط مع المصير المصري، ويبدو هذا جليًا من إطلاق اسم أحمد عرابي على واحد من أهم شوارع العاصمة، تحويل الحكومة للمنزل الذي سكنه عرابي بمدينة كاندي إلى متحف يحمل اسمه ويعرض الباقي من مقتيناته ومقتنيات البشوات الآخرين، فضلًا عن الوثائق الرسمية ومقالات الصحف، المحلية والبريطانية، التي خاضت موضوعاتها في شؤونهم العقابية أو الحياتية أو المالية أو السياسية، وزيَّنت جدران المتحف بسبع لوحات زيتيه (بورتريه) لكل واحد فيهم، وأضافت ثامنة لمثقف الثورة العرابية والناطق الرسمي باسمها: عبدالله النديم. ولك أن تتخيل حجم التأثير العرابي في تاريخ سريلانكا الحديث، ليس فقط من محاولات الحكومات المتعاقبة بتخليد ذكراه والإبقاء على آثاره وآثار صحبه متاحة للأجيال المتعاقبة، ولكن أيضًا من معرفتك بأن أشهر المجمعات التعليمية، القائمة على تدريس المناهج الإنجليزية والعربية معًا إلى يومنا هذا، والمسماة: الكلية الزاهرة، بفروعها المتعددة المنتشرة بعدد من المدن، قد ابتكرها وراعاها وسعى في توطيدها: أحمد عرابي نفسه.

بذلك؛ يمثل الكتاب إضافة معلوماتية عظيمة للمعرفة المصرية، علاوةً على ما يمثله من تشويق وإثارة مغامرة السفر المتخيل إلى بلد جديد، لأن تأريخ الثورة العرابية - المهزومة بـ "الولس" - تركز فيما لم يتجاوز جدران الجغرافيا المصرية، فعرفنا ممن مجّدها، وممن امتهانها، ما حدث قُبيلها وأثناءها وبعدها، ولكن داخل حدود القُطر المصري وحسب، بينما ما رمى إليه صبري حافظ هو فتح نافذة كبيرة في هذه الجدران، نطل عبرها على معرفة جديدة، وأساسية، نستكمل بها معارفنا، لا سيما وأنه لم يُشرع النافذة على أثر العرابيين في سيلان وحدها، ولكنها تطل أيضًا على أثرهم في الدوائر السياسية البريطانية، وعلى الحراك السياسي المصري الداخلي، بالرغم من بُعد مسافتهم عنه، المكانية والزمنية.