يقول الدكتور/ ياسر ثابت في مقدمته لكتاب 100 أكلة وأكلة
للدكتور/ أسامة القفاش: "لا تاريخ بدون طعام! فالتاريخ الإنساني لصيق
بالطعام، الذي يعد من أهم علامات التمدن والتحضر عبر العصور".
الطعام هو أيسر وألذّ متع الحياة، والطعام وُجد قبل
الإنسان، ذلك لأنه غريزة حيوانية بحته، ولكن الإنسان بمنحة العقل التي وهبها الله
إياها جعل من تلك الغريزة متعة خاصة لا يضاهيها متعة، فتحضير الطعام متعة، ومشاهدة
إعداد الطعام متعة، والتعرف على ما يطبخه الجيران متعة أكبر لا يعرفها من يمتلك
أسانسير في عمارته، ولم أجد أرحب من المنور ليسع كل هذه الروائح في آن واحد دون أن
يمزجهم، لتستمتع بهم منفصلين، وليمزج بينهم العقل، فملوخية الثالث مع صينية بطاطس
الخامس وصوت طشة الشوربة وهي تبرد لسان العصفور المحمر من الثاني، أكمل وجبة. يوم آخر
تتمنى خلاله رائحة بلوبيف السابع الامتزاج بصلصة المسقعة في السادس.. ولكن هيهات!
لو أن استخدام اللسان اقتصر على التذوق فقط؛ لظل التذوق
أعظم الحواس، اللسان بأطرافه العصبية العظيمة قادرة على التفرقة بين الفول المدمس
والفول النابت والبصارة والطعمية، على الرغم من وحدة أصلهم جميعًا.
هكذا نحن البشر.. فول.. ولكن ما يفرق بيننا، ويجعل أحدنا
مدمس، والآخر بصارة، وأحياناً حيراتي؛ هو المرحلة التي وصلنا إليها من النضج، بالإضافة
إلى ما يتم استقباله ليضيف إلى الطعم أو يسحب من أصله بالتدريج.
وهذا لا يعني أن ما استقبلناه كان غريباً علينا تماماً
فغيَّر مِنّا وجعلنا على هيئة غير هيئتنا، بالعكس؛ فالفول المدمس يُضاف إليه وقت
تدميسه فول مدشوش، نفس الأصل ولكن في صورة مغايرة، فيتجانسا سوياً في القِدر ليخرج
بشكله الذي نعرفه.
الفنان أحمد منيب في أغنيته: يا وعدي على الأيام .. يغني
بصوت شجيّ:
"ياوعدي ع الأيام، بتعدي بينا قوام، وبتدي مبتديش،
ندبل وهي تعيش".
وكأن الحياة تغير من هيئتنا، تأخذ من شبابنا فنشيخ ليعود
إليها شبابها بأعمارنا، أعطيناها -أو بالأحرى- سُرقنا ونحن نظن أننا الفائزون.
لكن لفظ "ندبل" استخدمه منيب في أكثر من أغنيه؛
فمثلا في أغنيته بنسهر الأوتار قال:
"باكية عيون موالي، ما قولت آه كان مالي، أستاهل إللي
جرالي، وأسهر أنا، وأدبل أنا".
مرتبط دائماً لفظ الذبول بمرور التجربة عليه، وتربطهم
علاقة طردية؛ فكلما كانت التجربة قاسية زاد معدل الذبول.
من أغاني أحمد منيب ارتبط في ذهني -أيضاً- أني كلما مررت
بتجربة صعبة؛ فمقابل ما تعلمته هناك جزء ذبل مني، جزء لم يعد طازجًا كما كان.
أمي تحب بشدة قنوات الطبخ، ذلك العلم الذي كُتب فيه أكثر
من 9 مجلدات على أيدي 9 علماء مختلفين، منهم الطبيب والفيلسوف وعالم الرياضيات:
أبي بكر الرازي، ولا يمكن أن يُذكر علم الطبخ دون أن نذكر كتاب أبلة نظيرة. وفي
حركة التطور الذي شهدها القرن الواحد والعشرين تطورت تلك الكتب والمجلدات إلى
قنوات تضم طباخين مهرة، ونقلت لي أمي حب تلك القنوات دون قصد منها؛ فأحببتها..
ولكن باختلاف عنها، فهي تحب البرامج التي تعد الحلويات وتبدع فيها، أما أنا أحب
البرامج التي تتفنن في طهي اللحوم والطواجن والمشويات، تعلقتُ بالشيف/ شربيني، أحببته
لبساطته قبل أي شئ، وأحبت أمي الشيف/ نرمين هنو، بهدوءها المعروف وكأنها ترسم
وتعزف لا تطبخ.
اللحوم والطواجن والمشويات وأي طعام مالح عصبه الأساسي
إذا أردت أن يكون لطبقك نكهة البصل والثوم، ولست هنا في موضع لأتحدث عن فوائدهم
رغم المثل الشعبي المعروف "مفيش حلاوة من غير نار" الذي ينطبق عليهم
تماماً؛ فرغم فوائدهم العظيمة يكرههم معظم الناس لرائحتهم الكريهة التي تخلف
تناولهم.
"هنجيب طاسة نحط فيها شوية زيت وبعدين ننزل بفصين
التوم والبصلتين وشوية الفلفل إللي قطعناهم ونقلب لحد ما يدبلوا وبعدين ينضجوا".
عادت العبارة ترنّ في أذني مرة أخرى رغم أنها كانت تمر
مرور الكرام عليّ وأنا صغير، "يدبلوا وبعدين ينضجوا"، ذلك هو الأساس في طهي
أي خضروات طازجة عند التحمير، لا بدّ للخضار من الذبول قبل أن ينضج وتفوح منه
رائحته الساحرة، ويترك نكهته للطعام المضاف إليه؛ ثم يخرج في النهاية طبق عظيم.
وإن كانت الخضروات من الأرض، ونحن من الأرض، فكلانا
متفقان في أن بعد الذبول نضج، ولن ننضج إلا بنار حامية وزيت، ذلك هو جزاء التجربة،
ولكن كما يتحمل الخضار ذلك؛ فعلينا نحن البشر أن نمضي في طريقنا، تاركين وراء
ظهورنا قسوة التجربة وصعوبة التحمل البدايات ومشقة التفكير في ما فات، لنستمتع
بذلك الذبول المؤقت، ومن بعده نفتخر، بنضجنا، رائحتنا الزكية، نكهتنا التي نتركها
في حكايتنا.
يقول أحمد منيب في مقطع آخر من أغنية "بنسهر الأوتار": " شارب مياه نيلي، ما قولت آه ويلي".

