دخول عوالم الباشا ليس كالخروج منها : قراءة في رواية بنات الباشا للكاتبة نورا ناجي

رواية بنات الباشا نورا ناجي


راكمت نورا ناجي في روايتها بنات الباشا طبعة دار الشروق، 2021م؛ على مهل وبشكل مدروس طبقات من التميز، بدايةً من الفكرة، حتى التصوير والمعالجة. فما تعنيه وتعتني به نورا ناجي في الرواية أصيلٌ في معارك التجديد، الفكرية والاجتماعية؛ لأنه يرتكز على خصوصية الحالة للإنسان، فحتى وإن جمعتنا سياقات وأُطر ثقافية شبه موحدة، يبقى لكل فرد استقلاليته الفكرية، بحسب صراعه هو مع واقعه.

تسع قصص متقاطعة، لتسع فتيات يجمعهن مكان واحد، بيوتي سنتر الباشا، ولا تماثل جوهري بينهن تقريبًا إلا في:

"من الغريب قدرتنا على الغفران لمن نحبهم برغم فداحة فعلهم، أشعر وكأن حبي يجبرني على الخضوع والنسيان، وأشعر أحيانًا أن الكراهية قوة لا يملكها إلا من يستحقها، أما الضعفاء فمبتلون بالحب، مبتلون باسترجاع مرارة الذكرى وحدهم في لحظات الصمت والسكون قبل النوم، دون حتى أن يملكوا القدرة على الصراخ ألمًا".

نجاحها الأول في جرجرة القارئ – بمزاجه – إلى إلتهام الرواية، فما إن يبدأ حتى ينتهي، مع تأنيب ضمير "بايخ" لو توقف لدقائق مجبرًا بفعل العطش، أو حرقان العين أو التوق لفنجان قهوة.

أن تفرد مساحة لحكايات من عالم المهمشين المكتوم، هو أيضًا نجاح، خاصةً تلك التي يتجلى فيها الصراع النفسي الداخلي مع موروثات ثقافية، لا مجال للحياد عنها إلا بالخطيئة، ومع أطر مجتمعية حاكمة للتصرفات، لا سياق لكسرها إلا بالهروب، وحتى مع الخطيئة أو الهروب لا ضمانة للانتصار أو لنجاح الكسر.

ولكن النجاح الأكبر؛ حكيّ هذا الشائك، والمكتوم أغلبه، بعمق، وبغير ابتذال، وبعيدًا عن القوالب السطحية التي قولبتها أفلام المقاولات الرخيصة، وصارت عِماد من أراد الحديث عن أبناء الطبقات الدنيا، وبالأخص نساءها.

ظني – والله أعلم – أنها عايشت فعلًا شخصياتها التسع، واستبطنت تجاربهن الواقعية، ثم جلست تكتب. وإذا شطح بنا الخيال إلى أن نورا توظفت فعلًا في بيوتي سنتر، متخفية تحت اسم مستعار، لأجل عيون الكتابة، فالشطحة مقبولة التصديق لشواهدها، فالحس الإنساني الغير مفتعل في كل شخصية، وهو الغائب بالطبع عن كتابة "أديب المكتب" الذي يجمع ثيمات شخصياته من مؤلفات آخرين؛ لا يمكن اعتباره خيال محض، وإذا كان خيالها على هذه الدرجة من الإنسانية؛ فاجعل ذلك طبقة التميز الأولى.

كما لم يكن نجاحها في الإنطلاق من محور درامي معقد بالأساس، قاصرٌ على الغوص غير الرخيص فيه، أو على واقعيته الشديدة فقط، ولكن أيضًا من بحثها الدائم عن مخرج النور وسط ركام العتمة. الرواية وإن كانت تناقش وتحلل إنسان الآن، وتتناول جانبه الواقعي الحالي، الغارق في ظلامات الخطيئة والهروب الدامسة، إلا أن المؤلفة ظلت متمسكة بقناعة وجود نور وأمل، حتى في أشد الأركان إظلامًا، فلم تطمس أبدًا بصيص الانفراجة المحتمل.

إشادة نورا ناجي بمراجعة الرواية


تستشتف أنت هذا التوجه من: بلاغة فصحى السرد، وعذوبة الحوارات مع النفس ومع الغير، والتي اعتمدت فيها على تكنيك الفقرات القصيرة، الدسمة بالمعاني الخفية بأكثر مما هو بادي على السطح، وهو ما أكسب صدقًا فنيًا، وحجز للكتابة مرتبة متقدمة على المسار المحفوظيّ البليغ والبسيط: "بقرش فول يا عم"، أو كما يطلق عليه الأكاديميون: "اللغة الثالثة. اللغة البيضاء".

وأيضًا من: منطقية ردود الأفعال، وتماهيها مع الملامح الشكلية والجسدية للشخصية، وتماشيها كذلك مع المنعطفات السلوكية المتوقعة جراء التكوين البيئي والمادي لمكان التنشئة، وهو ما أكسب التفاعل مع الحياة ومع المحيطين حيوية.

وبعيدًا عن سلاسة الحكيّ وعقلانية التشخيص، هناك مقاربة واعية وغير فوقية في تناول آلام النساء التسعة، وفي شرعنة تباين تصرفاتهن، حتى وإن تطابق الوقوع في نفس الفخ. والشرعنة هنا ليست دعوة للتعاطف معهن، ولكنها دعوة لعدم التعالي، والإقرار بوجود فروق فردية ومتغيرات حياتية لكل امرأة على حدة، يُتقبّل معها استثنائية ردود أفعالها وتصرفاتها، ولو تشابهت المواقع وظروف التنشئة مع أخريات.

وحقيقة؛ كان من الآثار الخفية لهذا التناول الواعي؛ هدم الرؤيتين: الذكورية والنسوية، والذي يعكس ما فيهما من تصلب وتكلف وكفر بالتنوع والاختلاف، الأطروحات الموحدة لديفيله الكرافتات والسكارفات على شاشات قنواتنا الفضائية، والصراخ بوجوب أن تتوحد النسوة تحت هذه الراية أو تلك، دونما اعتبار للفردية والخصوصية، لتصبح المحصلة جعجعة بلا طحين على الأرجح.

"لا أحد" - مثلًا - تصرّفت على وقع من العِوز:

"هؤلاء بكل بساطة، نسوة يملكن بيوتهن الخاصة، ملابسهن الأنيقة، مصدر دخل ثابت، فلا حاجة لهنّ بالرجل ولا الزواج، ربما تعيش كل منها حياتها مع صديق أو عشيق، أمّا أنا، فماذا عليّ أن أفعل؟ أنام على سرير متهالك في صالة ضيّقة باردة في الشتاء وخانقة في الحر، لا أعرف أحدًا ولا يعرفني أحد، أتمنّى سماع كلمة لطيفة ولو «شكرًا»، فلا أسمع". وعلى أثر اختبار صعوبة التغيير بالتزامن مع استمرار البقاء داخل محددات الطبقة: "تزداد حدّة المعاكسات فأشعر بالقلق، أحاول السير بشكل أسرع، يلطشني صبّي صغير على مؤخّرتي فأنتفض...".

في حين اختارات "جيجي" التحايل، واستعانت بما يداريه: الزواج الصوري وارتداء النقاب، كحاجزين تتخفى وراءهما، كما وفرت لضميرها ما يُسكته من مبررات وأعذار:

"أنا لا أخون زوجي مع الباشا، أنا أخون الباشا مع زوجي، وهو يخونني مع زوجته، إنّه من حقيّ وأنا من حقه، لكنّ العالم لا يسمح لنا بذلك".

أما "جيلان" فلم تخرج ولم تتحايل صراحةً، بل خلقت واقعًا موازيًا يرضيها عبر أحلام اليقظة، التي تعلمت التكيّف معها قبيل انتهاء القلم السنون الذي لم يبدأ بعد:

"أعيش في واقع موازٍ طيلة الوقت، فيه أنا أميرة الأميرات.... يأتيني الباشا في أحلام يقظتي فارسًا على صهوة جواد، يخطفني من واقعي البائس ويحملني إلى عالم آخر..... أنا غارقة في أحلام يقظتي منذ الطفولة...".

و"نهال" عند لحظة شعورية فارقة قادت إليها التراكمات، لم تُعر المحددات اهتمامًا، كما لم ترضى بالخيال:

"أشعر بأنّني نجسة فعلًا كما يقول... لا شيء يمنعني... أثبتت تهمة النجاسة عليّ أمام نفسي فقط، لكنّها برّأتني منها أمام الجميع".

بيوتي سنتر


"منى" و"ياسمين" قبلتا المفروض ولم تناقشا. كما لم تناقش "فلك" أيضًا، بالرغم من تمردها المدفوع بعنجهية مزيفة لأب موهوم وبنت عديمة الموهبة، ربع متحققة، لكنها أيقنت بعد فترة من موات روحها في صمت، فحاولت إحياءها ولو للحظات قبل أن يُسدل ستار العمر.

بينما "زينب" التي لم تحتاج إلى أيٍّ من هذا كله، والمحسودة ممن حولها من الواهمات، المتمنيات لمكانها ومكانتها عند الباشا، ما لبثت أن اكتشفت الزيف، البراق في مظهره، الحزين في بؤبؤه.

ولا شك ستخونك عيناك بالدموع - كما خانتني - مع "أم لوسيندا" لفرط قسوة الجبرية، والتي جعلت الاختيار بحد ذاته ترفًا، وجعلتها كأنثى معاقة حتى عن التطلع لما هو أبعد، بشكل نهائي، وغير قابل للتبدّل، وأقصى طموحها الحفاظ على ما بيدها من خلال السير الأعمى خلف السائرين.

قبس النور القادر على تبديد العتمة، والذي ظلت الأديبة تراهن عليه من البداية، تجسَّد في "نادية". الشخصية التي تعتقد - كقارئ - أن دورها في الحديث عن نفسها وآلامها واختيارتها قادم لا محالة، وبمساحة أكبر من الأخريات، ولكن تنفد منك الصفحات لتكتشف بطلان اعتقادك؛ فقد شغلت مساحة سردية، أقل من عُشر معشار المساحة المتاحة لغيرها. تدري لماذا؟!

لأن العبرة ليست من نادية؟ العبرة أن تكون أنت – القارئ – نادية، أن تكونها في قراءة حيوات الناس من داخلها، من منظورهم هم، بدون أحكام مسبقة ولا تصنيفات جزافية. أن تخفف عنهم المرارة بالقبول، وأن تتمحور فاعلية دورك معهم في:

"- الحق أنّك ساعدتيني، ساعدتيني على معرفة أنّني قادرة، وأنّني أستطيع المواجهة، أستطيع الوقوف بجانب نفسي، أستطيع أن أكون أنا، ولا أن أظلّ مجرد سلعة تُشترَى وتباع، زخرف يزيّن حياة فارغة، آلي يسير بالقوى الدافعة".

دخلت عوالم بنات الباشا دون أن أكون "نادية" لأحد، وخرجت وأنا عازم على أن أكونها لأقربهن إليّ، بنتي، بنت الثمانِ سنوات، بعد أن فهمت:

"لماذا تأتي كل هذه النساء إلى الكوافير..... كُلّهنّ يردن تمييزًا، التميّز يمنحهنّ القوة، يجعلهن قادرات على تحقيق ما يردنه".

فلن اعتبر من اليوم مشاوير ومصاريف الاكسسوارات وتكاتيك الشعر "بالأمور التافهة كما يقول الرجال، إنها أساسيات حياة المرأة...". وسأجتهد في حذو طريقة "نادية" مع بُنيّتي:

"وكأنها ظهرت من اللا مكان كعادتها، تبتسم لي...

- أنت تعنين لي الكثير..

* ماذا؟

- أنتِ أحد بالنسبة لي، إنسان، امرأة جميلة بشعرك، بالإيشارب بأي شيء".