استيقظت قبيل الفجر فزعة. لقد ألِفت تلك الكوابيس
المشوّشة المشاهد منذ رحيل زوجها شابًا في جمعة الغضب. لكنها الآن لم تعد ضبابية
الصور كذي قبل، بل باتت أوضح، وصارت أثقل على نفسها ثِقل العالم.
بدأ كل شئ منذ أعادت فحص ذلك المريض الذي شخّص الجميع
حالته بالفصام. الوحيد الذي أنكر هذا التشخيص هي، هي تراه عبقريًا، يعاني فقط من
قلق الأمُسيات الذي ينتاب الحالمين بتغيير الواقع، أو على الأقل خلق واقع موازٍ
بتفاصيل مُعدّلة.
قالت وهي تشرح تشخيصها الغريب لصديقاتها الطبيبات: "إنه
مثل ماركيز، الذي لم يكن ليرتاح إلا بعد أن يبثّ كل قلقه في نَصّ حيّ، بأحداث
مُتخيّلة، ولكن عن واقع حقيقي، بشخصيات وهمية، ولكنهم مستنسخين من أصول تتنفس
ومجتمع يمُوج. لقد هَمهم وسط كلامه المتلعثم بما يدعم هذا الطرح. قال بنظرة حادة
شاخصة: "نوّارة" تعرف ما وقع في ميدان النور... اسألوها". والحقيقة
أنه لا يوجد في سجل معارفه أحد باسم "نوّارة"! ولا مكان في المدينة كلها
يُسمى بهذا الاسم: "ميدان النور"!
مُحتمل أنه يعيد تفكيك رواية الأحداث، وسردها مرة أخرى على
طريقته الخاصة، بعدما ميّعتها الصحف بالمانشيتات الخدّاعة، وتناقلتها الألسن
بجهالة مطلقة، حتى خلع الناس على "الشبيح" صفة البطولة، وهو مجرم، نحر مئات
بدمٍّ بارد، في وضح النهار، وعلى مرأى ومسمع من المارة. لقد نعتوه بأحسن الأوصاف؛ لمجرد
أنه ظل يصيح أثناء القبض عليه: "أنا أحب هذا الوطن.. أنا أحب هذا الوطن ".
الوطن الذي احتضنه رضيعًا، بعدما هجرته وأبوه أمه الخائنة، وهربت مع عشيقها. هكذا عقّبت وسط استغراب الجميع، ونظراتهن النارية المخترقة لكل
شبر في جسدها.
منذ اجتاحتها فكرة المرض الجديد وجلست تشرح حيثياته للزميلات؛
والكوابيس الواضحة المعالم تتكرر. الغريب أنها تنتفض كل ليلة تبحث عن تفسير
تكرارها بصورتها هي، جاثية فوق جسد زوجها، بملامح يعتريها الغضب والحنق، وفي يدها
سكينًا يقطر دمًا..
هل أصيبت بمرض مريضها؟!
تسأل نفسها مترددة، ولا تصل لإجابة؛ فتظل تدور في الغرفة مستغرقة فيما يجب عليها إعادة تفكيكه من واقعها، أو عما ترغب في تعديل تفاصيله من عالمها، حتى يصيبها اليأس، وتقع هامدة من الإعياء...
