جمعتنا جدتي في يوم لتقص علينا حكاية القدر على حد قولها وبرغم أنها لا تؤمن بالحكايات الخيالية إلا إنها أختارت ان تقص علينا حكاية ' ابنة الملك التي لدغها ثعبان '
رأينا وراء جدتي بحارًا فجرت وسفنًا خرجت لتسير أمامنا.. ورأينا شبابها يعود شيئًا فشيئًا ..
وتناثرت كلماتها
'' في يوم من الايام انتشر في المدينة ان الملك رأى حلمًا فحواه ان ابنته الوحيدة سيلدغها ثعبان ..
جن جنون الملك ردم جزءا من مضيق البوسفور وقرر الملك ان يعزل ابنته الوحيدة ليبعدها عن اي مكروه
وبنى لها برجًا وسط البحر ..
عاشت الفتاة به وحيدة ... سلب منها البحر اي أمل في الحياة .. كانت كل موجة تأخذ عمرا منها .. وكانت هي تمنح البرج الحياة ..
حتى اتى لها الحب ... حارس من حراس البرج قد عشق ظلماتها .. اراد ان يصرح عن حبه .. جلب لها سلة ورد قد احتوت على الأمان والود والشوق ولدغة من ثعبان لتختم عمرها بداخل ذلك البرج وسط المياه ... برج الفتاة...''
تنهدت جدتي وازاحت المياه بجوارها وقالت :
'' لا احد يهرب من قدره وان كل اختيار يصب ماءه في بحر القدر ...''
سلسلة من الاختيارات مهدت لنهاية واحدة
كانت هذه الحكاية انعكاس لسؤال اكبر ماذا لو لم نختار.. ماذا لو كنا مثل هذه الفتاة لم تختار كيف نعيش وأين.. وكنا كقطعة شطرنج نتحرك وفقًا لقرارات الآخرين..
ثم تابعت '' إنه القدر والاختيار.. ربما كانت حكاياتي اغرب من فتاة البرج فبعد ان انتشر في المدينة خبر موت الفتاة .. اصاب فتيات المدينة الذعر واعتبروا ان ذلك نذير شؤم .... تركت المدينة وذهبت لزيارة اختي حتى تهدأ الاوضاع ... مالبثت ان استقر حتى قامت الحرب وأغلقت كل المدن بالكامل ..شهر يجر شهر .. ولا أمل في الخروج لا رجعة حتى اصبحت جزء من المكان .. ولم يبقى سوى غيري لم اتزوج ورجل غريب مثلي لم يتزوج، انتهت كل فرص الاختيار، ولم يبقى سوى اختيار واحد ... حينها تقنع عقلك ان هذا أنسب اختيار لك وتتعايش معه..."
وظلت الجدة تمتمتم حتى غفت في ثباتها العميق ..
بعد ان قصت جدتي الحكايات جلست انا وصديقاتي نتحدث عن اقدارنا ومصيرنا وما وصلنا له نتيجة اختيار كل واحدة شكل حياة يختلف من اول الدراسة العمل وحتى الزواج..
ادركت حينها بالرغم اننا نختلف في اختياراتنا إلا ان كل واحدة تحاول ان تقنع الاخرى باختياراها وكأنه قانون وضع لان فلان وفلان قد قام به وان هذه الحقيقة ولا غيرها..
وكأن بعض العقول إختارت في وقت ان تسير على نهج موضوع لتستريح من عبء الاختيار ...
القدر والاختيارات وجهان لعملة واحدة .. تعتقد أحيانًا انك تختار وتتذكر انه المكتوب فتسلم لما كتب لك ..
يصاب العقل بهلع عندما يقع امامه اختيار سيترتب عليه قرارت مصيرية .. يقف في الزاوية .. يبكي يصرخ .. ينكر .. ثم يعود لرشده .. ويتحمل مسؤلية الاختيار .. ثم يبكي ندمًا عندما يخطئ..ويعود مرة اخرى ان كل شيء مكتوب ..
**
اسطورة برج الفتاة في مضيق البوسفور إسطنبول