قراءة في رواية أوراق يحي درويش - نظرية الجرذان لـ أحمد السملاوي

قراءة في رواية أوراق يحي درويش - نظرية الجرذان لـ أحمد السملاوي

رواية أوراق يحي درويش - نظرية الجرذان كعمل أول للروائي الشاب أحمد السملاوي، والصادرة عن دار طفرة للنشرة والتوزيع، معرض الكتاب 2023م؛ تُبشر بأننا أمام كاتب صاعد بقوة إلى سماءات الأدب الرحبة، وأننا أمام صاحب رؤية ورأي ومنهج ومشروع فيما يريد طرحه على القراء.

يحي درويش نموذج آخر لهؤلاء الذين دهستهم يناير في طريقها. غريب أمر هذا الجيل! الحائمين - الآن - حول الأربعين عمرًا، وإن دهسهم قطارها أيضًا، إلا أنه دهسٌ ماديّ ووظيفيّ في مجمله، أما الأصغر سنًا، عانوا، فعلًا عانوا.

بُنيّ سرد الرواية على هيئة مذكرات، يكتبها صاحبها مطلع العام 2029م، متذكرًا سنين عمره الفائته، بما يجاوز 17 عامًا كاملًا، بما فيهم من أحداث مفصلية، وبمن مرّ خلالهم من شخصيات، سواءً ارتبط بهم يحيى درويش وجدانيًا أم لم يرتبط، أثَّروا فيه سلبًا أو إيجابًا، بمن فيهم الهوام، من لا مشاعر تجاههم، ولا نفع ولا ضُر يُرجى من قِبلهم. يُخاطب بصياغتها قارئ المذكرات - نحن – بشكل مباشر، وهي صياغة روائية صعبة، جِد صعبة، فخٌّ، لو شئنا التعبير بدقة أكثر.

الواضح أن الروائي الشاب اختار مستوى التحدي الأعوص! ليفل الوحش!

عبر رحلة التذكّر هذه، لم يكن بُدٌ لتكتمل رصانة الحدوتة، الحكي عن أحداث جِسام، عامة أينعم، ولكنها قلبت حياة البطل، كما شقلبت حياة الجميع، الفاعلين واللامبالين، جنبًا إلى جنب مع حكي حوادثه هو، علاقاته هو، اختيارته هو، الخاصة به وحده، والشخصية الذاتية منه وإليه وحده، الحديث عن محيطه الضيق، الذي لا يقل فورانًا عن محيطه العام، ثم الحديث عن المَوَجان النفسي بفعل كل هذا، ولا شك.  

وفي الأثناء السردي؛ أسند الكاتب ما هو عام، وما هو خاص، على السواء، إلى حدوته أخرى قديمة، منتقاة من تاريخ مملكة من الممالك الغابرة، المنقرضة، مملكة Z، في تلميح واضح إلى أنه وقصته ليسا استثناءً في تاريخ بني الإنسان، فالمضمون واحد، وإن اختلف الزمان والمكان والبشر، ولو تباينت المقدمات والظروف؛ فقطًعا ستتشابه النتائج، في تعبير أوسع لما لخصه علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "واستدل على ما لم يكن بما كان؛ فإن الأمور اشتباه".

هكذا مخطط زمني روائي؛ يُجبر أعتى الروائيين على معالجة موضوعات كثيرة، بحبكات متعددة، مُضفّرة؛ فما بالنا بعمل روائي أول؟! هي رواية في 305 صفحة نعم، ولكنها حقيقةً، سنين عاصفة، على الصعيدين العام والشخصي.

من ههنا؛ سافرنا عبر الرواية من قلب الاسكندرية إلى أرياف الدلتا، عاشرنا مصريين من أعمار وبيئات لا تشبه بعضها، وبتوجهات متضادة، كما تعرّفنا على طليانية، وقعت في حب ثنائي، حب اسكندرية واسكندراني، وأثناها العقل الجمعي عن الاثنين، فتخلت عن الثنائية مُخلّفة وراءها حطام إنسان.

تركت بقايا يحيى، الذي هو في الأصل بقايا، خلّفتها تربية الأب، موت الأم، تنصّل الأخ، تحولات الأخت، ضيق الرزق، تناقض العلاقات، من الحشاشين التوافِه والمومسات، إلى المتملقين والمتزلفين، إلى ذوي الرؤى ومهارات التفكير الناقد، الخلوقين، الرصينين. وفوق هذا وذاك، طريقة تفكير مجتمع، وأسلوبه في الحكم على الأمور والتصرفات، وآلياته الاجتماعية والقانونية في معالجة الشذوذ والنشوز.

قراءة في رواية أوراق يحي درويش - نظرية الجرذان لـ أحمد السملاوي


لأجل ذلك كله؛ لا نبالغ إذا ما قلنا إن الروائي الصاعد اختار مستوى بعيد من التحدي في الكتابة، منحنى مرهق في تخطيط روايته وزمانها الفني، حقًا صعد إلى ليفل الوحش من أول جولة، خصوصًا وأن السياقات الزمنية المتعددة، فرضت الكلام عن العلاقات البشرية المتشابكة، عن أحوال يحيى درويش الإنسان ومحاولاته للانتحار التي فاقت العشر، وعن شئون يحيى المواطن الخاضع لسلطات شتى؛ كما ألحّت بالاستعانة بكثير من نواكب الدهر، البعيدة والقريبة، للبيان والتبيين، وقد أجاد السملاوي في اختيار مسارات الربط، ونقاط التموضع، لنجد شذرات كُثر من مرويات سحيقة، منها - مثلًا – قصة أصحاب الأخدود، قصة الخضر، حياة حتشبسوت.  

لا أُنكر أن فخ تلاعبه بالمميز الإنشائي للغة العربية مقارنةً بغيرها، والمتمثل في التقديم والتأخير، كأحد أمتع الأساليب البلاغية، وأكثرها إضفاء للحماسة والجذب على النص بمخالفة عناصر التركيب الترتيب الأصلي للسياق، فخ احتاج إلى حرفية أعلى في نصب الشِراك، غير أن الملل لم يحضر مع القراءة، والتأفف لم يكن لها رفيقًا.

سيّما وأن الحكي، لغويًا، على قدر كبير من الاتزان، وما أعاق سلاسة استرساله لا يُسأل عنه كاتب شاب، يخطو أولى خطواته الأدبية، ويُلقى – في رأيي - على عاتق المدقق اللغوي بشكل أكبر، لإصراره على استخدام المعقوفتين مع كل الكلمات الدخيلة على العربية الفصحى، وليس العامية فقط، على الرغم من أنها باتت جزءً أصيلًا من التكوين اللغوي، وعلى الرغم من لجوء الكاتب - أحيانًا - إلى استخدام العامية في الحوار، وهو لجوء مُعبّر عن هواجس لغوية لم يحسمها مع نفسه، فلا استقر على إبقاء الحوار، كل الحوار، بالعامية، ولا تركه كما ترك أغلبه بالفصحى البسيطة.

اختيارات كهذه؛ لا يسعنا معها إلا أن نكون مُنصفين أيّما إنصاف، نرفع معه القبعة للروائي الشاب، ونسكت فيه عما قد نراه حبكات تسرّبت من بين يديه، فلم يُحكم عُقدتها، أو ما قد نعتبره إعادة صياغة لعقدة هنا أو موقف هناك، أو حتى ما قد نراه كلاشيه أو أفورة أو دخول في منعطف لم يستحق الدخول؛ فيكفيه أنه صاحب طرح أمين، غير ضبابيّ، لم يُخفي قناعاته بإدعاء، ولا لفّ ودَارَ لاسترضاء.

يكفيه أنها محاولة أولى، مُشرِّفة، وتُنبئ بقدوم قوي، وقريب جدًا.