‏إظهار الرسائل ذات التسميات رحابتكم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رحابتكم. إظهار كافة الرسائل

متلازمة البلح الزغلول - والخوف من طعم الشتاء

بلح تمر


"تمرك طرح ملى عراجيني..

عاشقك وليه تتراجيني

ماهو يا أجيلك يا تجيلي يا غزالي

سلم عليّ لما قابلني وسلم عليّ ولدي يا ولدي".

تحت ثيمة أغنية "سلم عليّ" الفلكلورية تم غناء هذه الأغنية أكثر من مرة بكلمات مختلفة، منها المنتمي للفلكلور، ومنها من قام بتأليفه على نفس الثيمة القديمة لهذه الأغنية المعروفة، والعجيب في هذه الثيمة أنه أيًّا كان المطرب فستنجح معه. ليلى مراد، حجازي متقال، نجاة الصغيرة، فهد بلان، روبي، اسماعيل يس، مي فاروق، وخطيب مع الموزع الموسيقي مولوتوف... جميعهم قدّموا الأغنية بكلمات ومقاطع وتوزيعات مختلفة تُنتج في النهاية نفس اللحن.

المقطع المكتوب في البداية هو من أغنيه "سلّم عليّ" التي غناها المطرب الشاب خطيب، وخطيب المطرب الرئيسي لفرقة "هوس"،  ومن وزّعها هو الموزع الموسيقي "مولوتوف".

استوقفتني كلمة عراجيني فقمت بالبحث عنها؛ عرفت أن العرجون هو ما يحمل البلح على النخلة، وفي القرآن الكريم: "وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ". القمر بعدما يمر بمراحله من أحدب وتربيع وبدر وهلال وصولًا إلى المحاق، يمر بمنازل مختلفة واضعةً تقويم إلهي لمن يستطيع فقط المتابعة والتأمل ليصل قبل إنتهاء الشهر الهجري بيومين إلى هلال رفيع للغاية أصفر اللون، وذلك هو شكل العرجون إذا ظل لفترة طويلة على النخلة، فلقد كان سعفة قبل أن يمر بمنازل عديدة ليصبح عرجون قديم.

البلح من الفواكه الساحرة في شكله، ويمكن بسبع حبات منه أن تعطي جسدك ما يحتاج من الطاقة طيلة اليوم، إذا جُفّف أصبح تمرًا، وبطريقة أخرى يمكن تركه على النخلة حتى يصبح رُطبًا سوداء اللون بعدما كان أحمرًا، تهرب قشرته من عليه بمجرد لمسها تاركةً سحرها ليذوب في الفم، ويا حبذا لو تم وضعها مع السمن والبيض لتكون وجبة غذائية شتوية دسمة تعطي الجسم الدفء والطاقة لمجابهة برودته. وبلح أَمهَات بلون بُني إذا ما تُرك البلح الأصفر في الشمس. والكحك لن تكتمل حلاوته إلا إذا أُضيف إليه العجوة. والإفطار في مغرب رمضان لا تجوز إن لم يكن الخشاف حاضرًا على المائدة. حتى في الوصفات الحديثة؛ فهناك حلوى ابتُكرت من العجوة بعد فرمها وتشكيلها ككرات صغيرة، تُغطيتها الشيكولاتة، يستسيغها الأطفال بدون نفور من فكرة العجوة.

يظهر موسم البلح مع انسحاب الصيف ودخول الخريف، مع انتهاء الإجازة ودخول الدراسة. لظهور البلح أجواء فرضها علينا ذلك الموسم، أعراض جانبية، منها اختفاء البطيخ والمانجو ليحل محلهم الجوافة والبرتقال، وتبدأ نسمة البرد الخفيفة تتسلل من الأماكن الصغيرة بالمنزل، شباك تُرك مفتوحًا أو باب موارب، وتبدأ الشمس في كسر كبريائها، وتبدأ حرارتها في الخفوت، وتملأ السحب صفحة السماء.

هذه أجواء تؤهل النفس للاستعداد للدراسة، وكان لا بد لها من وجود طعم لهذه الأجواء، ذلك الطعم هو طعم البلح الزغلول، البلح الأحمر أو الأصفر الطويل، التنميلة والخدر الذي يتركهم في الفم بعد قضم قطعة صغيرة، هذا هو طعم سبتمبر، طعم الخريف، طعم الدراسة.

في المدرسة كنت لا أحب وجود البلح الزغلول في المنزل؛ لأنه يذكرني بقرب المدارس، بعد التخرج تحول الأمر معي لمتلازمة أخرى، أصبحت أخشى ظهور البلح الزغلول حتى لا يتفاقم الاكتئاب ويزيده بلة الإكتئاب الشتوي اللطيف، ولكن يبقى البلح الزغلول بطعمه المخدر متعة لها رونقها الخاص، فجيل الـ Date لا يعرف الـ Dates.

* Date: موعد غرامي.

* Dates: بلح.

البطل الأسطوري الوهمي ونظرة الفخر الحقيقية

البطل الخارق


يمسك بلوحته ويقف أمام باب المطبخ منتظرًا..

يراها تغسل صحنًا يلي الآخر.. ثم يأتي أخيرًا دوره مع آخر الصحون..

تستدير  بحماس  مع كلاماته: انظري هنا..

تلمع عينها عندما تقع على رسمته..

يرى  نظرتها اللامعة أكثر من أيّ صحن مغسول..

"نظرة الفخر" التي انتظرها منذ الصباح، بعد نظرة الخزي عندما أسقط كوب العصير..

نظرة بحث عنها وسط ألوانه ودفاتر رسمه.. جمع مهاراته ليُخرج رسمة تبهر عينيها..

**

لا ننكر أننا بحثنا عن هذه النظرة  في عيون أمهاتنا، وبعد ذلك انتقلت إلى المعلمين في المدرسة، أصدقائنا المقربون، قدوتنا ومثلنا الأعلى.. وأخيرًا شريكنا في الحياة.

لا نبحث بعشوائية، ولا تسمح أعيينا لاستقبال هذه النظرة من أيّ أحد.. هناك شخص قد فضلناه عن الجميع!..

من وجهة نظري؛ تعريف "نظرة الفخر": إشارات من الحب، مخلوطة بدفء فرحة قلب، وأحيانًا يتبعها (حضن) يجمع كل تلك المشاعر..

**

لكن لهذه النظرة عيوب؛ فهي مربوطة بخيطٍ حادٍ له طرف آخر، عنوانه: "يجب ألا أقع في الخطأ".

ويُشبك الخيط بالإبرة؛ فتغرز في العقل أول جريمة ارتكبها الانسان في حق نفسه ؛ "أن أكون مثاليًا".

لن أسمح بارتكاب الأخطاء، يجب أن أُحافظ على هذه النظرة، يجب أن تتوالى الإنجازات، وتُزيّن حياتي الانتصارات..

يحمل حقيبته ليخرج؛ باحثًا عن سراب المثالية.. يدور سؤال في عقله مع دورانات الطرق والمنحدرات: "هل سيتقبل أحد وقوعي من الخيط؟!.. ماذا لو لم أحقق شيئًا هذه المرة؟".

**

الكمال لله وحده.. نُدرك ذلك جيدًا..

ولكن ننساه عندما نرى أيّ شخص يحقق إنجازًا فشلنا في تحقيقه، أو لم تسمح لنا الظروف..

فهناك (ابن الخالة الاسطوري)، الذي تفوق في كل الاختبارات، وسافر إلى الفضاء مرتين، ويملك  نصف ثروة الأرض تقريبًا..

لا ترى أعيننا نواقص الآخرين، ولا يرى الجميع نواقصنا؛ ولذلك نغفل أن هناك الخطأ فيها مسموح..

**

قضيت نصف حياتي خائفة من الوقوع في الخطأ، ارتديت ثوب المثالية المزيف، أخفيت حقيقتي التي تُخطئ.. وتفشل.. تنجح.. وتتبعثر... بعد نظرة خزي واحدة تلتها عبارة: "لم نتوقع منك ذلك".

**

تسرق المثالية إنسانيتك، تُخفي غضبك أحيانًا.. وتُخفي دموعك مرات. تسعى لأن تصير الأفضل.. وفي خيالك مشهد النهاية، عندما يعتلي البطل المسرح ليستلم جائزة عن مجمل أعماله، ويرى والدته وأصدقائه جالسين أمامه، تملأ أعينهم دموع الفرح..

نعم ننسى أن المتعة في الطريق، وليست في الوصول..

في الرحلة الحقيقة نرتدي ثوب (التعلم). نُخطئ.. نتعلم.. ننجح..

نستمتع بضعفنا.. بفشلنا. نعطي للخطأ فرصة ليوصلنا إلى الصواب، نقف في كل محطات الحياة، ونعلم أننا لسنا في صراع لنثبت أننا الأفضل..

وأن نظرة الفخر كان يجب أن تكون موجودة في أعين من نحب، بلا مناسبة.. حتى بلا نجاح..

وأيضًا لا نتغافل عن واجبنا تجاه المقربين منا، أن نمنحهم نظرات فخر مجانية.. حب غير مشروط.. نشكرهم على وجدوهم، نُطمئنهم بتقبلنا عثراتهم قبل  نجاحاتهم. وأننا جزء من هذه الحياة، غير مكتملين، ولن نكتمل.. إلا بعد فوات الأوان..

رسائل العالم الآخر.. "كنا بخير.. لولا الآخرون"

انتحار شنقا


بحسب ما يُتداول؛ كان آخر ما كتبت الأديبة الإنجليزية "فيرجينيا وولف" لزوجها قبيل انتحارها:

"أيّها العزيز، لقد عدتُ إلى الجنون مرة أخرى، ولا أظنّ أن بإمكاننا النجاة مجددًا من تلك الأوقاتِ السيئة.. أنا لن أتعافى هذه المرّة.. أصبحت أسمع أصواتًا كثيرة داخل رأسي، ولم أعد قادرةً على التركيز.. لذلك سأفعل الأفضل لكلينا".

ثم وضعت مجموعة من الحجارة في معطفها وألقت بنفسها في نهر "أوز"..

بعد ثلاثة أيام؛ عُثر على جثتها؛ فقام الزوج بدفنها، وكتب على شاهد القبر عبارة من راوية "الأمواج"، روايتها هي.. كتب:

"سأقذف نفسي أمامك، غير مقهورة أيها الموت، ولن أستسلم".

في الرسالة الأخيرة لأخيه "ثيو"؛ كتب الرسام الهولندي "فنسنت فان جوخ":

"عزيزى "ثيو".. إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يُفقد الأشياء بهجتها، ويقودنا نحو الكآبة.. إنني أتعفن مللًا لولا ريشتي وألواني هذه".

ويلزم التنويه هنا؛ إلى أن هذه الرسالة لم يثبُت مصدرها إلى الآن، ولا يُعرف يقينًا إن كانت مكتوبة بيد "فان جوخ" أم من تأليف المترجم الذي تولى أمر ترجمة رسائله كلها. حتى إن طريقة انتحاره محفوفة بالغموض والشك، وأقرب الروايات وأكثرها منطقية تقول أنه انتحر بإطلاق الرصاص على نفسه.

بعيدًا عن الشك واليقين الملفوف بهما حوادث الانتحار عمومًا، وانتحار المشاهير والمؤثرين على نحوٍ خاص.. هنالك سؤال جوهري أولى بالبحث، وبحثه -أي السؤال- لا شك سينتج عنه سيل عَرِم من أسئلة جديدة..

- ما دافع المنتحر إلى ترك رسالة، لا سيما وأنه لا يعلم مصيرها بعد انتقاله إلى العالم الآخر؟!

أليس من الوارد ألا تُقرأ أبدًا من أي أحد؟!

أليس من الممكن سقوطها في يد غير أمينة.. يد لا تُقدر للرسالة أهميتها؟!

محتمل كذلك أن تُقرأ من شخص حاقد، أو سفيه!.. حاقد على المنتحر، أو مُسَفّه لفعل الانتحار ودوافعه وشجونه.

لننحي الأسئلة الوليدة جانبًا لكي لا يزيع السؤال الرئيس..

- لماذا كتابة رسالة في هكذا موقف ضعف؟!

ما الذي دار في عقل ووجدان منتحر يكتب مثل تلك الكلمات الوداعية؟

كيف كانت عاطفته؟

يبدو ألا سؤال رئيسي لفهم هذا الموقف الكئيب! الانتحار.. إنها شَرَك من الأسئلة اللامتناهية! سؤال يُنبت أسئلة إلى ما لا نهاية.

 ولكن الملحوظ في أغلب رسائل الانتحار التي ذيع فحواها على البشرية؛ أنها دومًا موجهة إلى شخص واحد، مُعيّن يبث المنتحر له وحده بكل شجونه وقلقه.. وخيبته، ويكأنه يخبره هو دون غيره بتأكده من أنه الوحيد الذي لن يلومه على مثل هذا الفعل، لن يجادله في بشاعة الانتحار، ولن يحاججه في سراب نتائجه.

دعم نفسي


"زينب" حبيبة أحمد الطحان هي الأخرى انتحرت بعدما فقد الأمل في كل شئ وكل أحد؛ فرثاها بقصيدة قائلًا:

"هعرف أسامحك على كل حاجة.. حتى الغياب".

لعلها أقصر إجابة، أظهر حجة كاشفة، على لماذا يختار المنتحر شخصًا يُحدثه في رسالته الأخيرة؟ ولماذا لا يبث حيرته مشاعًا للجميع؟

لعل السبب المحوري هنا كامن في التجربة الشخصية البحتة للموت، فإذا ما قُدّر للميت التحدث عنها؛ فلا بدّ أنه سيختار شخصًا يُؤثِره بما في التجربة من ألم.. حكايات، أبعاد، زوايا نظر..

ولكن.. ما معايير الاختيار؟ ولماذا هذا الشخص وليس ذاك؟

يُكمل "أحمد الطحان" رثائه في القصيدة قائلًا:

"بس عارفه ضحكت إمتى؟!

لما جه تفكير ف بالي..

إن أبويا مات كافر! لإنه مات موتة ربنا!"

نسيت أن أخبرك أن "زينب" لما انتحرت لم تكتب رسائل لأحد!.. لكنها لو كانت كتبت؛ فبالتأكيد كانت ستختار "أحمد"..

لماذا؟

تكفي السطور الثلاثة السابقة ليظهر أنه الشخص المناسب للائتمان على حكايات الموت الشخصية؛ لقد شكك في بديهيات لأجل أن يجد سببًا يُقنع به سائله عن حبيبته "زينب" وما فعلت. لبرهان أنها لم تكن مخبولة.. ولا حتى مُرغمة.. وهو من فرط التضامن ألبسها ثوب شجاعة، في وقت يُزدرى فيه المنتحر ويُشتم..

"دلوقتى ببص للمروحة وابتسم..

أنتِ كنتِ شجاعة.. متعلقتيش بحبال دايبة

مبصتيش ف الساعة..

طلعتي وعلقتي نفسك فيها

رغبتِ الموت باستماتة

بس أنا لسه جبان يا "زينب"..

أخري بشغلها على تلاتة"

دائمًا الرسائل وسيلة تحدث مع الشخص الأقرب، يُلجأ إليها دومًا للتعبير عما يكنزه الخُلد.. عما يدور في الخاطر. يلجأ إليها المنتحر ليقول ما لم يَقُله في حياته؛ لأنه -كمنتحر- متيقن أن لا أحد يسمعه.. يفهمه.

محتمل أن ما يجمع رسائل الانتحار كلها، من مشهورين، ومن مغمورين، أن كاتبيها رأوها الفعل الأصوب، الأصدق.. رأوا في الموجهة إليهم الرسائل داعمين لهم، بالرغم من كون قرار الإنتحار في ذاته لا يحتاج إلى التفسير، ولن يتوقف على رأي آخرين.. بل أحيانًا كثيرة يكون هؤلاء الداعمين – المرسلة إليهم الرسائل- من جملة الأسباب على اتخاذ القرار، وتنفيذه.

لكن أيًا كان دور البشر هنا؛ فهي ولا شك لحظة تجمدت خلالها عزيمة الاستمرار، تضخم خلالها الأمل بالفرار، تخلى أثناءها الحلم عن هدفه، وسُلب فيها الطموح إرادته.. نفس هذه اللحظة؛ يبحث خلالها المنتحر عن شعور قوة.. نشوة انتصار.. فلا يجد غير حياته، ينتصر عليها بالتخلص منها.

لا تنتظروا حتى لا يبقى أمامكم سوى دعم الحكاية في الرسالة الأخيرة بقبولها.. بل ادعموا الحكايات وهي على قدمين تمشي.. اقبلوها..

في احدى المصحات النفسية؛ وجد أحدهم عبارة مكتوبة على أحد الحوائط: "كنا بخير.. لولا الآخرون".

علاء سعد حميده من مصر يكتب: آفة مجتمعاتنا التطبيع والتمييع! (1-5)

كتب: علاء سعد حميده

مسجد في ساعة غروب الشمس


تعاني مجتمعاتنا من العديد من المشكلات المعقدة والمترابطة والمتداخلة إلى الحد الذي عقّدت فيه مسارات الحياة الميسّرة في مسارات صحية مستقيمة في تلك المجتمعات، بالإضافة إلى صعوبة –تكاد تبلغ حد الاستحالة – للفصل بين كل مشكلة والأخرى وتناولها على حدة.

والمتأمل في حال مجتمعاتنا يجد آفتها المعضلة عملية التطبيع مع المنكر من المعتقدات والأفكار والمناهج والتيارات والأخلاق والسلوكيات والظواهر والمظاهر.

عندما وضع الله تبارك وتعالى المنهج الذي يمشي عليه الإنسان في الأرض وسع علمه أن الإنس ليسوا كالملائكة، وأنهم سينسون ويتعثرون ويخطئون ويعصون (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) ]طه: 115[؛ ولذا لم يفترض المولى فيهم عصمة ليست من جبلتهم، ولا طالبهم بها، وإنما طالبهم بالتوبة والمغفرة بعد المعصية والأوبة بعد الهجران. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".

فالخطأ والخطيئة والمعصية لا تنفك عن الإنسان ولا ينفك عنها الإنسان، وإنما يؤاخذنا المولى عز وجل على الإصرار على المعصية، وتشتد مؤاخذة الله تعالى على الإعلان بالمعصية والمجاهرة بها.

ولا يعني ذلك أن الله تعالى يريد من عباده أو يرضى لهم أن يكونوا مجموعة من المنافقين يفعلون في السر في خفية عن أعين الناس ما لا يفعلونه أمامهم، حاشا لله تعالى أن يرضى لعباده ذلك، ولكن لأن الإستعلان بالمعصية والمجاهرة بها يخرم خرمًا في بنية المجتمع الإيمانية والثقافية والتراثية على النحو الذي ستتناوله المقالات القادمة بمشيئة الله تعالى.

علاء سعد حميده كاتب من مصر
علاء سعد حميده : عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية - عضو الاتحاد العالمي للإبداع الفكري والأدبي- عضو الاتحاد العالمي للمثقفين العرب- يكتب في السيرة النبوية والفكر الإسلامي له عدة روايات منشورة أولها رواية حتى لا تموت الروح، وعشرات القصص القصيرة والمقالات. 

رائحة أيلول عطري الخاص .. بداية النهاية نفسها أول الحكاية

ورق الشجر اليابس في الخريف


كمشهد ختامي لفيلم؛ يقف البطل والبطلة على سفح المقطم ليشاهِدا غروب الشمس في أعماق القاهرة، وعلى الرغم من يقين عودة الشمس في اليوم التالي؛ إلا أنه..

تدخّل مخرج الفيلم، وأسقط الستار الأسود؛ معلنًا نهاية القصة.. إلى الأبد..

الوداع.. النهاية.. فكرة عدم رؤية هذا الشخص مرة أخرى.. عدم حدوث ما حدث -وعادةً يحدث- مرة -أو مرات- أخرى.. أن الحياة انتهت عند هذه اللحظة، ولن تشرق شمسك من جديد..

لكل ذلك صدى يتردد في أعماقك، في وجدانك، في عمق قلبك.. صدى تشتعل ناره حريقًا إذا غلّفه صوت المطرب عمرو دياب المنبعث من عمق عقلك، يقول: "أنت أول كل حاجة.. والنهاية في كل شيء..

لقد أعلن عمرو القابع في زاويتك الداخلية المظلمة بهذه الكلمات: انتهاء الحياة.

يصعب على العقل في المصائب استيعاب مرور كل ذلك، انتهاؤه. يقف يشاهد شجرة الحياة تشيخ وتتساقط أوراقها المُصفرّة، المتهالكة.. لعنت الأوراق منذ الإصفرار وقبل السقوط بداية الخريف. لعنته لأنها غفلت عن وجود ربيع، وأنه لا شك قادم، وأنها ستنمو مرة أخرى.. تزدهر.. تُزهزه.. تُزهر.. من جديد.

نحن أيضًا نتغافل عن قدوم الربيع، والأدهى نسياننا نمو شجرة الحياة من قبل، وتهالكها من قبل، وإصفرار أوراقها من قبل، وسقوط تلك الأوراق من قبل.. مرات.. وأن هذه المرة لن تكون أبدًا مرة السقوط الأخيرة..

قررت في يوم بعيد جمع أوراق الشجر المتناثرة في نهاية شهر أيلول. نعم أحب تسمية أيلول وأعشقها أكثر بكثير من سبتمبر؛ لأنها تسمية تترك في نفسي بعضًا من شاعرية التاريخ، عبق الأشياء القديمة. فأيلول تسمية تعود للغات السريانية والأرمنية، لغتان قديمتان جدًا، بكثير من فوح رائحة الماضي، والتي امتزجت بفعل استخدام التسمية في كلٍ من تركيا وبلاد الشام بحاضر مخيف ومستقبل ضبابي.

تذكرني كلمة أيلول بالشعر، وبرحيل الأحبة.. وبالنهاية. تبقى النهاية دائمًا مقيدة بحبل متين في شجرة، والشجرة في عمق غابة مظلمة نُسجت حولها أساطير، أما حقيقة الغابة فلا يُعلم عنها شيئًا ولم يجرؤ أحد على دخولها.. كلها أساطير..

الهجر سمة من سمات أيلول.. ولعلها الفريدة التي دفعت الشاعر التركي: جمال سوريه إلى أن يقول:

أيلول

كتبت اسمك على جانب ورقة صفراء

ورقة متساقطة من فرع شجرة

لم تعهد يدي البرودة

ولكن كانت هناك ابتسامة مزيفة

كل شيء حدث في ايلول

عشنا في الماضي بسبب قصر خطواتنا

وبسبب عيناي الخاملة

كانت يدكِ الخاوية

كاذبة مثل كلماتك الصفراء الداكنة

أخذت استراحات بلا رجعة مثلك

فأصبح حزننا كطفل أناني

الآن لم يعد هناك معنى للصمت

فلقد تركتيني عاريًا وسط صمتك

لقد أخبرتك.. كل هذا قد حدث في أيلول

كان بسبب غرقنا في وحدتننا

***

عطور


أتساءل منذ صغري لما وقع الاختيار على شهر أيلول ليكون شهر بداية العام الدراسي الجديد دونًا عن البداية الطبيعية للسنة الميلادية في شهر يناير؟!

لن أذكر أسبابهم المحشوة والمحشودة في الكتب، أنه بفضل وفرة المحاصيل في هذا الوقت من العام، ملائمة الطقس لعودة الأطفال للمدارس... إلخ.

لن أذكر؛ لأن النهاية عندي تبدأ من هنا.. تخفت إنارات الشوراع، بالرغم من بقاء عدد أعمدة الإنارة كما هو.. لم يقل. يُزين الضباب شيئًا فشيئًا ليالي أيلول. يعشش الناس في منازلهم من الثامنة مساءً وتُطفئ الأنوار.. يعلو الصراخ الآمر: لينم الجميع؛ غدًا مدرسة.

في الصباح؛ تتجول في زوايا المنازل رائحة الخبز الفينو الطازج، مصطحبة معها رائحة أوراق الشجر الذابلة، فيتناغما مع روائح الكتب والدفاتر الجديدة.. يتسلل كل ذلك إلى الأنف..

كئيب أيلول، وكئيبة تسميته.. إلا الصباحات..

حينها؛ أتخلى عن مقاومة الأرق. نتحدث سويًا عن نهاية فصل من اللهو، وكيف فقدنا سعادة الخروجات والزيارات.. استبدلناها باستقبال بداية مجهول.. استقبال مُقلق، مُوّتِر.. إلا أنها لا تزال بداية..

وأنا مغرمة بالبدايات بنفس ألق كرهي للنهايات. فبداية عام دراسي جديد هي عندي مغامرة، أعي تمامًا ما فيها صعوبات وحواجز.. لكن هذا لا يمنعني من شكر من جعل بداية العام الدراسي في أيلول، يكفي أنه علّمني أن ليست كل النهايات سيئة، وأن كل نهاية تجر في ذيلها بداية جديدة.

أشكره لأنه منحني عطري الخاص.. عطرٌ يذكرني بأيام خلَت.. عطرٌ ينثر بشرى حكايات أجمل قادمة.. عطرٌ مكوناته طبيعية، غير متكلفة المزج: خبز فينو، أوراق شجر يابسة، كتب ودفاتر جديدة...

لا تاريخ بدون طعام .. حين يسهل على الحياة طهي إنسان

طهي الطعام


يقول الدكتور/ ياسر ثابت في مقدمته لكتاب 100 أكلة وأكلة للدكتور/ أسامة القفاش: "لا تاريخ بدون طعام! فالتاريخ الإنساني لصيق بالطعام، الذي يعد من أهم علامات التمدن والتحضر عبر العصور".

الطعام هو أيسر وألذّ متع الحياة، والطعام وُجد قبل الإنسان، ذلك لأنه غريزة حيوانية بحته، ولكن الإنسان بمنحة العقل التي وهبها الله إياها جعل من تلك الغريزة متعة خاصة لا يضاهيها متعة، فتحضير الطعام متعة، ومشاهدة إعداد الطعام متعة، والتعرف على ما يطبخه الجيران متعة أكبر لا يعرفها من يمتلك أسانسير في عمارته، ولم أجد أرحب من المنور ليسع كل هذه الروائح في آن واحد دون أن يمزجهم، لتستمتع بهم منفصلين، وليمزج بينهم العقل، فملوخية الثالث مع صينية بطاطس الخامس وصوت طشة الشوربة وهي تبرد لسان العصفور المحمر من الثاني، أكمل وجبة. يوم آخر تتمنى خلاله رائحة بلوبيف السابع الامتزاج بصلصة المسقعة في السادس.. ولكن هيهات!

لو أن استخدام اللسان اقتصر على التذوق فقط؛ لظل التذوق أعظم الحواس، اللسان بأطرافه العصبية العظيمة قادرة على التفرقة بين الفول المدمس والفول النابت والبصارة والطعمية، على الرغم من وحدة أصلهم جميعًا.

هكذا نحن البشر.. فول.. ولكن ما يفرق بيننا، ويجعل أحدنا مدمس، والآخر بصارة، وأحياناً حيراتي؛ هو المرحلة التي وصلنا إليها من النضج، بالإضافة إلى ما يتم استقباله ليضيف إلى الطعم أو يسحب من أصله بالتدريج.

وهذا لا يعني أن ما استقبلناه كان غريباً علينا تماماً فغيَّر مِنّا وجعلنا على هيئة غير هيئتنا، بالعكس؛ فالفول المدمس يُضاف إليه وقت تدميسه فول مدشوش، نفس الأصل ولكن في صورة مغايرة، فيتجانسا سوياً في القِدر ليخرج بشكله الذي نعرفه.

الفنان أحمد منيب في أغنيته: يا وعدي على الأيام .. يغني بصوت شجيّ:

"ياوعدي ع الأيام، بتعدي بينا قوام، وبتدي مبتديش، ندبل وهي تعيش".

وكأن الحياة تغير من هيئتنا، تأخذ من شبابنا فنشيخ ليعود إليها شبابها بأعمارنا، أعطيناها -أو بالأحرى- سُرقنا ونحن نظن أننا الفائزون.

لكن لفظ "ندبل" استخدمه منيب في أكثر من أغنيه؛ فمثلا في أغنيته بنسهر الأوتار قال:

"باكية عيون موالي، ما قولت آه كان مالي، أستاهل إللي جرالي، وأسهر أنا، وأدبل أنا".

مرتبط دائماً لفظ الذبول بمرور التجربة عليه، وتربطهم علاقة طردية؛ فكلما كانت التجربة قاسية زاد معدل الذبول.

من أغاني أحمد منيب ارتبط في ذهني -أيضاً- أني كلما مررت بتجربة صعبة؛ فمقابل ما تعلمته هناك جزء ذبل مني، جزء لم يعد طازجًا كما كان.

ثوم


أمي تحب بشدة قنوات الطبخ، ذلك العلم الذي كُتب فيه أكثر من 9 مجلدات على أيدي 9 علماء مختلفين، منهم الطبيب والفيلسوف وعالم الرياضيات: أبي بكر الرازي، ولا يمكن أن يُذكر علم الطبخ دون أن نذكر كتاب أبلة نظيرة. وفي حركة التطور الذي شهدها القرن الواحد والعشرين تطورت تلك الكتب والمجلدات إلى قنوات تضم طباخين مهرة، ونقلت لي أمي حب تلك القنوات دون قصد منها؛ فأحببتها.. ولكن باختلاف عنها، فهي تحب البرامج التي تعد الحلويات وتبدع فيها، أما أنا أحب البرامج التي تتفنن في طهي اللحوم والطواجن والمشويات، تعلقتُ بالشيف/ شربيني، أحببته لبساطته قبل أي شئ، وأحبت أمي الشيف/ نرمين هنو، بهدوءها المعروف وكأنها ترسم وتعزف لا تطبخ.

اللحوم والطواجن والمشويات وأي طعام مالح عصبه الأساسي إذا أردت أن يكون لطبقك نكهة البصل والثوم، ولست هنا في موضع لأتحدث عن فوائدهم رغم المثل الشعبي المعروف "مفيش حلاوة من غير نار" الذي ينطبق عليهم تماماً؛ فرغم فوائدهم العظيمة يكرههم معظم الناس لرائحتهم الكريهة التي تخلف تناولهم.

"هنجيب طاسة نحط فيها شوية زيت وبعدين ننزل بفصين التوم والبصلتين وشوية الفلفل إللي قطعناهم ونقلب لحد ما يدبلوا وبعدين ينضجوا".

عادت العبارة ترنّ في أذني مرة أخرى رغم أنها كانت تمر مرور الكرام عليّ وأنا صغير، "يدبلوا وبعدين ينضجوا"، ذلك هو الأساس في طهي أي خضروات طازجة عند التحمير، لا بدّ للخضار من الذبول قبل أن ينضج وتفوح منه رائحته الساحرة، ويترك نكهته للطعام المضاف إليه؛ ثم يخرج في النهاية طبق عظيم.

وإن كانت الخضروات من الأرض، ونحن من الأرض، فكلانا متفقان في أن بعد الذبول نضج، ولن ننضج إلا بنار حامية وزيت، ذلك هو جزاء التجربة، ولكن كما يتحمل الخضار ذلك؛ فعلينا نحن البشر أن نمضي في طريقنا، تاركين وراء ظهورنا قسوة التجربة وصعوبة التحمل البدايات ومشقة التفكير في ما فات، لنستمتع بذلك الذبول المؤقت، ومن بعده نفتخر، بنضجنا، رائحتنا الزكية، نكهتنا التي نتركها في حكايتنا.

يقول أحمد منيب في مقطع آخر من أغنية "بنسهر الأوتار": " شارب مياه نيلي، ما قولت آه ويلي".

علاء سعد حميده من مصر يكتب: الإسلام دين الحياة الواسعة!

كتب: علاء سعد حميده

المصحف الشريف


يخطئ من يحصر الإسلام في زاوية العبادات الطقوسية من صلاة وصيام، وإن كانت العبادات الطقوسية من فرائض الدين اللازمة.

ويخطئ من يعتقد أن الإسلام دين بناء الدولة سياسيًا فحسب.

وإنما الإسلام دين واسع سعة الحياة الدنيا والآخرة.

فالإسلام دين حدد علاقة الإنسان بالله ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۞ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.

وعلاقة الإنسان بالغيب: الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

وعلاقة الإنسان بالبيئة والموارد الطبيعية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.

وعلاقة الإنسان بالإنسان: فعصم دم الإنسان وماله وعرضه وغيبته وسمعته.

وعلاقة الإنسان بأسرته وزوجته: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.

مسجد


وعلاقة الإنسان بالمجتمع (الأمة): ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۞ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۞ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.

وعلاقة المجتمع بالسلطة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾.

وعلاقة السلطة بالمجتمع (الأمة): ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾.

وعلاقة المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى:

أولًا: التعارف ﴿لتعارفوا﴾.

ثانيًا: التعاون ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۞ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

ثالثًا: التعايش ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾.

رابعًا: المعاهدة والمواثقة ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾.

خامسًا: الإجارة وعقد الأمان والتأمين ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾.

سادسًا: الموادعة والسلم ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.

سابعًا: المدافعة والتدافع ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.

ثامنًا: الردع الاستراتيجي بمبدأ توازن القوى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾.

تاسعًا: رد العدوان ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾.

فما ترك الإسلام في قرآنه الكريم علاقة إنسانية يحيا بها الإنسان إلا وأورد لها ذكرًا أو إشارة مرجعية جامعة. هذه هي العلاقات في القرآن الكريم.

الكاتب والروائي المصري علاء سعد حميده

علاء سعد حميدهعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية - عضو الاتحاد العالمي للإبداع الفكري والأدبي- عضو الاتحاد العالمي للمثقفين العرب- يكتب في السيرة النبوية والفكر  الإسلامي له عدة روايات منشورة أولها رواية حتى لا تموت الروح، وعشرات القصص القصيرة والمقالات. 

شعيب الأحمدي من اليمن يكتب: حقيقة مخيفة .. الإنسان على مذبح اليقين الوحيد

كتب: شعيب الأحمدي

حقيقة مخيفة .. حقيقة الموت


يتجول الإنسان في كل مكان، يسرح ويمرح في أي بقعة يأمل بالذهاب إليها، ويهرع مهرولًا اتجاه المكان المرغوب بالوصول إليه، بعضهم يأخذ نحبه قبل الوصول وبعضهم يصل!.

اليوم أشاهد الموت وهو يتجول في البلاد مثل الإنسان تمامًا، يأخذ من قضى نحبه، وينتظر الزمن ليقضي نحبهم، مُنذُ أن وعيت حقيقته التي لا تميز بين المرء وزوجه، الشاب والشائب، الرجل والمرأة، الصالح والطالح! يأخذ بإرادته من نريد ومن لا نريد، بإرادتنا البشرية!.

الحياة فترة مؤقّتة أقصر من وهلة الدقيقة!

بعد أن ذهبتُ إلى المقبرة، تحطمت كل الكيانات العنجهية في ذاتي، كبريائي البشري، غروري النفسي، رأيتُ الحياة أصغر من الخُنصر!

أقعُد الآن في أطراف الحياة، على كرسي الانتظار، انتظر الحقيقة القادمة، اللاتي في اللحظة غير المعروفة زمنيًا، وقد تكون غير مرغوبة عند الكثير من هؤلاء الناس الذين يحملون وجوه الغبرة، يبكون، يشعرون بفراغ، بفقد، بسبب لحظة غامضة مرت على إنسان كان قوي البنية.

هل يعلمون بأن الحقيقة غير واضحة ولا معروفة؟ أين هيَّ الآن؟! وحول من تجول!

قد تكون الآن بين هذا الحشد وهم لا يشعرون بأنهم سيلحقون في المرة القادمة.

يظل الشيء المخيف بأنه عندما يموت المرء أين كانت شخصيته الوجودية الاجتماعية بين الناس، بأن الأصدقاء، الأهل، يتداركون حقيقة الغياب الطويل، يشعرون بحجم الفقد، وبعضهم لا يتجوزون اللحظات، فيغمرهم النسيان، بعد الصلاة عليه!

يشيعون جسدك، ويدفنوا الضحكات التي كانت تُزين مجالسهم، والحكايات التي كانت تؤمن وحشتهم، والوجود الذي كان أمانهم، يدفنوا الذكريات، المواقف، النضال، حتى اسمك يذهب معك إلى القبر!.

أليست حقيقة مخيفة؟!

الكاتب اليمني شعيب الاحمدي


شعيب الأحمدي : كاتب، ناشط، صحفي، من اليمن.