بحسب ما يُتداول؛ كان آخر ما كتبت الأديبة الإنجليزية "فيرجينيا
وولف" لزوجها قبيل انتحارها:
"أيّها العزيز، لقد عدتُ إلى الجنون مرة أخرى، ولا أظنّ
أن بإمكاننا النجاة مجددًا من تلك الأوقاتِ السيئة.. أنا لن أتعافى هذه المرّة.. أصبحت
أسمع أصواتًا كثيرة داخل رأسي، ولم أعد قادرةً على التركيز.. لذلك سأفعل الأفضل لكلينا".
ثم وضعت مجموعة من الحجارة في معطفها وألقت بنفسها في نهر
"أوز"..
بعد ثلاثة أيام؛ عُثر على جثتها؛ فقام الزوج بدفنها، وكتب
على شاهد القبر عبارة من راوية "الأمواج"، روايتها هي.. كتب:
"سأقذف نفسي أمامك، غير مقهورة أيها الموت، ولن أستسلم".
في الرسالة الأخيرة لأخيه "ثيو"؛ كتب الرسام الهولندي
"فنسنت فان جوخ":
"عزيزى "ثيو".. إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما
الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يُفقد الأشياء بهجتها، ويقودنا نحو الكآبة.. إنني أتعفن
مللًا لولا ريشتي وألواني هذه".
ويلزم التنويه هنا؛ إلى أن هذه الرسالة لم يثبُت مصدرها
إلى الآن، ولا يُعرف يقينًا إن كانت مكتوبة بيد "فان جوخ" أم من تأليف المترجم
الذي تولى أمر ترجمة رسائله كلها. حتى إن طريقة انتحاره محفوفة بالغموض والشك،
وأقرب الروايات وأكثرها منطقية تقول أنه انتحر بإطلاق الرصاص على نفسه.
بعيدًا عن الشك واليقين الملفوف بهما حوادث الانتحار
عمومًا، وانتحار المشاهير والمؤثرين على نحوٍ خاص.. هنالك سؤال جوهري أولى بالبحث،
وبحثه -أي السؤال- لا شك سينتج عنه سيل عَرِم من أسئلة جديدة..
- ما دافع المنتحر إلى ترك رسالة، لا سيما وأنه لا يعلم مصيرها
بعد انتقاله إلى العالم الآخر؟!
أليس من الوارد ألا تُقرأ أبدًا من أي أحد؟!
أليس من الممكن سقوطها في يد غير أمينة.. يد لا تُقدر للرسالة
أهميتها؟!
محتمل كذلك أن تُقرأ من شخص حاقد، أو سفيه!.. حاقد على
المنتحر، أو مُسَفّه لفعل الانتحار ودوافعه وشجونه.
لننحي الأسئلة الوليدة جانبًا لكي لا يزيع السؤال
الرئيس..
- لماذا كتابة رسالة في هكذا موقف ضعف؟!
ما الذي دار في عقل ووجدان منتحر يكتب مثل تلك الكلمات الوداعية؟
كيف كانت عاطفته؟
يبدو ألا سؤال رئيسي لفهم هذا الموقف الكئيب! الانتحار..
إنها شَرَك من الأسئلة اللامتناهية! سؤال يُنبت أسئلة إلى ما لا نهاية.
ولكن الملحوظ في
أغلب رسائل الانتحار التي ذيع فحواها على البشرية؛ أنها دومًا موجهة إلى شخص واحد،
مُعيّن يبث المنتحر له وحده بكل شجونه وقلقه.. وخيبته، ويكأنه يخبره هو دون غيره بتأكده
من أنه الوحيد الذي لن يلومه على مثل هذا الفعل، لن يجادله في بشاعة الانتحار، ولن
يحاججه في سراب نتائجه.
"زينب" حبيبة أحمد الطحان هي الأخرى انتحرت بعدما
فقد الأمل في كل شئ وكل أحد؛ فرثاها بقصيدة قائلًا:
"هعرف أسامحك على كل حاجة.. حتى الغياب".
لعلها أقصر إجابة، أظهر حجة كاشفة، على لماذا يختار المنتحر
شخصًا يُحدثه في رسالته الأخيرة؟ ولماذا لا يبث حيرته مشاعًا للجميع؟
لعل السبب المحوري هنا كامن في التجربة الشخصية البحتة للموت،
فإذا ما قُدّر للميت التحدث عنها؛ فلا بدّ أنه سيختار شخصًا يُؤثِره بما في
التجربة من ألم.. حكايات، أبعاد، زوايا نظر..
ولكن.. ما معايير الاختيار؟ ولماذا هذا الشخص وليس ذاك؟
يُكمل "أحمد الطحان" رثائه في القصيدة قائلًا:
"بس عارفه ضحكت إمتى؟!
لما جه تفكير ف بالي..
إن أبويا مات كافر! لإنه مات موتة ربنا!"
نسيت أن أخبرك أن "زينب" لما انتحرت لم تكتب
رسائل لأحد!.. لكنها لو كانت كتبت؛ فبالتأكيد كانت ستختار "أحمد"..
لماذا؟
تكفي السطور الثلاثة السابقة ليظهر أنه الشخص المناسب للائتمان
على حكايات الموت الشخصية؛ لقد شكك في بديهيات لأجل أن يجد سببًا يُقنع به سائله
عن حبيبته "زينب" وما فعلت. لبرهان أنها لم تكن مخبولة.. ولا حتى مُرغمة..
وهو من فرط التضامن ألبسها ثوب شجاعة، في وقت يُزدرى فيه المنتحر ويُشتم..
"دلوقتى ببص للمروحة وابتسم..
أنتِ كنتِ شجاعة.. متعلقتيش بحبال دايبة
مبصتيش ف الساعة..
طلعتي وعلقتي نفسك فيها
رغبتِ الموت باستماتة
بس أنا لسه جبان يا "زينب"..
أخري بشغلها على تلاتة"
دائمًا الرسائل وسيلة تحدث مع الشخص الأقرب، يُلجأ إليها
دومًا للتعبير عما يكنزه الخُلد.. عما يدور في الخاطر. يلجأ إليها المنتحر ليقول
ما لم يَقُله في حياته؛ لأنه -كمنتحر- متيقن أن لا أحد يسمعه.. يفهمه.
محتمل أن ما يجمع رسائل الانتحار كلها، من مشهورين، ومن
مغمورين، أن كاتبيها رأوها الفعل الأصوب، الأصدق.. رأوا في الموجهة إليهم الرسائل داعمين
لهم، بالرغم من كون قرار الإنتحار في ذاته لا يحتاج إلى التفسير، ولن يتوقف على رأي
آخرين.. بل أحيانًا كثيرة يكون هؤلاء الداعمين – المرسلة إليهم الرسائل- من جملة
الأسباب على اتخاذ القرار، وتنفيذه.
لكن أيًا كان دور البشر هنا؛ فهي ولا شك لحظة تجمدت
خلالها عزيمة الاستمرار، تضخم خلالها الأمل بالفرار، تخلى أثناءها الحلم عن هدفه، وسُلب
فيها الطموح إرادته.. نفس هذه اللحظة؛ يبحث خلالها المنتحر عن شعور قوة.. نشوة انتصار..
فلا يجد غير حياته، ينتصر عليها بالتخلص منها.
لا تنتظروا حتى لا يبقى أمامكم سوى دعم الحكاية في
الرسالة الأخيرة بقبولها.. بل ادعموا الحكايات وهي على قدمين تمشي.. اقبلوها..
في احدى المصحات النفسية؛ وجد أحدهم عبارة مكتوبة على أحد الحوائط: "كنا بخير.. لولا الآخرون".

