القصة الفائزة في مسابقة مزاج الكتابة في جروب فنجان قهوة وكتاب بالتعاون مع iRead
برعاية وتحكيم الروائية د/ ريم جمعة.
تتبعها ببصره حتى غابت عن مجال رؤيته، التقط القلم الذي استخدمته، رفعه قبالة ناظريه، ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة، أوجعت شدقيه من طول زمن ارتسامها، ثم تنهّد بابتهاج، هواءها بارد هذه المرة، على عكس كل زفراته السابقة. تنهيدة عَكستْ نُكرانه ذلك الشخصَ الصارخ المُنتحِب منذ سويعات.
هزَّ القلم بين
إصبعيه في حركة مترددة، سحب ورقة بيضاء، كتب في أوسطها العلويّ: "هاجَر"،
سرح بخياله في الاسم، أغمض عينيه، كما لو كانت الجفون سدًا يحجز الأحداث خلفه عن
التسّرب إلى خارج الذاكرة، ثم فتحهما بروِّية التِماع من أين يبدأ الحكاية في
عقله، وشرع يكتب.
نظر إلى اللابتوب
نظرة استعطاف. هذا هو أسبوع الانتظار الثالث، قد أوشكت نهايته، ولا جديد. نقر على
زر الإغلاق، أدار ظهره خارجًا من غرفة المكتب إلى غرفة النوم، توقف فجأةً قبل أن
يتخطى عتبة الباب، استدار بوجهه نحو الحاسوب، زفر زفرةً طويلة، بعدها خرج.
فات موعد نومِه المعتاد منذ نحو ساعة، لأول مرة يُجافيه النُعاس بهذا الشكل، لقد درّب ساعته البيولوجية منذ أن توظَّف قبل اثنى عشر سنة، حتى انضبط إيقاعها بحَزم على روتينه اليومي: العاشرة مساءً في السرير، دقائق معدودات ويغط في نوم عميق، غير عابئ بأي حدث أو أي حديث، قبيل الفجر يستيقظ، عند السابعة تمامًا في مكتبه بالفندق، في الرابعة عصرًا على مائدة الغذاء، يدخل بعده إلى مكتبه المنزليّ؛ ليعمل أو يذاكر أو يقرأ، حتى يحين موعد العشاء في التاسعة. يوم الإجازة الإسبوعية لم يسلم هو الآخر من هذا التكبيل، باستثناء استبدال ساعات التسوّق بساعات العمل الرسمية.
كان حقًا مثالًا
يُحتذى في دقة المواعيد، تجسيدًا حيًا لكل المفردات والمرادفات المعبِّرة عن ماهية
النظام والترتيب. الشئ الوحيد الذي لم يخضع للصرامة والحسابات الدقيقة، هو النقود،
فقد كان أيضًا تجسيدًا لمعاني الإسراف والبذخ، لم يشغل الإدخار باله على الإطلاق.
إلى أن تبدّلت
الأحوال، وانقلبت دنياه رأسًا على عقب؛ فأحسّ بهول وفجيعة خطيئته.
ملّ من كثرة
التقلّب في الفراش، من البحلقة في الظلام. اجتذبت أذنيّه همهمات ناعسة صادرة عن زوجته
النائمة بجوراه، إنها المرة الأولى طوال سنوات زواجهما التسع، التي يعلم فيها أنها
تئن كالأطفال وهي نائمة.
فتح الأنين
المكتوم في عقله هويسًا من الأسئلة المتلاحقة، عن نفسه، وعنها، وعن حياتهما معًا:
هل يعرفها حقًا؟ أمّا يجهله من طباعها أكبر بكثير؟ لماذا خيّم عليهما الخرس الزوجيّ
إلى هذا الحد؟! هل فقدا كل شئ مشترك بينهما؟ أم لم يكن بينهما مشتركات من البداية؟!
لماذا لم تطلب الطلاق بعدما انقطعت بهما سبل التناسل بسببه؟! لماذا صبَرتْ على
الجريّ بين العيادات الطبية ومعامل التحاليل ومراكز الأشعة طوال ثلاث سنوات بدون
شكوى؟!
ضجر من طوفان
الأسئلة العديمة الإجابات الحقيقية، هو عالق منذ أسابيع في معمعة أسئلة لا إجابات
لها، أسئلة تزيد مستقبله غموضًا، لم يعد في وسعه المزيد، لا منها، ولا من الغموض؛ فهرب
من القلق ومن القلقلة بالنهوض عائدًا إلى غرفة المكتب مرة أخرى.
أضاء مصباحًا بعيدًا
وخافتًا في توهّجه، أحكم غلق الباب، شغَّل اللابتوب، أشعل سيجارة بينما ينتظر نظام
التشغيل ينتهي من التحميل الرتيب، وما إن اكتمل تحميل النظام، حتى نقر بسرعة على
أيقونة المُستعرِض، ومنه على أيقونة البريد الإلكترونيّ، لقد حفظها في واجهة النافذة؛
لكي يختصر على نفسه زمن الولوج إلى صندوق الوارد، أغمض عينيه بينما صندوق الرسائل
الواردة آخذٌ في التحميل، كطفل يهرب من مخاوفه بعدم رؤيتها، همس بتلهّف:
- يارب جديد هذه المرة.
فتح عينيه على
مهلٍ، يحدوه أملٌ غريب بمفاجأة سارة، لعله وليد إشفاقًا على حاله، وعلى الرغم من سريان
هذا الأمل في وجدانه، إلا أن هجمة الأسئلة المريبة على عقله حضرت، عادت ككل مرة
يختلي فيها بنفسه، ها هي الآن تؤرقه بأسئلة: ما الذي يمكن أن يُستجد في ساعة
واحدة؟! ما السار المباغت الذي لا يكفيه الجلوس لأكثر من اثنى عشر ساعة كل يوم
أمام نفس الشاشة على مدار ثلاثة أسابيع؟!
انسحب للهجمة الحالية
تركيزه كله، حتى أفرغ سيل الاستجواب المتدفق على عقله حمولته الكاملة من التساؤلات
العشوائية، وبعدها سكت، عدا عن نفس السؤالين المكررين: لماذا لم تطلب الطلاق؟!
لماذا صبرَتْ؟! على كثرة توافدهما على ذهنه، ليل نهار، في الآونة الأخيرة، إلا أنه
استغرب ورودهما الآن، وبهذا الإلحاح، إنّ وضعه القائم يُرجح تنحيتهما إلى حين،
وليس تكرارهما.
وبكل أسف؛ بعدما استجمع
بصره وتركيزه، وبدأ يقرأ الجديد من البريد الوارد، أيقن انتصار الريبة على السرور،
لا جديد من الرسائل التي ينتظرها على نار، كما كل جلسة تصفّح، نفسها إيميلات التسويق
الإلكترونيّ الممجوجة فقط.
حاول الهروب من خذلانه
بتشكيل الدخان المنفوث من صدره إلى الهواء بإصبعه، أسكن اللعب بالأشكال الدخانية الهُينة
مُحدِّثه القابع في زاوية عقله المظلمة، مُلقي الأسئلة عليه، المُستَجوِب دائمًا، ثم
ما لبث أن عاد لنشاطه الدؤوب في طرح مغاليق عصيّة على الإجابة، عاود بثّ شكوك مُعلَّقة،
لا يقين يُقنعها ولا آيات مُحكَمات تضحدها.
الغريب؛ أن سائله
الخفيّ هذا، لمَّا عاد دؤوبًا الآن، نحَّى كل الأسئلة التي اعتادها منه منذ وقوع
المصيبة الأحدث، كلما اختليا ببعضهما، عدا هذين السؤالين، لقد أصبح الأمر فوق طاقة
الاحتمال، بمناسبة وبغير مناسبة يتكرران، المفروض أنه يُفكر الآن في حلّ ينتشله من
الضياع، فما بال المُحدِّث الخفيّ يُعيدهما ولا يملّ، يطرحهما ولا يُكلف نفسه
تحيّن لحظة مناسبة.
بل يردد عليه بصيغ
مختلفة:
- لماذا لم تطلب
الطلاق؟! لماذا صبرَتْ؟!
جاهد بعزم ما فيه
للفكاك من هكذا محادثة في غير أوانها، علل وبرّر بأن لكل حادث حديث، وحديث الوقت الفاجعة
الجديدة وتوابعها، ليس الوقت وقت تفكير فيما قررت وفعلت منذ ست سنوات انقضت.
حاصره مُحدثه
العقليّ كأن لم يفعل في أوج مصيبته الكبرى، العقم، أو هكذا اعتبرها حتى وقت قريب،
حتى شهد من المصائب ما هو أكبر وأسخَم.
ألحّ بالسؤالين مرات،
والجديد هذه المرة نبرته المُتحدِّية، الصبغة الآمارة في وجوب الإجابة عليهما الآن،
بلا تسويف، فلن يرضاه منذ اللحظة، كان ذلك واضحًا في صيغة الأمر المستجدة:
أخبرني لماذا لم
تطلب الطلاق؟! قُل لي لماذا صبرَتْ؟! أريد إجابة الآن!
احتار فيمن يبُثّ
مثل هذه الوساوس في كيانه، أهي نفسه الأمّارة بالسوء؟ أم الشيطان القرين؟ لم يصل
إلى إجابة واضحة، فأهمل البحث عن صاحب الفعل، واستعان على كليهما، النفس والشيطان،
بالاستعاذة الخاشعة، تلاها مرات ومرات، بكل صيغها الواردة في الكتاب والسنّة، ويحفظها،
لكن بلا جدوى، ظل التكرار واللهجة الآمرة سيدا الموقف.
أشعل سيجارة ثانية،
تجرّعها دُفعةً واحدة وصولًا إلى المبسم، بدون فواصل يتنفس خلالها هواءً نقيًا تقريبًا،
فأعقبها بثالثة، رابعة، خامسة، هالته الغيمة الكثيفة الغائم وراءها سقف الحجرة؛ وصرعه
السُعال الشديد.
عندما هدأ صدره،
وانقشعت بعض الغمامة إلى خارج النافذة، بحث في ثنايا حياته عن مبررات وجيهة تصلح
لإسكات هواجسه، فشلت محاولاته البحثية، بل وانسحقت عن آخرها، على وقع سؤالين آخرين
تشكلا، ومن ثَم أخذا موضعًا متقدمًا على سابقيّهما:
- ألا تهفو كل امرأة
لأن تصير أمًا؟ فلِما أحجمَتْ هي رغم استطاعتها؟
- الحُب.
نطقها مسموعة، لعلها
تُخرس ذلك المتكلِّم بداخله، لكنه لم يخرس، بل زاد في جِداله بطرح أسئلة تفصيلية، تنبتُ
من جذور مدفونة في التربة المظلمة لحياته:
- أيُّ حُب؟! تذْكُر
آخر مرة احتضنتها؟ آخر مرة تحدثم سويًا في موضوع، أيّ موضوع، غير احتياجات المنزل والواجبات
الاجتماعية اللازمة، والمال؟ آخر مرة أهدتكَ هدية؟ متى آخر مرة جمعكم فراش؟ تذْكُر
تلك المرة، التي ذهب عنها لغير رجعة "دلع المصريَّات الخجول"، استعارتك الأثيرة
من "يوسف إدريس" لوصف أداءها في المُناغَشَة؟ لقد اختفى الدلع نهائيًا، عقب
الفحوصات الطبية الأخيرة، التي أكدت بما لا يدع مجالًا لشك أو لإعادة محاولة، أنك عقيم!
- اصمت، اصمت.
هكذا حاول إيقاف
جريان السيل المتدفق على رأسه، لكنه مع الأسف، كان قد استحال إلى طوفان.
- حينها سألتها:
ما بكِ؟ جاوبتكَ: الحيض، وخشيت تكديرك. قمت عنها مستغفرًا، احتضنتها، ولم تنبس
بكلمة، ولا هي، المرات القليلة التي أعقبت، كان الدلع غائبًا أيضًا، ولم يكن ثمّة
حيض حينها، ذلكم آخر حضن، وتلكم آخر المضاجعات. لماذا زَهِدتْ المضاجعة؟ خبّرني!
زاغت عيناه في
محجرها، اتسعت الحدقة مع استعادة تفاصيل كل ذكرى سُكبت عليه بالتدريج، صار تنفسه لُهاثًا،
خفق نبضه في جبهته، تحوّل النبض إلى مطارق متواليات لا تُحتمل، أجبرته على إسناد مقدمة
رأسه بكفيّه، مغلفًا بهما كامل وجهه المستدير.
في اللحظة التي أغلق
فيها عينيه خِلسة من خلف الكفّين، بُوغت بالمزيد:
- ماذا لو علمت
بحالك الجديد؟ أشك أنها ستسطيع معك صبرًا! المواجهة هذه المرة على جبهتين يا صديقي،
ليست واحدة كما سلف، إن استطعت الإحالة إلى المشيئة الإلهية في الأولى، فبما ستفعل
في الثانية؟! الثانية، الجديدة، لا معيشة معروف تنفعها، إنها بئر بلا قرار، ستسقط
فيه وحدك.
ألسعت ظهره سياط التخيّل،
كانت كل كلمة تخرج من فَمّ صوته الداخلي، ترسم أمام مخيّلته، بتفاصيل مقيتة، صورًا
مُسترجعة بوضوح من واقع مُرّ، وأخرى، لا تقل وضوحًا، ولا مرارة، لمستقبل آت، انبرى
يضع حدًا للسجال؛ بضخ حرارة جوفه في صراخ مهيب، انكتم الصوت، وتسللت السخونة في كَنَف
الزفير، ورغم تسللها، لم يهدأ غليان دماغه، بل تأجج أكثر فأكثر؛ فقد امتلك محاوِرَه
الخفيّ طرفيّ الحديث، شرع يسأل ويجيب، يتكلم ويعقب، وهو عاجز عن مجرد النطق.
فار تنوره لما
سمعه يقول باستهزاء واضح:
- عوَّضتَ العقم
بالكرم، بوركت، لكن ها هو الكرم، العِوَض، في مهب الريح؛ فكيف هي الآن؟ لقد أحسنتَ
الظن في تيبّس نشوتها بالمرات الأخيرة لفقدان الرجا في الخَلَف، فماذا عن تحجّر مشاعرها
طوال الأسابيع الثلاثة الماضية، وهي تَراك متوترًا ومقفهرًا، بدون أن تكلّف نفسها
سؤالك عما يجرى؟ بل تتركك للشتات والأرق وتخرج، إلى دوامها الرسميّ، إلى أمها، إلى
صاحبتها، وكأنك سَعَفة جافة في صحراء، صمت ولا مبالاة وإهمال، أهذا ما أكرمَتكَ به؟!
إن في الأمر إنّ يا صديقي، فيه استكفاء، استغناء، يبدو أنّ فيه صديق.
استنكر مشدوهًا،
ولكن ناطقًا هذه المرة:
- صديق!
- نعم صديق، استأثر
مضجعه بالدلع الخجول، بعد هروبه من مضجعك، نفخ في الحب من روحه، بعدما وسَّدته حيواناتك
المجهريّة في قبر. إن الأبناء يا صديقي يبثّون الحياة في روح الوَلَه بين الزوجين،
أما عِشرة الرَجُل مقطوع النسل مُعادة المشاهد، منطفأة الاشتياق، وإن ظلّ ذكرًا
عفيًا.
- يا ابن الكلب، اسكت،
اسكت.
- لا تكابر، قِرّ
بالهزيمة يا صديقي، انسحب الآن بكرامة، قبل أن يبلغها سِرّك المستجد؛ فتنسحب عنوة،
ترافقك زفّة مزاهر ودفوف.
- لا، لا، إنها...
إنها...
- إنها ماذا؟ أنتَ
تعي جيدًا أنها لن تصبر مجددًا، هي لم تصبر سابقًا إلا بفضل الكرم، العطايا،
الهدايا، التعويض، والمُرجح أكثر: بفضل الاستعانة بصديق.
عند هذا الحد؛
انسحب المُحاوِر غير المرئي؛ فأصبح هو بشخصه المَرسِل والمُستقبِل في آن؛ كرر بصوت
مسموع مرارًا:
- صديق! من؟
طاف في داخل ذاكرته
البعيدة بسؤال "من" على كل من يعرف، كل من التقياه ولو لمرة واحدة في
حياتهما، كل أهله، أهلها، جيرانهما، أصدقاءه، زملاءها، أصدقاءهما، كان جزءً كبيرًا
من قلبه يموت مع استرجاع أدق تفاصيل موقف جمعهما مع كل أحد تلوح احتمالية - ولو
ضعيفة - كونه هذا الـ "من".
أعاد فحص جُمل الترحيبات
والتهاني والاحتفاءات والاحتفالات، حلّل عبارات التعازي والمواساة، لم يستهين بالكلمات
الطائشة والابتسامات العفوية والإشارات والإيماءات، حتى رفع وخفض الحواجب، غلق وفتح
الجفون، تلوّي الشفاه، دقق في حذافيرهم، ركّز في كيفية استقبال كل أحد لكل فعل صدر
عنها، ولو صغيرًا، ولو عفويًا؛ فأعاد تفكيك الإيحاءات والإحالات في ردود أفعالهم، بما
فيها الساذجة والمستهجِنة، العنيفة والودودة، الصامتة والمجلجِلة.
لم يصل إلى نتيجة؛
فاستشاط غضبه أكثر، صارت الـ "من" بركانًا يقذف إلى قعر عمره حممًا مشتعلة.
انتفض واقفًا من جلسته،
قطع أرجاء البيت ذهابًا وعودة، بما فيهم المطبخ والحمام - عدا غرفة النوم -، تجوَّل
بأعلى قدر من السيطرة على سكون الليل، تحرّك على أطراف أصابعه التي نالت نصيبها الكامل
من نزيف القلب. قَلَبَ الوسائد، فتّش في الأدراج، زجَّ أصابعه في أعماق الضلف، نزل
على ركبتيه يشاهد أسفل الكنب، امتطى كرسي السفرة يُعسعس أعالي الثلاجة والنيش والخزائن
الخشب.
ولمّا لم يجده بعد هذا البحث المطوّل، تجرّأ وفتح باب غرفة النوم، في لصوصية محترفة، كاتمًا أنفاسه حتى احمَر صيوانيّ الأذن، استعان في التسلل إلى الداخل ببصيص الضوء القادم من غرفة المكتب المواجهة، تحسس بأصابعه سطح كل قطعة أثاث في المتناول، حرّك الباب الجرّار للدولاب، فأصدر صريرًا خلع قلبه؛ فتوقف عنه واتجه صوب الكومودينو الأول، فتح أدراجه المتتابعة بخفة يد هجّام منازل خبير، ثم الكمودينو الثاني، فاعلًا فيه فعلته بالأول.
خاب بحثه تمامًا،
همّ بالعودة من حيث أتى، حين توسّط حلْق الباب، خطَرَ على عقله البحث أسفل وسائد السرير،
مطّ أصابع اليمنى يستكشف ما تحتها، بدءً من الحافة على يسار النائم، واستمر في
مدّها حتى وصل إلى طرف الوسادة التي تحتضن رأسها، تملَّك منه التوتر في البداية، ثم
تشجّع وأكمل، خبطت أظفاره في جسم ذي أبعاد، كاد يتأوه من فرط إيمانه بأن في الأمر
إنّ، فما الذي يُجبِر زوجة على النوم فوق هاتفها إلا أن تُخفي خافية لا تغتفر؟!
تماسك، وسيطر على
الآه قبل أن تجلجل في فضاء الليل فتوقظها، قبض بأصابعه على المجسم، سحبه إليه ببطء
شديد، حتى فلح في الظفر به كاملًا بين قبضته، وجرى خارجًا.
ركض عائدًا إلى موقعه
خلف المكتب ومخالب الشك تنهش صدره؛ فنسيّ إعادة باب غرفة النوم كما كان محكم الغلق،
واستقر في مقعده بسرعة لم يُلاحظ معها انتهاء قوة رَكْلّ باب الغرفة بكعب قدمه عند
مواربته فقط.
وضع هاتفها
المحمول أمامه، تمامًا على وسط المسافة بين حافة المكتب الملاصقة لبطنه، وحافة اللابتوب
السفلية، أرسلت سبابته شاشة غلق الجهاز إلى المجهول بحركة رأسية من أسفل إلى أعلى،
خيَّرته شاشة الفتح المتكونة، إما البصم في موضع البصمة، أو تعبئة كلمة المرور بداخل
المربع النصيّ المخصص لها.
عَصَرَ الجفنين المغلقين
كوسيلة مساعدة على تذكّر كلمات المرور التي دأبا من قبل على صياغتها سويًا، لاحت له
كلمة سر كانا يعشقان استخدامها معًا: حروف اسمه الإنجليزية، وحروف اسمها
الإنجليزية أيضًا، يلحقهم أرقام تاريخ زواجهما الكاملة، ويفصل بين المقاطع الثلاثة
رمز الشباك، شرع في كتابتها على الفور؛ انفتح الجهاز.
أسند ظهره للوراء،
امتلكته حسرة المؤمن الأليمة التي تعقب اقترافه ذنبًا في غفلة من الإيمان؛ فخرجت
منه وشوشة مستنكِرة:
- لو كانت خائنة لغيّرت
كلمة المرور إلى أخرى مبهمة على الأقل!
رد عليه - بعد
طول سكوت - صوت زاوية عقله المظلمة ردًا مدويًا:
- المهم النفاذ
إلى التطبيقات يا صديقي، لا إلى الجهاز.
أجابه في ذبول:
- معك حق.
نقر على أيقونة
الواتساب؛ فانفتح بلا أي عوائق، أهمله ونقر على أيقونة الماسنجر؛ فانفتح هو الآخر بلا
حواجز أمنية، هرع إلى قائمة التطبيقات، بحث عن أي تطبيق مراسلة آخر، فلم يجد.
تملَّكته قناعة بعِظم
الجُرم الذي يرتكبه ويتمادى فيه، لكنّها سرعان ما تفتت على أثر دَق يثقب رأسه بصدى
يردد:
- الإيميل.
استجاب بدون
تفكير، نقر على الأيقونة؛ فانفتح كما سابقيه.
هو الآن ذاهلًا،
لكنه على أية حال، استبشر.
لا إراديًا؛ ضغط إبهامه
على صورة الحساب الجانبية، انسدلت نافذة، علِمَ منها وجود عنوان إيميل ثانٍ، مكون من
حروف اسمها الإنجليزية، يلاصق الحرف الأخير أرقام تاريخ ميلادها كاملةً، ولكن
بترتيب معكوس عن الإيميل الأصلي، فهي هنا مُرتّبة: سنة شهر يوم، ويفصل رمز النقطة لا
رمز الشباك، بين المقاطع، وبين الرقم والرقم.
نقر على عنوان
البريد الإضافي هذا، أُعيد تحميل الصفحة تلقائيًا؛ ليلج إلى جديدة تطالبه بإدخال كلمة
مرور. دَبَّ قدمه اليمنى في الأرض بعصبية، وهو يسأل نفسه باستنكار: لماذا تسجيل
الخروج منه إلا لو كان يحوي أدلة إدانة؟!
في نفس الوقت؛ عاوده
صداه الداخلي مُرددًا:
- اقتربنا.
ادخل كلمة السر ذاتها،
بلا فائدة، حوّرها بتقديم وتأخير بعض مكوناتها من الحروف والأرقام والرموز، وأيضًا
لم يُحرز تقدمًا، لم يُعِد المحاولة ثالثًا، بل استسهل إنشاء كلمة مرور جديدة
بالنقر على "هل نسيت كلمة المرور؟"، بالتأكيد سيتاح له طلب رموز أمان في
رسالة نصّية على رقم الهاتف المُسجَّل، والذي هو بالضرورة رقم هاتفها الذي أمامه الآن.
تهاوت خطته بمجرد
أن انتهى الموقع من تحميل الصفحة المخصصة لهذا الاجراء، حين دقق النظر فيما تعرضه،
صُعق بما رآه.
الأرقام الثلاثة
الظاهرة في مؤخرة النجوم التي تُعمّي رقم هاتف توثيق الأكونت، تؤكد على أن التوثيق
تمّ برقم محمول يجهله، إنها بالتأكيد أرقام شريحة اتصال جديدة، اشترتها وأخفتها
عنه.
خنق ضلوعه تريّث ثقيل،
همدت حركته حدّ الشلل، حدّق بصمت في الأرقام الثلاثة طويلًا، رجا انتصار الضعف
البشري على الحقيقة الثابتة أمامه، لعلها أبلغته بالرقم الجديد وحفظه ضمن جهات الاتصال
في هاتفه ونسي، أمسك هاتفه، كتب الأرقام الثلاثة في خانة البحث، لكنّ اللاشئ كان
النتيجة النهائية، والشك في خيانتها، صار قاب قوسين من أن يصبح يقينًا مثبتًا
بالدليل.
تفلتت أعصابه من
تحت سيطرته، انفجر حتى انتفخ وجهه الأسمر واحْمَر، تابع في سبّ الهواتف والحواسيب
والانترنت بأقذع السِباب، احتدت نبرته أكثر وهو يُسمي بالعامية عورة أُم العقم وأُم
شركات القطاع الخاص، ولم يزل صوته يرتفع أكثر وأكثر، لا إراديًا، مع هياجه المتصاعد
دخانًا خانقًا، وهو يستفيض في إهانة كل شركة فندقة راسلها ولم ترد.
لا شعوريًا؛ بدأ يدق
رأسه بكفّيه العريضين، في عصبية لم يعهدها ابن الأوتيلات الخمس نجوم، المُدرّب على
امتلاك زمامه مهما انفعل، انتفض من مقعده واقفًا، صرخ في شاشة الهاتف المحمول:
- ماذا يعني
هذا؟! خيانة؟! بعد كل هذا وتخون؟! أنا أُخان! أنا! منذ متى؟
حوَّل بصره إلى شاشة
اللابتوب، مُزيدًا في تأججه وصراخه:
- ماذا عليّ أن
أفعل؟! لقد أوشكت على الهلاك، حصيلتي النقدية الصغيرة قاربت النفاد، وأنا لا أجرؤ
على مصارحة أحد بأني عاطل! لمْ أُصارحها وتخونني! فماذا لو صرَّحت؟!
قهرت الدموع
عينيه؛ فانهمرت بغزارة خارجة عن الاحتواء، واقتحم أنفه سيلان مُخذي يصعب إيقافه.
لم يخفت صراخه، ولكنه
تهدّج بفعل اضطراب التنفس وارتجافه:
- ماذا أقول؟! أي
مصيبة أولى بالعلاج الآن؟ أقول أنني مجبر على إجازة بدون راتب لأجل غير معلوم؟! أم
أنني زوج مغفل؟ أن إيميلًا قذرًا قذارة الرأسمالية فرض عليّ المعاش المبكر بمؤشرات
سوق حقيرة وحجج قانونية وقحة؟ أم استغل التفرغ وأراقب الخائنة؟ أن الإرهابيين تواطئوا
على مصدر رزقي بتفجير طائرة المورد السياحي الأول لبلادنا؛ فانكفأ السيّاح على إلغاء
الحجوزات بالجملة والقطاعي؟ أم اتكتّم حتى اقبض عليها متلبِّسة بزنى، وساعتها لن
تجرؤ على المعايرة أو فرض الشروط؟!
- عقيم وعاطل، والآن
مُخان... ما أرجلك!
مرّرها وجدانه
إلى مِلء مسامعه؛ فانتحب نحيبًا مؤلمًا.
خارت قوته عن إيقاف
النحيب، وعن اعتراض الرعشة المتنقّلة بعنف من طرف إلى آخر، مما أجبره قسرًا على الارتماء
في حضن المقعد من التعب، استمر على حالته هذه نحو ربع الساعة.
في أثناءها؛ لم يلتقط
أنفاسه من ترديد:
- عقيم وعاطل،
والآن مُخان... ما أرجلك!
****
انتبه على وقع كفّ
مُنمنم يربت على كتفه الأيسر، يزامنه أنفاس حارة تتدفق صوب أُذنه اليسرى، تحمل وشوشة
خفيضة بكلمات مشوّشة، احتاج إلى لحظات حتى استبانها:
- لا يهمك، أنا بجوارك، نحن معًا.
التفت إلى مصدر
الصوت بكامل المقعد الدوار، فسقطت أرضًا على ركبتيها في حركة خاطفة، أمامه تمامًا،
وبين فخذيه، احتضنت بكلتا يديها الصغيرتين كفّيه الكبيرين، ثم أعادت حرفيًا ما
قالت، ولكن هذه المرة بصوت أعلى ونبرة أحنّ.
على حنوّها؛ لم تؤثر
أبدًا في تخفيف وضوح ملامح العِتاب المُكتسي بها وجهها.
سحب كفّه الأيمن
من حضن كفّيها، مرره ببطء على شعرها الناعم القصير، ثم عقد بحركة دائرية خصلات منه
على سبابته، وكان يردد في أعماقه:
- معقول أنتِ
خائنة؟!
في هذه الأثناء
كانت الرؤية تتكشف ببطء من وراء غبش الدموع، لمّا استبان كامل ملامحها، تنهد بضجر ساخن،
واستعد للصدح بما يتردد في أعماقه، لكنه قُهر بحنان نظرتها؛ فهرب من الإعلان عما
يختلج نفسه، ومن حنانها، بقول:
- الانتظار مروع
يا "هاجر"، ولا أملك سواه.
ربتت بيدها
اليسرى، المحررة، على فخذه، ابتسمت بخجل يحجز خلفه مُعاتبة مستعدة أمام زِناد قلبها
للخروج صوب سودة قلبه لتقتله، بيد أنها نزعت إبر الضرب بالتحايل، فأُسِرت المعاتبة
في ماسورة الإطلاق، فتأجَّل خروجها، وتأجّلت المقتلة، فقط عقّبت على قوله بقولها:
- لأنك تنتظر.
كَستْ دهشة كبيرة
وجهه، هو متأكد أنها سمعت اتهامها بكل حواسها، إنه ينتظر منها مبادرة، أو على
الأرجح مرافعة دفاع، تُلقيها إلقاءً مزلزلًا وحاسم العبارات، لكنها أمامه تبتسم، غير
منشغله سوى بالتعقيب على كلامه دون أن تزيد.
كررت ما قالت بالحرف،
مع إبتسامة أكثر ثقة:
- لأنك تنتظر.
أطبقت عليهما
ثوانٍ صامتة، أردفت بعدها:
- لأنك سلَّمت
نفسك للأيام.
- لا أفهم ماذا
تقصدين؟
- الخوف قرين
الانتظار يا "إبراهيم". طالما تنتظر ستظل خائفًا؛ لأن يقينك الراسخ يُنبئك:
الانتظار كاذب الوعود عادةً.
- إنه خياري
الوحيد.
- للأسف! لم تُدقق
خياراتك هذه المرة، خانك استنباط نتائج مبنية على مقدمات، وأنت ابن المنطق، وابن التفكير
العقلانيّ، الذي لا يعترف إلا بسطوة الأدلة والأرقام.
- أنا أفعل ما
بوسعي.
- وماذا تنتظر من
شركات نفس القطاع، والقطاع كله ينهار على مذبح الأحداث، بدون ذنب من أُناسه؟!
- وهل أملك
بديلًا؟!
- بالتأكيد؛ تملك
الكثير... تملك هذا (قالتها وهي تشير بسبابتها اليسرى إلى جانب جبهتها الدقيقة).
أشاح بوجهه عنها،
ركز نظره على ساعة الحائط المعطّلة، كأنه مُدعي يقرأ رول جلسات محكمة؛ ليعرف ميعاد
جلسة مرافعة المدعى عليه، إنها متهمة في جريمة خيانة، ولا يشغلها! تكتفي بالتحدث
نقلًا عن الكتابات المنمقة في كتب التنمية البشرية، لطالما وصف هذه الكتب بالسخيفة
والمستفزة، لا يعتبرها إلا تُرهات مُصاغة باحترافية، أوهام معبأة في أغلفة بديعة
بغرض نفض جيوب الزبائن ليس إلا.
قرأ ذكاؤها كل ما
لم يُعرب عنه؛ فنهضت من جلستها الأرضية في لمحة خاطفة، وما إن استقام عودها حتى نفّذتْ
عدة نقرات متتالية بزر الماوس الأيسر في حاسوبه الكائن على المكتب.
صوت تكتكات الفأرة
ولوحة المفاتيح أجبرته على العودة من شروده للمتابعة.
فتحت صفحة تسجيل
دخول إلى إيميل، كتبت بخفة وسرعة، عنوانًا وكلمة مرور، كلٌ في مربع النص المخصص له،
كان ذاته عنوان البريد الإضافي، الغامض عليه، والموثّق برقم هاتف مجهول عنده، سريعًا؛
حمّلت صفحة صندوق الوارد محتواها، أهملتها واتجهت للنقر على صندوق الرسائل الصادرة.
أفرز جسده كميات رهيبة
من الإدرينالين.
فور اكتمال تحميل
محتوى الصندوق، رفعت يدها بعيدًا عن اللابتوب، واستعدلت جذعها المائل للأمام، أفسحتْ
لحرية القراءة وسهولة التصفّح المجال.
ثم توجهت مُسرعة صوب
خزانة خشب علوية، اعتاد حفظ مستنداته الشخصية فيها، فتحتها، تحسست ملفاتها الثلاثة
الملونة: الأزرق والأخضر والأحمر، جنَّبت الحافظتين الزرقاء والحمراء جانبًا، فمحتواهما
من الأوراق لا يبلغون بها مرادها، التقطت الحافظة الخضراء واستدارت إليه.
كان قد تنقل بين
بضع رسالة صادرة، بترتيب المعروض أمامه، طالع المفيد فقط في كل واحدة منهم: المرسل
إليه، الفقرات المسبوقة بـ "لذا نرجو من سيادتكم..."، والمتبوعة بـ "في
انتظار ردكم الكريم"، وأخيرا أسماء الملفات المُرفَقة.
سحبته من تركيزه بحركة
استعراضية، ألقت خلالها الحافظة الخضراء بقوة، من يدها على سطح المكتب الخشبي غير
العريض الفاصل بينهما؛ فاصطكت به مُصدِرةً صوتًا مدويًا.
استجمعت قواها في
لحظة. قالت بعدها:
- الأحمر
للمستندات الأكاديمية والمهنية الرسمية، في كامل المسيرة، بينما الأزرق لمستندات
التكريمات والتقديرات، الوظيفية أيضًا، كلاهما عديم الفائدة في ظروف كهذه.
كان قد أجبره صوت
الاصطكاك على تقليب بصره بينها وبين الحافظة، لم تشي تعبيرات وجهه بأنه قد فهم بجلاء
محتوى الإيميلات المرسلة، لا يزال يستعصي عليه تفسيره. لم تُعقّب أو تشرح، بل أكملت
ما انتوته، مدّت سبابتها اليُمنى مشيرةً تجاه الحافظة على المكتب؛ فركّز بصره
عليهما، الحافظة والسبابة.
بصوت جهوري قالت:
- أما هذه؛ فالمنقذ
يا زوجيّ العزيز.
زادت حماستها حين
بدأت تقليب محتويات الحافظة، ومع كل وثيقة كانت تضع وصفًا مختصرًا وشاملًا لمحتواها،
تبدأه دومًا بكلمة انظر:
- انظر المركز الأول
في القصة القصيرة للعام الجامعي... انظر المركز الثاني في القصة القصيرة بأسبوع
شباب الجامعات... انظر شهادة الفوز بالمركز الأول في مسابقة عرض الكتاب من قصر
الثقافة... انظر... انظر... انظر...
لم تفتر أو تخبو نبرتها
أبدًا مع وصف أي مستند في الملف. في الحقيقة كانت الحماسة المتأججة في الوصف تعبيرها
اللائق عن انبهارها بمستندات هذه الحافظة منذ صباحية زفافها؛ لذا لم تختفي لمعة
عينيها مهما اختلف فحوى الورقة التي تصفها، فوز، إشادة، تقدير، تكريم...
سكتت لحظات، تفحَّصت
خلالها أثر أداءها الاستعراضي على وجهه، ثم مشت بتؤدة عائدة إلى خلف المكتب حيث
يجلس هو، عاودت البروك على الأرض، بين قدميه تمامًا، علّقت بصرها بوجهه، ثم قالت في
أمومة متكاملة الأحاسيس:
- هكذا كنت وبقيت
حتى نهاية سنة زواجنا الثالثة؛ فلماذا توقفت؟!
رفرفت أمومتها فوق
روحه الملتهبة، ظللتها بغمامة وَقَتْها - ووقَتْه - حرّ الشك والخوف، حَمَتْها - وحَمَتْه
- من صهد الانتظار؛ فاستكان اللهيب، وهَامَ بذاكرته في بانوراما صور، لقطات عديدة ومتتابعة
محفورة في الذاكرة، بعضها مكتمل المعالم، والآخر مشوَّش بعض الشئ، لكنها كلها
سعيدة ومبهجة، سَرَت في نفسه رحابة رومانسية افتقدها منذ زمن، استعاد باستعادتها
ابتسامته الصافية القديمة.
بهرتْ الابتسامة القديمة
عينيها، أشعلت عودتها إليه جذوة إصرار في قلبها، بعد أن يأست من رؤيتها مرة أخرى، لقد
مرّت ست سنوات كاملة منذ أن اختفت، وحلّت محلها ابتسامات المجاملات وعِشرة المعروف،
بسرعة التقطت من على المكتب قلمًا، رفعته في مواجهة ناظريه تمامًا، ثم قالت بحدة
الأم الطيبة:
- اقتل الخوف
بهذا، تمرَّد على الانتظار بهذا.
عزم يسأل عن
مراسلاتها، فكفّ، تبدل العزم إلى استجماع كل مهارات التفكير النقدي ومهارات التفاوض،
التي اكتسبهم قارئًا ومديرًا شارف على بلوغ قمة هرم وظيفي في مجاله، حاول لملمة كل
لباقة سلاسل الفنادق العالمية؛ بغرض تكويم الحجج المُفنِّدة في طريق كل محور من محاور
تفكيرها في المستقبل، إلا أنه عجز، باغته ضحك رائق، قطع الطريق على النطق، وظل ما يُخالج
صدره يتعارك مع بعضه البعض في الداخل، بصمت وهدوء، أسانيد تنفي جدارة التجريب، تشج
مغازى بذل أيّ مجهود، على الأقل من الناحية المادية، شغله الشاغل، وأُسّ مشكلته
الأول والأخير الآن، بعدما تنازل العقم عن منصبه كمصيبة كبرى، وبعدما بدا الشك في
سلوكها لا محلًا له من الإعراب.
أدركت المتصارِع في
خلده، ويتخفى خلف القهقهة الناعمة، الآتية من سنة الخِطبة الحالمة، ومن سنوات
الزواج الثلاث الأولى، الحميمية، حتى كفافه عن استيضاح المراسلات أدركته، عزمت
أمرها بألا تُتح له فرصة نِقاش، أوقدت حماستها بنيران أشد ووقود أسرع اشتعالًا؛
فخرجت الكلمات منها سريعة كطلقات مدفع رشاش:
- لن تنتظر ثانيةً
يا صديقي، لا وقت لنضيعه، هيا يا أخ، ابدأ، الآن.
- لكن... (قالها بتردد).
- لا مجال لـ
"لكن" هذه، ستكتب ولن تنظر إلى مال أو جدوى في البدايات، بقدر نظرتك
لهزيمة خوف الانتظار.
- ليس الأمر بهذه
السهولة.
- طبعًا طبعًا، أنت
الآن شِبْه مبتدئ، ولكنك لست عديم موهبة، مُستجد إلى حين، وبعده ستغدو فارسًا غازيًا
في ميدانين: الكتابة والفندقة، وحينها اختر منهما ما شئت.
- الكتابة الحلوة
لا تأتي تحت ضغط.
- ومن قال إنك
مضغوط؟! إدارة المنزل مهتمي، وأنا امرأة عاملة، وأضيف لي مهمة مخاطبة مواقع الصحف
ودور النشر بكتاباتك، وقد شرعت في تحمل المسئولية فعلًا، خصصت للمهمة الإضافية: إيميل
مستقل، ورقم هاتف مخصوص، وسأظل أراسلهم وأراسلهم، ولن أيأس أبدًا.
- أردت أن...
- تعتذر، أعلم
أعلم، لي عليك حق، لا بأس في تأجيله حينًا، لكن عندما اطلبه، سأخذه كاملًا، أضعاف
الأضعاف يا أستاذ.
- احتاج...
- ورقة وقلم
ولابتوب وقهوة، الحمد لله موجود.
- الأول نغلق...
- بابك عليك. دقائق
وستشرب أحلى فنجان قهوة مُعتبر.
- هاجر...
لم تُعِره ردًا، انطلقت
بخطى مُسرعة في اتجاه المطبخ.
لعن شيطانه، وحدّث
نفسه بهمس مُبتسم:
- أنت محقوق يا
أخ، يبدو أنك تجهل عنها الكثير يا أبا خليل، تحتاج للتعرّف على "هاجر" من
أول وجديد.
*** تمت***
الكاتبة والروائية دكتور/ ريم جمعة تُعلن فوز القصة



