كتب: أحمد السملاوي
قلة هم أصحاب المشاريع الأدبية، هؤلاء الذين يملكون
فكراً واضح ينقلونه عبر سرديات ممتعة وخادعة لا تتسم بروح المباشرة، ولا بالنقل
الحرفي لمعطيات الواقع، وإنما إعطاء كل معني ومشهد روحًا مختلفة. والحقيقة الدامغة
التي اكتشفتها خلال الشهور المنصرمة بأن مشروع حماد عليوة الأدبي هو واحد من أهم
المشاريع الأدبية المتواجدة علي الساحة؛ فالعالم الروائي لدى حماد يستلهم حكاياته
من المكان. المكان هو البطل دائماً وأبداً بما يحمله من تاريخ وشخوص ومصائر، وهكذا
يبدأ دوماً حماد عليوة عالمه الروائي باستعراض ذاكرة المكان، ثم غرس شخوصه داخله
في إطار حبكة متماسكة ذات دلالة وعمق لتعرض أنماط من البشر لا ندري عنهم شيء. وداخل
هذا المقال المتواضع نعرض رباعية حماد عليوة الروائية؛ بدءً من روايته الأولي
المنشورة تقريباً في عام ٢٠٠٩ "من أجل البلوند".. وصولاً إلى آخر أعماله
جراج الزمالك الصادرة في معرض القاهرة ٢٠٢٣ عن دار الرواق للنشر والتوزيع.
من أجل البلوند .. عقدة الخواجة وسوءات المجتمع المصري
بحبكة مغايرة لا تعتمد على النمطية أو استلهام مشاهد
روائية قديمة أو مكررة؛ يأخذنا حماد داخل عقل عماد بطل روايته الشاب المصري
المغلوب على أمره، والذي يعاني العذاب كأغلبية شباب مصر، يتعرض عماد لعديد من
الأزمات، سواءً المادية أو العاطفية، ويواجه صعوبة في الحصول على حياة كريمة في
وطنه، وعلى الجانب الآخر يجد أحد رواد الجاليات الأجنبية الذي تجمعه به صداقة وقد
فُتحت أمامه كل أبواب البلاد، الحصول على امتيازات لا يستطيع أصحاب البلد نفسه أن
يحصلوا عليها. يحسم عماد أمره ويقرر ترك حبيبته، ومن ثَمّ البحث عن (بلوند)، أيًا
كانت جنسيتها أو شكلها أو مستواها، في محاولة للانتساب إلى الطبقة الآمنة في مصر.
سردية مخادعة وممتعة ومأساوية تأخذنا وتتنقل بنا عبر علاقات
متعددة ترك فيها عماد حبيبته ثم تنقل عبر أجساد (البلوند) لمحاولة الزواج بإحدهن؛
لضمان حياة آدمية في وطنه لا الهجرة.
عمل روائي أول للكاتب استطاع من خلاله تأسيس عالمه
الروائي، حيث العلاقة اللصيقة بين عالمين مختلفين تماماً.. يحاول البطل الانصهار
داخله بأي طريقة ممكنة.. فهل ينجح؟!
الرواية على مقدار عالى من الاتقان وتحمل متعة وشخصيات
ودراما مختلفة، تطلبت جهد كبيراً من المعايشة والمعاناة من الكاتب؛ لينقل تفاصيل
التجربة كأننا بين أبطالها ونشاركهم مأساتهم وخاصة في الجزء الخاص بشخصية أمنية
محمد -حبيبة عماد السابقة- والتى تأثرت بأفكاره بعد الانفصال المباغت بينهم، مما
دفعها هي أيضاً للبحث عن (بلوند) كبطاقة أمان لها في الوطن. والحقيقة أن الجرأة
التي تتميز بها الرواية والاسقاطات التي تكشف عورات المجتمع وزيف العلاقات وحالة
الفساد الضاربة في جذور البلد هي أشد ما يميز تلك الرواية البديعة، والتي لم يعكر
صفوها سوي أخطاء الطباعة والتنسيق التي لم تلتفت لها دار النشر المسؤول الأول عن
خروج العمل بشكل فني لائق بالجمهور.
الحي الانجليزي .. المزج بين رواية المكان ورواية الشخصيات المتعددة
ثاني أعمال حماد عليوة والتي أكاد أُجزم بأن رواية ضخمة
كتلك تطلبت منه سنوات لكتابتها، ليس فقط لمجهود الكتابة الصعب، وإنما لصعوبة
الاختبار والمأزق الذي وضع الكاتب نفسه فيه؛ فعبر أكثر من ثمانين شخصية رئيسية أو ثانوية
يسرد لنا الكاتب قصة حي المعادي في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، عبر مجتمع
الجالية الأجنبية في المعادي وعالم الخدم والمهمشين، هذه العلاقة التي يتخذها نواة
في تكوين عالمه الروائي عبر سرد ممتع وشيق لا تشعر معه بالملل، يتنقل بنا عبر
الشخصيات بتقنية روائية بديعة في اختيار زاوية حكي الرواية؛ لنستعرض السؤال الأهم
والذي تحاول الرواية الإجابة عليه: الحرية أم لقمة العيش؟!
وفي تلك الرواية نجد أن حماد قد استطاع تفادي أخطاء عمله
الأول، وأصبح قادراً على صنع صوته الروائي الخاص، واختيار لغة مناسبة للنص
والأجواء التاريخية التي تدور فيه، وأصبحت هناك مرونة أكثر في السرد وإحكام تام لمجريات
الأمور في الرواية، خاصةً مع كثرة الشخصيات -كما ذكرت سابقاً- والتي احتاجت من
الكاتب حرفية في رسمها لتكون واقعية، وهو أهم ما يميز أدب حماد عليوة الذي يلتقط
من الحياة والبشر تفاصيل أبطاله في حكايات متشابكة تتقاطع مع بعضها البعض لتقدم
صورة عميقة للمجتمع المصري في عهود سابقة؛ لذلك أعتبر أن رواية الحي الإنجليزي هي
واحدة من أهم روايات المكان، ولا تقل روعة ولا إبداع عن ميرامار للأديب العالمي
نجيب محفوظ أو عمارة يعقوبيان أو نادي السيارات للكاتب الكبير علاء الأسواني.
فلم يشوب الرواية -من وجهة نظري الشخصية- سوي أنها كانت
ضخمة الحجم، وكان يمكن اختزالها في عدد صفحات أقل، مع أنه لم يكن الملل حاضراً في
قراءة الرواية أبداً، بل على العكس؛ فحماد قد اعتمد على الرتم السريع للعمل
والمحافظة علي عناصر التشويق والإثارة.
أغسطس .. حكايات الماضي في حي الضاهر
أما عن روايته الثالثة؛ والتي تعتبر في رأي الشخصي أكثر
أعماله نضجاً؛ فقد اتخذ حماد من حي الضاهر مكاناً جديداً لتدور أحداث رواياته، حيث
الماضي ومتجر سبنسري وحكايات الأجانب فيه، ليتخذ من الكلب أغسطس بطلاً للرواية
جوار الجميلة إليزابيث، والتي يشتد الصراع عليها من اثنين من أبطال الرواية يسعوا
جاهدين إلى الفوز بتلك الأنثى الجميلة، فيتولد صراع طوال الرواية حولها، ونشاهد
معها ماضي المكان وحاضره، الدوافع الخفية التي تحرضها علي البقاء، والدوافع الأخرى
التي تجبرها علي الهجرة.
وسط هذا الصراع النفسي تدور أحداث الرواية بين مجتمع
الطبقة الفقيرة من بقايا اليهود، بسرد هو الأكثر متعة بين كل أعمال حماد عليوة،
وبفكر عميق يفتح لنا الكاتب العوالم الخفية في نفوس أبطاله والرغبات البشرية
المكبوتة بجرأة تؤكد أن الكاتب لا ينتصر إلا للأدب الحي، بعيداً عن سطحية الكتابة
الهامشية أو الأدب التجاري الضحل الذي يعتمد على قصص الرعب الرخيصة المفتعلة، بل
يؤسس لروايته جيداً ويحرص على المعايشة ونقل أجواء وتفاصيل المكان بصورة تفصيلية
وهي واحدة من أهم مميزات قلم حماد.
وفي اعتقادي أن عوامل كثيرة ظلمت هذا العمل ولم تعطيه
القدر الكافي الذي يستحقه من الاحتفاء والتقدير، وأنه من المؤكد سيعاد اكتشاف هذا
النص مرة أخرى، واكتشاف مدي عمقه واشتباكه مع الواقع.
جراج الزمالك .. صراع الطبقات الاجتماعية والانسحاق أمام سلطة المال
في روايته الأخيرة؛ يُكمل حماد مشروعه الروائي الخاص
بذاكرة المكان، ويتنقل بنا عبر شوارع الزمالك والمعادي، وبين بقايا الأجانب الذين
يقطنون تلك الأحياء، وبين مجتمع الخدم باختلاف مهنهم، بدءً بأحمد نصر ونهايته
المأساوية، مروراً بحكايات الأجانب ومعاناتهم الخاصة والتحكم في الطبقة الفقيرة
مقابل فتات الأموال، وتطلعات الطبقة الفقيرة إلى حياة أكثر رحابة، وانسحاقهم في
نفس الوقت أمام لقمة العيش دون اكتراث لأي شيء أو مطالبة بأي حق لهم.
هذا الصراع القائم بين الطبقة الأرستقراطية التي تنبذ
مجتمع الفقراء لكنها تحتاج إليه أغلب الوقت في خدمتها، وطبقة الفقراء التي تكره
طبقة الأغنياء وتلقي اللوم عليها فيما وصلوا إليه. وقد جاءت النهاية متسقة تماماً
مع تلك الرؤية؛ حيث ألقت الطبقة الأرستقراطية بخطاياها على واحد من هؤلاء البسطاء
ليكون هو في النهاية: صاحب الجُرم.
هذه العلاقة نجدها في أغلب روايات حماد عليوة، فهي جزء أصيل من مشروعه، وكأنه بتلك العلاقة يستعرض علاقة أكبر وأهم، ألا وهي علاقة الفرد بالمجتمع والمجتمع بالسلطة، في إطار من الحكايات البعيدة عن الوعظ والخطب الحماسية، ومن خلال حوارات تُعبّر عن أزمات الشخصيات وبيئتهم، وهذا يؤكد علي وجود موهبة أدبية عظيمة ننتظر منها المزيد والمزيد من الأعمال التي تثري هذا المشروع الأدبي المهم.





