البطل الأسطوري الوهمي ونظرة الفخر الحقيقية

البطل الخارق


يمسك بلوحته ويقف أمام باب المطبخ منتظرًا..

يراها تغسل صحنًا يلي الآخر.. ثم يأتي أخيرًا دوره مع آخر الصحون..

تستدير  بحماس  مع كلاماته: انظري هنا..

تلمع عينها عندما تقع على رسمته..

يرى  نظرتها اللامعة أكثر من أيّ صحن مغسول..

"نظرة الفخر" التي انتظرها منذ الصباح، بعد نظرة الخزي عندما أسقط كوب العصير..

نظرة بحث عنها وسط ألوانه ودفاتر رسمه.. جمع مهاراته ليُخرج رسمة تبهر عينيها..

**

لا ننكر أننا بحثنا عن هذه النظرة  في عيون أمهاتنا، وبعد ذلك انتقلت إلى المعلمين في المدرسة، أصدقائنا المقربون، قدوتنا ومثلنا الأعلى.. وأخيرًا شريكنا في الحياة.

لا نبحث بعشوائية، ولا تسمح أعيينا لاستقبال هذه النظرة من أيّ أحد.. هناك شخص قد فضلناه عن الجميع!..

من وجهة نظري؛ تعريف "نظرة الفخر": إشارات من الحب، مخلوطة بدفء فرحة قلب، وأحيانًا يتبعها (حضن) يجمع كل تلك المشاعر..

**

لكن لهذه النظرة عيوب؛ فهي مربوطة بخيطٍ حادٍ له طرف آخر، عنوانه: "يجب ألا أقع في الخطأ".

ويُشبك الخيط بالإبرة؛ فتغرز في العقل أول جريمة ارتكبها الانسان في حق نفسه ؛ "أن أكون مثاليًا".

لن أسمح بارتكاب الأخطاء، يجب أن أُحافظ على هذه النظرة، يجب أن تتوالى الإنجازات، وتُزيّن حياتي الانتصارات..

يحمل حقيبته ليخرج؛ باحثًا عن سراب المثالية.. يدور سؤال في عقله مع دورانات الطرق والمنحدرات: "هل سيتقبل أحد وقوعي من الخيط؟!.. ماذا لو لم أحقق شيئًا هذه المرة؟".

**

الكمال لله وحده.. نُدرك ذلك جيدًا..

ولكن ننساه عندما نرى أيّ شخص يحقق إنجازًا فشلنا في تحقيقه، أو لم تسمح لنا الظروف..

فهناك (ابن الخالة الاسطوري)، الذي تفوق في كل الاختبارات، وسافر إلى الفضاء مرتين، ويملك  نصف ثروة الأرض تقريبًا..

لا ترى أعيننا نواقص الآخرين، ولا يرى الجميع نواقصنا؛ ولذلك نغفل أن هناك الخطأ فيها مسموح..

**

قضيت نصف حياتي خائفة من الوقوع في الخطأ، ارتديت ثوب المثالية المزيف، أخفيت حقيقتي التي تُخطئ.. وتفشل.. تنجح.. وتتبعثر... بعد نظرة خزي واحدة تلتها عبارة: "لم نتوقع منك ذلك".

**

تسرق المثالية إنسانيتك، تُخفي غضبك أحيانًا.. وتُخفي دموعك مرات. تسعى لأن تصير الأفضل.. وفي خيالك مشهد النهاية، عندما يعتلي البطل المسرح ليستلم جائزة عن مجمل أعماله، ويرى والدته وأصدقائه جالسين أمامه، تملأ أعينهم دموع الفرح..

نعم ننسى أن المتعة في الطريق، وليست في الوصول..

في الرحلة الحقيقة نرتدي ثوب (التعلم). نُخطئ.. نتعلم.. ننجح..

نستمتع بضعفنا.. بفشلنا. نعطي للخطأ فرصة ليوصلنا إلى الصواب، نقف في كل محطات الحياة، ونعلم أننا لسنا في صراع لنثبت أننا الأفضل..

وأن نظرة الفخر كان يجب أن تكون موجودة في أعين من نحب، بلا مناسبة.. حتى بلا نجاح..

وأيضًا لا نتغافل عن واجبنا تجاه المقربين منا، أن نمنحهم نظرات فخر مجانية.. حب غير مشروط.. نشكرهم على وجدوهم، نُطمئنهم بتقبلنا عثراتهم قبل  نجاحاتهم. وأننا جزء من هذه الحياة، غير مكتملين، ولن نكتمل.. إلا بعد فوات الأوان..