في فيلم آيس كريم في جليم للفنان عمرو دياب والمخرج خيري
بشارة مشهد سأحاول كتابته كما تلح عليّ مخيلتي أنه مكتوبٌ بهذا الشكل في السيناريو
الذي كتبه الأستاذ مدحت العدل
مشهد
يدخل زرياب إلى غرفة سيف في الجراچ ويصيح:
- وجدتها.. وجدتها يا ولاد الأفاعي.
يجلس زرياب أمام نور وسيف ويلعب على العود.. ويبدأ سيف بالغناء:
- رصيف نمرة خمسة والشارع زحام.. وساكت كلامنا ما لاقي كلام...
زرياب -الذي قام بدوره الفنان علي حسنين- من الشارع، وكان سكنه هو الشارع، وأحيانًا ضيفًا على البارات، بحث نور -الذي قام بدوره الفنان أشرف عبد الباقي- عن زرياب في كل الشوارع، بصحبة سيف -الذي قام بدوره الفنان عمرو دياب-، ولم يذهب إلى مسكنه في رحلة البحث تلك.
كان سيف ونور يتشاركان في جهاز "وكمن"، يستمعان
من خلاله إلى أغاني وطنية وهم يجوبون أزقة وحارات وسط البلد الدفينة.
التقا نور وسيف أول مرة في زنزانة، وظن نور أن سيف مواطن
أسباني، إلى أن قال له سيف: مساء العسل؛ فصاح نور متجولًا ببصره على وجوه صحبة
السجن: مصري يا ولاد. وكأن مساء العسل هي ختم مصري لا يعرفه سوى المصريون.
اشترك كلٌ من سيف ونور في نفس الهدف والطموح، سيف يريد أن
يغني للشارع، ونور يريد أن تصل كلماته وأشعاره إلى ناس الشارع.
في مشهد آخر؛ وبعد نجاح سيف وفرقته؛ حاول المنتج -قام بدوره
الفنان حسين الإمام- أن يُقنع سيف بإنتاج شريط كاسيت له وله فرقته. كتب نور الكلمات،
ولحن زرياب الألحان، وفي أثناء التسجيل يقطع زرياب صوت سيف قائلًا بحدة:
- عايز عنف أكتر من كده.. صرخوا متغنوش.. اهتفوا.. دي غنوة
شارع.
لم يَرق للمنتج كلام زرياب؛ فهاجمه؛ ليرد عليه زرياب بحدة
أحَدّ:
- أنت تسكت خالص، أنت زكيبة فلوس.
بمعنى آخر؛ لا علاقة له بالفن.
استوقفني من ذلك المشهد جملة: غنوة شارع!
ما هي غنوة الشارع؟ وما هو الشارع؟
في فيلم الحريف للمخرج محمد خان، والذي لم يُصوّر مشهد واحد
منه في استديو، بل جاب الفنان عادل إمام شوارع القاهرة في هذا الفيلم، تحت ستار من
موسيقى الفنان العبقري هاني شنودة. موسيقى هذا الفيلم غنى عليها الفنان صلاح جاهين
كلماته: الشوارع حواديت، لا يمكن أن تستمع إلى هذه الأغنية ولا يتملكك شعور بالتيه،
حتى صلاح جاهين نفسه كلماته تعبر عن هذا الشعور ببراعة، فمثلًا وصفه للشارع بعدما مرت
علينا السنين وأصبحنا نحن الأطفال شباب بينما شاب الشارع:
- الشارع ده كنا ساكنين فيه زمان، كل يوم بيضيق زيادة عما
كان، أصبح الآن بعد ما كبرنا عليه، زي بطن الأم ملناش فيه مكان.
أي بلاغة هي أقوى من ذلك التشبيه! بطن الأم التي نحن منها،
ولكنها لم تعد مسكننا بعدما لفظتنا إلى هذه الحياة. الشارع أيضًا لفظنا إلى التجربة؛
فإن كانت بطن الأم هي باب الشقة، فالشارع هو بوابة الدار، التي ما إن فُتحت سمعنا الضجيج،
وتنفسنا التراب، وتعثرنا في الحُفر.
الشارع هو الشاهد الأكبر على قصتنا الصغرى التي نكتبها بأفعالنا،
وكما قال جاهين:
- الشارع ده روحنا فيه المدرسة، إللي باقي منه باقي وإللى
مش باقي اتنسى، كنسوه الكناسين بالمكنسة..
الشارع ده أوله بساتين وآخره حيطة سد.. هي دي قصة غرام محكتش
عنها لأي حد.. من طرف واحد.. وكنت سعيد أوي.. حتى حراس الشوارع حطوا للحدوتة حد.
الشارع ده شوفتك إنتي ماشية فيه.. لابسة چيب وبلوزة وردي..
وعاملة ديل حصان وجيه.. اتجاهك اتجاهي.. مشينا ليه؟
الشارع ده زحام وتيه.. بس لازم نستميت.
هذه هي الحياة.. شارع كبير نسير فيه، أوله بساتين وآخره حيطة سد، عالم من التيه، نقاومه بأن نستميت، نحب لنحيا فيه، حتى وإن كان من طرف واحد، حتى وإن كان من طرفين.. وخُذلنا! فيكون الحال بإنك تنسى الحب، وتقول لنفسك بهدوء:
- خاصمت الشوارع.. خاصمت البيوت.. وكل الحاجات إللي كانت
تفوت علينا سوا.. طويلة السكة.. وإنتي بعيد.. بدور في الزحام على إيد..
خصامك للشارع هو ما يزعج عن خصام البشر. خصام البشر يُمكن
أن ينقضي وينتهي، بيتما الشارع يُعاقب، لا يسامح بسهولة، كما كان يعاني مدحت صالح من
هذا العقاب:
- عشان كان المطر صاحبك.. بيجي معاكي ويصاحبك.. حزينة الأرض
من بعدك.. ومن يومها المطر في سكوت..
بعد التمعن والنظر إلى الأمور بعين ثالثة؛ عرفتُ معنى أغنية
الشارع.
أغنيه الشارع: هي تلك التي لا يمكن أن تستمع إليها في المنزل،
وإذا ما سمعتها تشعر بما أنت فيه من تيه، تشعر بضجيج، صخب، شارع يموج فيها، حتى ولو
كانت أغنية هادئة.
عرفتُ أن الشارع هو قصتك التي تغزلها بنفسك، العين التي تراقبك..
وإن أصبحت ابن شارع فأنت الابن الشرعي والحقيقي للأرض.
وفي الختام؛ لا يوجد أجمل مما كتبت أمنية جاهين وقالته سعاد
حسني:
- فيه ناس بتلعب كورة في الشارع.. وناس بتمشي تغني.. تاخد صورة في الشارع.. فيه ناس بتشتم بعض.. تضرب بعض.. تقتل بعض.. في الشارع.. فيه ناس تنام ع الأرض في الشارع.. وناس تببيع العرض في الشارع.. وفي الشارع.. أخطاء كتير صبحت صحيحة.. لكن صحيح حتكون فضيحة.. لو يوم نسينا.. وبوسنا بعض في الشارع..


