البهي الطاهر ... من يكتب لا يموت؛ سيبقي بهاء طاهر دومًا وأبدًا

الأديب بهاء طاهر


لا يستلزم الأمر أن تكون قريبًا منه لتشاهد ذلك الحزن الدفين داخله، يكفي أن تكون يومًا قد قرأت له أيًا من أعماله، ورغم حرصه على ألا يمزج سيرته الذاتية بإبداعه، لكن نفسه -كل نفسه- تجده سكبها بين أسطر رواياته.

ولد هناك؛ في الجنوب، بين سبعة أطفال كانوا يجتمعون حول الأم التي تقصّ عليهم حكايات وقصص التراث الشعبي، فمن ذلك المنفذ، ومن خلال تلك الأم، دخل دنيا الحكايات؛ ليروي ويُسطِّر حكايات لا تموت.. حكايات تجوب العالم بكل اللغات.

يتعامل مع الكتابة على أنها الحياة الحقيقية، وما دون ذلك كذبة. علَّمه الأب الأزهريّ، والذي مات وهو يقرأ - علّمه حب القراءة؛ فتعلّقت روحه قبل بدنه بالكتب، بالأوراق؛ فلم يكن غريبًا أن يُفتش في ثنايا التاريخ -وهو طفل صغير- ليكون آرائه الخاصة، ثم يُعلنها أيًا كانت.

وتمر السنين؛ فيدرس التاريخ الذي أحبه، ويمزج أدبه الخاص بحكايات التاريخ، مستلهمًا من الماضي حكاياته الممتدة إلى الحاضر والمستقبل؛ فيُشكِّل بلغة شاعرية فريدة، لغة تخصه وحده، روائع أدبية، قد تبدو سهلة حد الخداع، لكنها السهل الممتنع، المُستعصي، المُهلك. مهلكه هو.. نفسًا وروحًا.. حتي كتبها.

من مجموعته الأولى حتي روايته الأخيرة "واحة الغروب" مسيرة طويلة، عظيمة، من الإبداع، نصف قرن من الإخلاص للكتابة فقط، لم يغزُر إنتاجه الأدبي خلال تلك السنين الخمسين، ولكن ما خطّ حرفًا إلا وبقى، ما كتب أدبًا إلا ليخلد.. لن يموت أبدًا.

اكتشفته صدفةً؛ فكان نافذتي للطلّ من قريتي الصغيرة القابعة في حضن الدلتا على كل العالم، كنت طفلًا لم يتجاوز العاشرة، حرصت جدّته العجوز، القاطنة في القاهرة الكبرى على مقربة من معرض الكتاب، على أن تقتني الكتب، للأب أولًا الذي يهوى القراءة، ومن ثَم للطفل الحفيد. وقعت بين يديّ -مصادفة- بين تلك الكتب روايته: "الحب في المنفي"، لم يكن قد تشكّل وَعْي بعد بالقدر الكافي لفهم مغزى الرواية، بل وجدت صعوبة في قراءتها، لكنها جذبتني بقوة، أوقعتني في براثنها، ولم أفتأ أنفك عنها إلا بعد أن أنهيتها، فكاك استغرق حدوثه أسابيع معدودة.

فرح الأب -الناصريّ- فرحة كانت أكبر من كل توقعاتي؛ فظل يقرأ عليّا فقرات طويلة من الرواية، جاهد لكي يشرحها لي، يُبسِّط أفكارها الفلسفية؛ فانفتحت من ها هنا نافذتي على العالم، عالم المعرفة.

خلال سنوات المراهقة؛ حين دخلت عالم بهاء طاهر الروائي؛ امتلكتني كل أعماله، خاصةً رائعته "أنا الملك جئت"، لا زلت أحفظ عن ظهر قلب بعضًا من فقراتها، أرددها في نفسي بين حين وآخر. هذه العوالم التي يصنعها بهاء طاهر من الخيال، كانت شديدة الواقعية، شغلته كثيرًا فكرة العلاقة بين الشرق والغرب؛ فتحدث عنها بطريقته هو، وعلى الرغم من كل ما سبقه من تجارب متعددة لتحليل وتفنيد هذه العلاقة، إلا أنه تميز عنهم جميعًا، بمن في ذلك: توفيق الحكيم في "عصفور من الشرق"، والطيب صالح في "موسم الهجرة إلي الشمال". تميزه وتفوقه عليهم نواتج حياديته الفائقة وهو يكتب عن هذه العلاقة الغريبة، فلم ينحاز لطرف على حساب الآخر كما توفيق الحكيم، ولم يبدو مشتتًا تائهًا بين الحضارتين كالطيب صالح، وهنا تكمن عظمة بهاء طاهر الأديب، وبهاء طاهر الإنسان.

ناهيك عن مواقفه الثورية المُعلِنة دومًا لانتمائه وانحيازه لطبقات الكادحين، منذ مشاركته في تأسيس حركة كفاية مع لفيف كبير من المثقفين، ونزوله بصحبة الأفواج الأولى من الشباب إلى ميدان التحرير إبان ثورة يناير... حتى مواقفه الصريحة من حكم الجماعة ومن ثورة يونيو.

الكثير في حياة بهاء طاهر الأديب الشجي يؤكد على أن إخلاصه للكتابة كان سببًا وحجر زاوية في أن أخلصت الكتابة له.. أنصفته.

أنا من هؤلاء الذين يفخرون ويدينون بالفضل لبهاء طاهر؛ لأنه شكل وعيهم، وكان عينًا أرى بها العالم.. بحزنه وشجنه.