حسن الخطيب وقراءة في كتاب السرد الفلسفي (تجاذبات قولية بين الغزالي والسهروردي، حكايات
عقلية من أفلاطون إلي الطباطبائي) لـ/ عبداللطيف الحرز
ارتباكات الكتابة بين الاستدلال والتخيل
في هذا الكتاب يحاول عبداللطيف الحرز الكشف عن وجه آخر للفلسفة،
وجه مغاير عن وجه الإستدلال والبرهان، وجه غارق في السرد والحكاية والبلاغة والمجاز.
ولأن الفلسفة دائمًا ما تُظهر نفسها باعتبارها البناء الصارم الذي يتطابق فيه المعقول
مع الموجود، فهذا ما جعلها تبتعد كثيرًا عن مشاغبات الشعر وصخب الخطابة وكل قصة وحكاية
ومجاز وبلاغة، وعلى الرغم من أن الفلسفة هي جزء من الأدب كما إنها جزء من التاريخ إلا
إنه كل اقتراب منهما يعتبر محسوب على عدم الدقة النظرية والابتعاد عن الحقيقة، وهذا
ما يفسر لنا تمسك الفلاسفة بلا زمانية الوجود، لأن هذا بدوره يقصي السرد والحكاية من
الفلسفة.. وهذه مغالطات كبيرة، فحتى لو ثبت لا زماني الوجود فهذا لا يعني لازمانية
الفلسفة، لأن الفلسفة هي مجموعة تصوراتنا -نحن- عن الوجود، وبهذا فهي جزء من تاريخ
شخصي وسردي لمجموعة من الناس.. وبناءًا على هذا يقدم لنا عبداللطيف الحرز في كتابه
"السرد الفلسفي" الوجه الآخر من الفلسفة الذي تمتزج فيه الحكاية والبرهان
ويكتمل فيه العقل مع السرد، وذلك عبر المتكلمين في الحضارات القديمة والمسيحية والإسلام.
جارية الرومي وحورية الطباطبائي
لو حاولنا في مقاربة وبحث للدرس فلسفي كمنطوق برهاني سنجد
أنه يخفي مسكوتًا سرديًا، وهذا ما يتحقق هنا في القصة المعروفة (الملك والجارية) التي
صاغها جلال الدين الرومي والتي مفادها، أن ملكًا قابل جارية فاتنة الجمال واختفت فبحث
عنها ولم يجدها حتى مرض وأصبح معذبًا بحبها يطوف على الأطباء ولم يجد طبيبًا يشفيه،
هذه القصة أصبحت كقنينة يتناقلها الفلاسفة من جيل إلى آخر، فيحكيها ابن سينا والطوسي
وابن الطفيل والسهروردي وفريد الدين العطار
والطباطبائي، كل منهم يظهر وجه العملة الفلسفية المغاير للبرهان بالخيال والعاطفة
قاصدًا الجمال الحقيقي للمعرفة والكشف. فما يحكى عن الإمام الطبطبائي بأنه قد رأى حورية
من الجنة بجانبه، ليست سوى نفس القصة ذاتها، ذلك التجلي الذي شاهده الملك في حورية
جلال الدين الرومي.. إذا للفلسفة زاوية أخرى وجانب سردي حكواتي.
الغزالي فلسفة الحجّام وعسل الاستعارة
إن فلسفة الغزالي كثيرًا ما تظهر الجانب السردي مع الإستدلال
البرهاني، فيخبرنا في دمج بين الحكاية والتنظير الفلسفي عن بداياته وبطولاته ومغامراته
في هذا المسلك العلمي الصعب الملئ بالخصوم والهجوم والتحولات حتى الوصول من الشك إلى
الإيمان والحقيقة الفلسفية، وهذه الرحلة الشاقة تكشف لنا عن شخصية لا تسكن ولا تمل
من طلب العلم، وهذا العمل الدؤوب يكشف لنا أيضا عن روح مضطربة كثيرة القلق، فنجده يندم
عن الخوض في علم الكلام والقيل والقال، كذلك في هجومه على الفلسفة هو إسقاط عن تجربته
غير المريحة مع الفلسفة.. من هذه التحولات تظهر الإستعارة والتمثيل في حكي وسرد الرحلة
الشاقة والتجربة العاطفية القوية في الإيمان والكشف. أيضًا تكشف لنا عن تأثير الحجّام
(الملك) والسياسية في تنقله من بلد إلي بلد والابتعاد عن الصدام والمخالفة.
التواصل السردي من ابن الطفيل والسهروردي إلى العطار وابن سينا
إن التراث السردي بين الفلاسفة ملئ بالحكايات، فنجد مثلًا
قصة ابن الطفيل التي تحكي عن طفل(حي بن قيظان)، ولد في الطبيعة وتعلم من الحيوانات
حتى كبر وتكونت لديه صورة عن الحياة والموت والإله.. هذا النوع من الحكايات تناقله
فلاسفة مثل: ابن سينا والطوسي والطبطبائي في الإشارة إلى الكشف والعرفان والعقبات الموجودة
في هذا الطريق، هذا مسلك قد تحرر فيه الفيلسوف من قيد المقولات الفكرية إلى البوح العاطفي
المفعم بالخيال، يلجأ إليه كثيرًا عندما يصل إلى الحكمة المتعالية، والتي من شأنها
لا تصلح للعوام ولن يفهمها الناس لذلك تكون مليئة بالرمز والمجاز، فنجد طور الإنعزال
والإحجام عن الكتابة يأخذ حيزًا مهمًا في كتاباتهم وسردهم.
الشيرازي والعودة إلى كهف افلاطون
يعتبر محمد بن إبراهيم الشيرازي الملقب بـ (ملا صدرا) أو
(صدر المتأهلين) هو البوتقة التي جمعت كل الفلاسفة السابقين، فهو امتداد ومكمل لفلسفة
الغزالي وابن عربي وشيخ الإشراق السهروردي، وهو من أثبت خطأ مقولة موت الفلسفة بعد
ابن رشد، حيث استمرار الدرس الفلسفي في الفضاء الشيعي والإيراني يرجع في الأصل لفضل
فلسفته وشاريحيها من بعده.
تكمن الصدمة الأولى في حياة الشيرازي من خلال إعلانه عن مذهبه
بأصالة الوجود عن الماهية، موجهًا نقدًا للسائد حينذاك من شراح ابن سينا الذين يقولون
بأصالة الماهية، لينتهي به الحال مطرودًا من مدينته "قم" ليعيش في كهف على
ضواحي المدينة.
ويتطرق للبلاغة والشعر في تأكيده على أن العلم الحصولي الغيبي
يعتمد على معرفة المجهول التصوري والتصديقي، وبالتالي لا يمكن الوصول إلى الوجود في
العلم الحصولي حيث لا يمكن إقامة البرهان على مجهول، وأن العقل هنا وظيفته الوصول لا
الإنتاج المعرفي وهو بذلك إيصال ناقص يحتاج إلى نوع من أنواع الكشف، ومن خلال حديثه
عن الكشف تنفجر عاطفة الضيق من الجمهور والهجوم عليه بسيرة ذاتية، ولجوءه للخيال والتصور
في محاججة الخصوم.. وكثيرًا ما يتشابه مع الغزالي في دمج السيرة الذاتية مع الوجدان
الصوفي، وكذلك بقوله بأصالة الماهية ثم الرجوع والتوبة بعد ممارسات ونوع من أنواع الكشف
الرباني والقول بأصالة الوجود، وأيضًا الهجوم العنيف على المخالفين من الفقهاء والفلاسفة
من مبدأ أنه هو من جلب ذلك السخط لنفسه بسبب تبسيط الفلسفة للتلاميذ والجمهور، عكس
الغزالي الذي رفض المذهب الفلسفي من أساسه، وأيضًا صدامه مع السلطة الصفوية لتظل فلسفة
الشيرازي ساكنة حتى جاء الخميني في إيران وأعاد إحياؤها من جديد.
الخميني التصوف استراحة محارب
يتوجه الخميني برسالة يدعو فيها رئيس الاتحاد السوفيتي "غورباتشوف"
بقراءة كتاب الحكمة المتعالية للشيرازي فيقول: "السيد غورباتشوف الواجب هو التوجه
نحو الحقيقة، إن مشكلة بلدكم الأساسية لا تكمن في مشكلة الملكية والاقتصاد والحرية،
بل إن مشكلتكم الأساسية هي فقدان الإيمان الحقيقي بالله .....".
مستخدمًا لغة كلاسيكية قديمة مع رجل صاحب تعليم عصري، ورغم
تقليدية الرسالة نجد أن الخطاب مقصود به ذلك، فهو لا يخاطب فقط الخارج بل الداخل من
الجموع والمريدين بعد ثورة اعتمدت على حشد الداخل والاتكال عليه، بل وستتحول هذه الخطب
والرسائل إلى متن يتم تدريسه في الحوزات العلمية في إيران، بعد أن كان الخميني -أستاذ
الفلسفة- يشطفون طلابه القدح الذي يشرب منه هو وابنه حتى يتطهر من نجاسة الفلسفة، أصبح
الآن هو رأس الدرس الفلسفي في الحوزات العلمية الإيرانية.. هكذا تبدل الحال.
وفلسفة الخميني ككل المتصوفة لا تقبل من الفلسفة إلا كونها
وسيلة وعقلًا شارحًا ليس منتجًا، مستخدمًا تارة الخطاب السري في عرض آراءه الخاصة،
وتارة أخرى يستخدم الخطاب الوعظي الجمعي المختلط بالشعر والأدب والبلاغة والترميز في
خطاب العامة، وهنا يجتمع مع الغزالي والشيرازي والمظفر، حيث المحاورة مع رموز خيالية
في شرح الفلسفة والعرفان والتصوف.
الطباطبائي وسعادة كسر الاحتياج
إن سعادة الإنسان لدى الإمام الطباطبائي تتأتى من خلال السير
عبر الطبيعي والمطلوب والجاهز، والخروج عن هذا النهج كالذي يريد أن يشبع بدون طعام
يؤكل ويهضم، وخروج كهذا هو ظلم وسقوط في الإثم، وبالتالي فالسعادة من خلال القانون
لا من خلال كسره والخروج عليه، وهذا ما ينعكس في كتابة الطباطبائي فهي مرتبطة بالمألوف
والرسمي من خلال النص الديني الأول وهو القرآن الكريم والسنة، وبهذا يقف موقف سلبي
من الشعر والخيال باعتباره خروج عن المرسوم سلفًا، لكن في قراءة أخرى لكتاب محمد الحسين
الطهراني السارد لحياة الطباطبائي نجد وجه آخر لفلسفته، وهو وجه خالي من الكتابة النظرية
الجامدة مفعم بالحياة والخيال والسرد الذاتي من المحنة وهجوم الخصوم ثم الإنعزال والوصول
في تجربة عرفانية قائمة على العاطفة والخيال، كذلك ما يظهر خلف فلسفة الطباطبائي أنه
يمثل في الأصل الخروج عن المألوف، فهو أول من ضرب مسمار في نعش العلم السائد والمألوف
من خلال تناول الفلسفة في محيط لا يمتهن إلا الفقه وعلم الأصول، ضاربًا بالعلم السائد
عرض الحائط.
الجيلاني لا صبرية الكتابة
على صعيد آخر يتحدث الجيلاني في كتابه (الفتح الرباني والفيض
الرحماني) عن الصبر فيقول: "إنما يُظْفَر بما عند الله عز وجل بالصبر، ولهذا أكد
الله عز وجل عن الصبر ...".
فما يظهر في فلسفة الإمام الجيلاني تأكيده على الصبر في حين
هو نفسه لا يستطيع الصبر في الإنكباب على الأوراق ومزاولة الكتابة، فالكتاب عبارة عن
محاضرات شفهية كتبت من قبل تلاميذه، تاركًا الكتابة التي لا يأتي من وراءها إلا المعصية
والإثم والوقوع في المسآءلة..
والجيلاني مثل الطبطبائي لا يتحدث عن العرفان إلا كذكريات
شخصية حدثت ذات يوم، ففي السرد تواصلية ذهنية وعاطفية تكسر صرامة الهوية عكس الكتابة
النظرية والاستدلالية التي تحفظ هيبة الهوية، لهذا انقطع الجيلاني عن الكتابة، وهجا
الطبطبائي الكتابة الشعرية لما فيها من خيال وعاطفة.
حسن إبراهيم الخطيب : مهتم بالقراءة والاطلاع على الكتب ومراجعتها.

