قرأت مقالًا مستفزًا، عنوانه: "عقدة الكتابة: لا تكن كاتبًا، الكُتّاب يعانون"[i]. استفزازيته لم تمثُل في إتيانه بأفكار مناقضة لمعتقدات من يقرأوه، كما جرت العادة بين أي كتابة وأي قراء، ولكنها مثُلت في أنني أحببته، في إلحاح البال باسترجاع أفكاره طوال أربع ليالٍ كاملة، في أنه حكى حكايتي دون سابق معرفة واقعية ولا افتراضية بيني وبين كاتبه.
ملمات إقليمية ومحلية متعددة ومتواترة ومتشعبة ومتداخلة؛ ألقت بعواقبها على حياتي المهنية المستقرة والسريعة التطور، يكفي أن أُبلغك أنها (أي الملمات) بدأت جميعًا مطلع 2011م.
هل خمنت مجال عملي السابق؟
منذ ذلك التاريخ؛ لم يعد الاستقرار سمة كما كان، لا
النفسي ولا المادي، ومهنتي التي كانت خُضت غمارها يافًا، أكاديميًا ووظيفيًا، ولا
أعرف لها بديل، ولا عاد في متسع الذهن ما يخول البدء من جديد.
هكذا دارت رحى الأيام بين سهرة فارغة وسهرة أشد فراغًا،
ساعات طوال انقضت في اللاشئ، في تصفح رتيب لمنصات التواصل الاجتماعي.
واحدة منهم ألقت في حِجري حلًا بدا للوهلة الأولى
ساحرًا، وبمزيد من التركيز والتمعن صار أشبه بالمولود المبتسر، المُنتظِر لاجراءات
معقدة ومكثفة كي تُكتب له الاستمرارية ويحظى بالنماء. لا أملك خبرة في ماهية الحل
ولا كيفية تطبيقه، ولكن تشجّعت ومضيت قُدمًا.
جاءني الحل على يد ناشرة بإحدى مجموعات الفيسبوك للتوظيف
عن بُعد، صاغت منشورها في عبارة واحدة فقط: "نحن بحاجة إلى كُتَّاب مقالات عن
بُعد".
ما أجملها من عبارة تُنجد رب أسرة - إذا ما كان صاحب
مَلَكة - من دوامات العيش، ما أجملها بما استثارته من ذكريات وشوق وحنين لسنوات
جامعية خلت.
الاستثارة مردها الأول، عام ميلادي ومكان نشأتي؛
فالغالبية من أبناء الثمانينيات ميلادًا وصعيد مصر ولادةً لم تزل القراءة رافدهم
الأول – وقل الوحيد – للمتعة؛ فمن محدودية البث التلفزيوني قديمًا، إلى صد المجتمع
الصعيدي لكثير من تدفقات الترفيه المعاصر، إما أن تكون لاعب كرة قدم، أو أن تهوى
القراءة، وفيما عاداهما الكآبة والروتين الممل.
الأولى (كرة القدم) لم تستهويني مشاهدةً ولا ممارسةً، لم
أجد فيها روحي، ولم تتشكل عبرها قناعاتي، بينما القراءة امتلكت كياني، حتى صرت أرى
أبطال قراءاتي من روايات وقصص في منامي وصحياني، صاروا حولي، أحادثهم، أحاججهم،
أُعنفهم، أمازحهم، أُراجع معهم دروسي ويُقيّمون لي إجاباتي.
تنامت المعارف بمرور السنين، وقتها لم يستهويني تحويل
المعارف الآخذة في التراكم إلى فعل واضح لمحيطي من البشر، ومع ذلك لم أشك لحظة في
حتمية تحول القارئ – أي قارئ – إلى كاتب – أي كاتب -.
في الجامعة؛ اصطدمت قدرًا بعوالم المسابقات الثقافية،
كتبت لها المقال والقصة، على استحياء، والخسارة غالب ظني في البداية، عزَّيتُ نفسي
بيكفيك شرف المحاولة، وكانت للقدر كلمة أخرى، صحيح فشلت مرات، إلا أنني أيضًا ربحت
لمرات. من حينها أيقنت أن الكتابة فعلٌ قاهر.
الكتابة قاهرة القارئ، وتلك القهرية لا تعني الإجبار
والإخضاع، إنما تقهر مسكوبًا من معارف وأفكار فاض عن حيز احتواءه بوعاء الدماغ،
فمن ثَم "تدلدق" حبرًا على ورق جديد. أو خيط أفكار قرأناها تضفَّر
معقودًا بخيط أفكار تولدت عندنا، حتى وإن ولدت فوضوية وعشوائية ومنتكسة، المهم
أنها ولدت، ويبقى ترتيب الفوضى لا شك آتٍ. المهم أن يفيض المسكوب عن وعاءه، متى
وكيف وبكم؟ وهل يعلم الغيب إلا الله!
صحيح عاينَّا إجابات متضادة لأعلام الصنعة عن سؤال:
لماذا تكتب؟ فكان لكل منهم طريقته الخاصة جدًا في الإجابة، الكولومبي
"جابرييل جارثيا ماركيز" قال: "إنني أكتب ليحبني أصدقائي"،
والأمريكية "جين سمايلي" أشارت إلى أنها تكتب لتبحث فيما يثير فضولها،
والبرازيلي "جورج أمادو" أعلنها صراحةً بقوله: "أكتب لكي أُقرأ من
الآخرين، فيتأثروا، ومن ثَمّ أشارك في تغيير واقع بلادي".
يُحتمل أن تكون البيئة والجنسية عوامل مؤثرة في تنوع
الإجابات، ولو تأثيرًا مشوشًا، من بعيد لبعيد، ولكن إجاباتيّ "نجيب
محفوظ" و"أمل دنقل" – رحمهما الله – ترسمان أبعادًا جديدة للكتابة،
ترسماها من داخل النفس إلى خارجها، وليس العكس كما يظهر في الإجابات السالفة؛
فالعالمي "محفوظ" قال: "أكتب للمتعة، وإرضاءً لقوة غامضة
بداخلي"، و"دنقل" قال: "الكتابة عندي بديل للانتحار".
إنه الفيض الداخلي إذن، الفيض الذي عجز هيكل الوجدان عن
احتواءه، فيض معارف ومشاعر وأفكار، تشرَّبهم الوجدان وتشبَّع بهم، وعند لحظة حاسمة
لم تحتمل شواطئه حبسهم، فأطلقتهم طواعيةً أو جبرًا، لا يهم، الأهم أن الكتابة هويس
العقل والروح، هويس على موعد مع فتح بواباته تحريرًا لمخزون زاد عن قدرة احتماله،
ارتفع ضغط تراكمه وتهيأ للانفجار.
الكتابة فيّاضة أيضًا بمساراتها بين الوعي واللاوعي،
بيَّن ذلك العالمي "محفوظ" في محاوراته مع د/ "غالي شكري"،
والمُسجلة بعضها بكتاب "نجيب محفوظ من الجمالية إلى نوبل"، قائلًا:
"إن شيئًا ما يلفتني بقوة نحو هذه الشخصية، أو يجذبني دون هوادة لتأمل تلك
الحادثة، وهذا الشيء أيضًا يجعلني أتعاطف أو أنفر من موقف أو فكرة أو رجل أو
امرأة. الانجذاب والتنافر والالتفات لها مصادرها في تركيبتي النفسية والعقلية، أو
ما يُسمى باللاشعور، ولكن أين ينتهي اللاشعور ويبدأ الوعي؟ أو العكس، متى ينتهي
الوعي بالأشياء ويبدأ تقليبها البطئ في العقل الباطن؟ هذا ما لا أملك جوابًا
عليه...".
حتى الأديب العربي الوحيد الحاصل على نوبل لا يعرف
للكتابة مبتدى، هي التفاتات تتراكم وتتراكم، فتفيض وتندفع مهما احتواها كاتبها.
نجدتني معنويًا قبل ماديًا ناشرة المنشور الغامض على
الجروب، والتي بدورها، بعد حين ليس بقليل، ستسلمني مهنيًا لأُخريات. واضح أن
السيطرة النسوية على هذا المجال راسخة، وهي سيطرة محمودة على أية حال.
استوعبت منها ما المقصود بشكل عام دون تفاصيل، وأمهلتني
فسحة وقت لاستعد، ولتستعد هي.
هي إذن أقلامي وأوراقي وسجائري وحاسوبي، مُغذيًا خيالي
بموسيقى في الخلفية، أو فيلم أبيض وأسود، سأعود كاتبًا، اقرأ وأبحث وأنقح وأصيغ،
أكيد سأوقع - رقميًا - على كتاباتي، وسأجني المال الوفير، ما أجمله من منشور، وما
أرقّها من عبارة، وما أعذبه من مُسمى وظيفي "كاتب مقالات".
بدأت اختار موضوعاتي، أريد أن أكتب عن شغفي واهتمامتي،
بيئتي ومجتمعي، عما قرأت وترك فيّ أثرًا. نحن حينما نقرأ للآخرين لا نراهم فقط
كلمات وتراكيب لغوية مصمتة، بل نغوص في تجاربهم، ندخل مخادعهم، نشتم عرقهم،
نجاورهم في مكاتب العمل وجلسات الأنس، نضاحكهم ونبكي عليهم، نتعارك معهم ونقسو،
نزود عنهم ونُنصفهم. الكاتب والقارئ صديقان يراعيان المعشر، الأول بحُسن الأداء،
والآخر بحفظ الأسرار التي يكتشفها بين السطور.
واهم؛ هكذا أطرقت الناشرة رأسي في أول اتصال عمل حقيقي،
شارحةً أن اختيار الموضوعات يخضع لقواعد اللعبة "الجوجولية". تحليل
نتائج البحث عن الكلمات والموضوعات في "النيتش" (الفرع/التخصص المعرفي)
الذي يتبعه الموقع الإلكتروني الذي سنكتب له هو وحده مسار الاختيار. كذلك ثمة
طريقة وحيدة في الكتابة والسرد، طريقة فرضتها خورزميات جوجل؛ لتتمكن من معرفة فحوى
المقال وتصنيفه، وبالتالي تصديره بين نتائج البحث الأولى لا الأخيرة، تلك الطريقة
في الكتابة معروفة باسم الـ SEO (Search
Engine Optimization)، أي تحسين
محركات البحث "سيو"، ولتنسى أي أسلوب كتابة آخر، وأي موضوع خارج حدود
نيتش الموقع.
انتهى كلام الناشرة، والتي صارت من الآن المُشرفة.
هكذا تحولت مع الوقت لمحترف سيو، وبت - ومازلت - أكتب
كتابة أكل العيش، هكذا اخترت السجن (الديجيتالي) طواعيةً؛ لأن المال جزءٌ من تكوين
الحياة، والترفع عنه خبط باط ونهيق زاعق وورع كاذب.
هكذا لا أظنني واختياري مبتذلين.
لماذا لم تخرج من شرنقة السيو؟
حاولت وفشلت، أنشأت مدونة، وفشلت، وأفشلني توق
الخوارزميات للنشر الممول لا المجاني. أو لعلني اقتنعت بمحدودية موهبتي، أو أيقنت
بأني "ذرة غبار في مجرات الأدب الثري"؛ فآثرت السلامة بالسيطرة على
طموحي.
ركنت للدوران في فلك السيو والموضوعات التي يفرضها عليّ
الذكاء الاصطناعي، الجهة الوحيدة المعتمدة في تحليل نتائج بحث الناطقين بالعربية
على جوجل. أقضي نهارات في كتابة ما أُلزم به من موضوعات لا أطيقها، ولا مفر من
زيادة الدخل إلا بإنتاج كلمات أكثر.
ضجرت؟
نعم تملكني الضجر والحنق، وبسببهما عزمت أن أجد لنفسي
زوايا من الانترنت تقبل ثرثرتي، أدخلها فقط لأكتب، حتى ولو لم أُقرأ. حتى مع كون
ما يُكتب بالنسبة لكاتبه جزء من كيانه، قطعة من لحمه، وقد يلوكها البعض مشمئذًا،
وقد يبصقها، إلا أنني في النهاية أكتب؛ متجاهلًا ردود الأفعال.
سأكتب وإن بدت الكتابات أجمل في المخيلة عنها على الورق،
حتى وإن أضحت قصصي ساذجة عند الآخرين، حتى وإن أهملوها أو أهملوني. سأكتب وإن وصفت
كتاباتي بزبد البحر، وإن اقتنعت بأن لو كان للكُتّاب مقهى؛ فأنا ما إلا صبي رص
"الشيشة"، صاحب لغة ركيكة وموهبة محدودة.
أنا الصبي الذي يكتب فقط لأنه يريد أن يحيا، وإن حَيى
وحيدًا في الظلام مع حفنة أوراق، فما عاد أقسى من كتابة أكل العيش.
