لقد بات رأي اللورد كرومر في المصريين من المعلوم من التاريخ بالضرورة، وهو - مع شديد الأسف - الرأي الذي لا يزال يتبنّاه - بحذافيره تقريبًا - الكثير من النخبة الحاكمة في بلادنا، بل ومَن دونهم سُلطة حكم، النخبة المُتمَسِّحة، إذا صح التعبير.
من ههنا؛ أتلقف أنا القارئ (الهاوي) بشغف كل رأي يمكن وصفه بالميمات الثلاث: مغاير، محايد، موضوعي، أو حتى (شبه) في هذه الميمات. من هنا؛ تأتي أهمية مذكرات سيدني سميث (4 أغسطس 1884م/9 مايو 1969م)، التي نقلها للعربية الدكتور/ مصطفى عبيد، تحت عنوان: قارئ الجثث سيدني سميث (مذكرات طبيب تشريح بريطاني في مصر الملكية)، الصادرة في طبعتها الأولى عن الدار المصرية اللبنانية، سنة 2022م.
اعتمدت المذكرات على سردية زمنية تقوم على انتقاء مجموعة من الجرائم التي عمل عليها الرجل بنفسه، ومن ثَم الحديث عن إنجازاته المهنية في زوايا كل قصة وكل جناية فكَّ طلاسمها، فقد افتتحها بلمحات سريعة عن ميلاده وظروف نشأته ودراسته العلمية واختياره للتخصص، ثم مضى يصف كيف تقدم إلى الوظيفة الشاغرة في مصر، وكيف قُبل فيها، وكيف وصل إلى أرض الوطن واستلم مهامه الوظيفية على الفور.
بعد ذلك؛ شرع في الإتيان على سيرته العلمية والمهنية من خلال الاستغراق في وصف الجرائم المختلفة التي عمل عليها، حيث حمل كل فصل من فصول المذكرات الأربعة والعشرين اسم جريمة من الجرائم، أو تعبيرًا دلاليًا يوضح ماهية وآلية حل لغز الجريمة/الجرائم التي هو بصدد الحديث عنها.
ومن ثَم؛ أفاض في كل فصل من الفصول في الوصف الدقيق والشروح التفصيلية للكثير من مباحث العلوم الجنائية، ومنها علوم: السموم والمقذوفات والتشريح... إلخ. المدهش هنا؛ أنه أجاد، وبجدارة، عبر هذا المنهج في كتابة مذكراته، في رسم صورة واضحة المعالم للحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في مصر، وكذلك بيّن العديد من صيغ علاقات المصريين بعضهم البعض، كما أوضح الكثير من انعكاسات الموروثات الدينية والثقافية والطبقية على هذه العلاقات وتشابكاتها وتعقيداتها.
بداية من الفصل التاسع يعود "سميث" إلى بلاده، ويعاود الوصف الدقيق للقضايا الجنائية التي اشتغل عليها هناك، أو على الأقل شارك في حل ألغازها بصفته مستشارًا لهيئة الدفاع أو هيئة الإدعاء، وهو ما تبعه أيضًا، وبنفس الوتيرة، سرد للكثير من جوانب الحياة الإنجليزية، وتعاملات وتفاعلات الإنجليز الشخصية والاجتماعية، وكذلك استعرض كثيرًا من أحكامهم ومعالجتهم - القديمة - لعدد كبير من الاعتقادات والقناعات، والتي تغيّر أغلبها بشكل كلي أو جزئي عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، كنتيجة مباشرة لما خلّفته من ملايين الضحايا والمعاقين من الأوروبيين.
ومما تُقبل له كل آراء "سميث" في المجتمع المصري، وتقييماته لأحوال معيشته، بدون عوائق ولا تحفظات، عدة أسباب مختلفة، يتمثل أبرزها في كونه (أي سميث) بريطاني الجنسية، كما كرومر تمامًا، عاش في مصر حقبة زمنية كاملة، وقد أجبره تخصصه الأكاديمي، وبالتبعية الوظيفي، على معايشة مصر التي في الشارع، التي في المدن والقرى والنجوع، لا مصر التي في القصور فقط، أو العاصمة فقط، فقد قضى في مصر نحو أحد عشر عامًا، منذ مطلع 1917م حتى أواخر 1927م، طاف خلالها أرجاءً مختلفة وبعيدة بحكم عمله، فضلًا عن كونه أحد مؤسسي مصلحة الطب الشرعي المصرية سنة 1927م.
ومن تواريخ إقامته على أرض مصر؛ يتضح جليًا أنه عاصر أحداثًا جسامًا ومفصلية في تاريخ هذا البلد، وإذا ما أتينا على ذكر بعض منها على سبيل المثال، والمدونة في المذكرات، أو على الأقل لمّح لها ولآثارها في سياق الحديث؛ وجدنا أنفسنا أمام: حادثة ريا وسكينة، التي شارك في تقصّي حقيقتها بنفسه، ثورة 1919م، كتابة دستور 1923م ومنح بريطانيا سيادة اسمية لمصر، حادثة اغتيال السير لي ستاك سردار الجيش البريطاني في السودان عام 1924م، والتي شارك في تحقيقاتها أيضًا بحكم موقعه الوظيفي.
لذلك حملت مذكراته في الثنايا رأيه الشخصي في الشعب المصري، على نحو أقرب كثيرًا للموضوعية، وبوعي كامل تبعًا لتقارب حقيقي مع عوام هذا الشعب. فنجد في المذكرات – مثلًا – رأيه الواضح في الفقر الذي ترزح تحته قرى مصر البعيدة عن العاصمة، في الزواج الثاني عند المسلمين، في أخلاق المصرين على نحو عام، بغض النظر عن كم جرائم القتل الحادثة، حيث أرجعها بحيادية كبيرة إلى أسبابها ومسبباتها، بدون تبرير للجناة أو انتقاص من الضحايا... وهكذا وصولًا إلى رأيه في تفشي الرشوة والفساد في عصر تواجده بمصر، وذكره صراحةً نماذج أجانب راشين ومرتشين، منهم قاضي محكمة.
تشعر من الوهلة الأولى أنها من نوعية المذكرات التي كانت تحتاج بحق وحقيق إلى ترجمة، والأهم أنها لا تحتاج إلى ترجمة عادية من ذوي التمكّن اللغوي وحسب، بل كانت تتطلب ترجمة أديب حاذق يمتلك أدوات الخيال كما ناصية اللغة؛ ذلك لأنها ترتكز بشكل كلي على وصف عميق للأحداث والأماكن والشخصيات، وسرد مفصّل للبنى والخلفيات الثقافية والاجتماعية التي دفعت هذا المجرم أو ذاك للقيام بما فعل خلافًا للقوانين والأعراف، وكل ذلك في أجواء مليئة بالغموض والإثارة والتشويق. أجواء جرائم حقيقية لا من نسج الخيال أو أدب الفانتازيا. وعليه؛ لو لم يكن المترجم يملك حسًا أدبيًا؛ لتسربت دراما الأحداث من بين يديه، ولما استطاع التعبير عنها بجاذبية في الحكيّ وعذوبة في الاسترسال، ولوقع في أفخاخ التنميط وترهل السرد، وما يلحقهما من ملل وتشتت في نفوس القراء، ولكن شخصية الأديب مصطفى عبيد كانت حاضرة وبقوة عند ترجمة هذه المذكرات التي تستحق الترجمة والاقتناء والقراءة.

