دقت الساعة الخامسة؛ فقفز قلبي داخل القفص الصدري، فرحة
لم تتغير أبداً فمنذ أن كنت في المدرسة كان قلبي يقفز بنفس الحماس عند سماع صوت
جرس ختام اليوم الدراسي، "جرس المرواح"، حتى إنني لازلت استخدم تلك
الكلمة في العمل، "المرواح"، حتى أصبحت هذه الكلمة مصدر من مصادر
السعادة الداخلية.
بعد تسع ساعات من العمل تأتي لحظة "المرواح"
لتهوّن ما فات وما هو آت. طريق العودة وما أطوله! لا أتذكر أنني عملت في مكان كان
قريب لمنزلي أبداً، دائماً ما يبعدني عن العمل مسافة لا تقل عن ساعة إذا كان
الطريق "سالك"، ولكن بمرور الوقت بدأت اعتاد على هذه الرحلة وأُشغل نفسي
بالكتابة أو القراءة أو متابعة أحوال الناس من حولي، مراقبة السائق والتعلم من
مهارته في كيفية القيادة و"لمّ" الأجرة والحفاظ على كوب الشاي مُتزن رغم
المطبّات والحُفر في الطريق، التلصص على مكالمة استمع إلى طرف واحد منها وهي تقول
بأنها: "ولعت لها صوابعي العشرة شمع وبرضو مش عارفة أرضيها، وهو ابن أمه ومش
عارفة أعمل معاه ايه"، اختلاس نظرات كل حين إلى شاب يتصفح موقع من مواقع
التواصل الاجتماعي ويجري بإصبعه إذا ما صادفته صورة أو فيديو إباحي يُعاود البحث
عنه عند النوم، محاولة قراءة لأسماء منتجات تحاول فتاة أن تختار من بينهم واحد
لتلميع طلاء الأظافر الصناعية التي تخفي بها أظافر طبيعية أكلتها من التوتر..
وهكذا أصبحت رحلاتي من وإلى العمل.
في إحدى هذه الرحلات وكنت ذاهب بعد العمل لمقابلة صديق
قديم في مقهى بمنطقة وسط البلد، في رحلة الذهاب لوسط البلد لا بدّ من التعثر
بالكثير من الإشارات؛ فتعثرت السيارة في إحدى هذه الإشارات، لمحت عيناي فتاة في
منتصف العشرينات واقفة أسفل الإشارة، يبدو أنها منتظرة أحد لم يأتِ حتى الآن وطال
غيابه، ليبدأ عقلي في نسج أغنيه للمشهد الذي أراه أمامي بعدما رأيت التأفف على وجهها،
"مفاتش ليه، جراله ايه، كاوتش نام، ولا الزحام، معادنا كان خمسة تمام، كده
ولا ايه؟".
أعينها كانت ملبدة بالأسئلة كالتي طرحتها الأغنية التي
وضعها عقلي كموسيقي تصويرية للمشهد، ثم نظرتْ في ساعتها في محاولة لأن تُصبّر
نفسها لتجدها قد كسرت الخامسة والنصف؛ فأكمل عقلي الأغنية.
"عربيتين رايحين جايين، وناس كتير متطفلين وهعمل إيه،
خمسة وكسور وإيه هقول لما المرور يبقا عزول وهعمل إيه".
ما باليد حيله هو أسهل رد سيجيب به الشخص الذي تنتظره؛
لأنه لم يرى ما تحملته من مضايقات حتى وإن لم تكن بالكلام؛ فالنظرات قاتلة أكثر من
الكلمات، فُتحت الإشارة لأتركها وحيدة كما وجدتها ولكن بتلاقي نظرات سريعة حاولتُ
أن انقل لها فيها مواساتي، ابتسمت فتأكدت أني نجحت في مسعاي.
وصلت إلى المقهى، وهو على النيل وتابع لأحد النوادي
النيلية، لم يكن صديقي قد وصل بعد فجلست منتظراً حتى يأتي وطلبت قهوة لتهوّن عليّ
الإنتظار، ولأن بالتأكيد لن يكون انتظاره أطول من رحلات الذهاب والعودة من وإلى
العمل؛ فبدأت بتفحص المكان حولي كما هي عادتي لقتل الإنتظار والملل، كان معظم
الموجودين أكثر من فردين، ولا يوجد من هو جالس وحده مثلي، حتى وجدت فتاة في ركن
بعيد هادي جالسة وحدها وأمامها كأس "ليموناده" ذاب الثلج فيه وعلامات
القلق على وجهها وتنظر لساعة اليد كل دقيقة تقريباً، في البداية شعرت أنها تحدث
نفسها من الداخل قائلة: "وفاتت دقيقة وفاتت دقايق، وفاتت ورارها دقايق تدايق،
وفين أنت فين يا بحر الحنان، وفين أنت فين يا بر الأمان، يا خوفي لتنسى
معادي".
الإنتظار قاتل وإن لم يأتي العوض كما توقعناه أو أجمل
فلا داعي لقدومه من الأساس، الإنتظار كنصل السكين البارد، يمر على الرقبة دون نحر
ولكن يترك ألم طفيف إذا جاء ما هو بقاتل للإنتظار ولكن دون المستوى المرجو، يصبح
ذلك النصل حاد وقاتل، ذلك هو ما فكرت فيه بعدما رأيت تلكما الفتاتين: فتاة الإشارة
وفتاة النادي، حاولت أن أرى المشهد بعيونها فتخيلت أن "الشمس غابت واحنا في
عز النهار، واللهفة دابت من حرارة الانتظار، وروحوا القاعدين، وقعدوا ناس تانيين".
ليهجم سؤال على رأسها بعد ذلك:
"استنى تاني ولا ايه ولا إيه؟، استني تاني استنى
ليه ليه؟!".
فيأتي الرد سريعاً:
"لا برده اسأل أحسن ده يزعل، وأنا زعلوا ما أقدرش
عليه".
من الجيد أن النصل لم ينحرها بعد، تركت مخيلتي ونظرت
إليها فوجدتها تتحدث في الهاتف، قمت وذهبت جوارها لأسمع المكالمة، بعدما عاتبته، انكسرت
موجة الغضب بعدما قال لها: "أهلاً يا حياتي".
ثم سألها: "بكل رقة وأدب وبشوق ما بعده شوق"
النهاردة إيه؟
فردّت؛ النهاردة السبت، قالتها بكل خجل وكسوف لتتذكر أن
"معادنا كان الحد في الركن البعيد الهادي".
عدتُ لمقعدي مرة أخرى محاولاً كتم ضحكتي التي انفجرت
فجأة دون إذن مني، ما الأمر الجلل الذي من شأنه غيّب عقلها عن تمييز الأيام، أهو
تشتت أم لهفة للقاء؟
جاء صديقي بعدها، وجلسنا وانتهينا؛ فأصر بعدها على أن
يأخذني في طريقه لأقرب مكان لبيتي؛ فوافقت.
في السكة كانت الطرق مزدحمة بشكل أصبح معتاداً رغم محاولات
توسيع الطرق وتدعيمها بشبكة طرق جديدة وكباري وقطارات ولكن دون فائدة حقيقية؛
فالمشكلة لازالت موجودة لم تختلف، ولكن دون تلك الطرق لكان الوقت أطول؛ فالطرق
القديمة كانت تتحمل الكثافة السكانية القديمة، أما شبكة الطرق الجديدة فهي تتحمل
الكثافة السكانية الجديدة؛ ليظل وقت الإنتظار ثابت لم يتغير رغم الزيادة في العدد. في طريق عودتنا ورغم تغيير الطريق وأخذ طريق
أطول إلا أني "لا من السكة دي روحت ولا لاقي سكة تانية"، كما قال عدوية.
عدوية أيضا عطّلته الزحمة وكان قلقه من هذه العطلة شئ
مهم، "زحمه ومعطلاني وإن رحت وما لقيتوش، أخاف أروح له تاني في معادي وما
القاهوش". رعب أن تضيع الفرص من بين يديك دون أن يكون هناك تواطؤ منك، محزن
جداً أن تهرب الفرص لأنك لم تستطع اللحاق بها بسبب الزحمة، قطع صديقي شرودي بسؤال:
"هي الناس جابت العنف اللي بقوا فيه ده منين؟! هو
مبقاش فيه حب؟!".
فأجبته دون تفكير:
"هيجي منين الحب مع الزحام ده، يعني تفتكر لو فيه
حد مواعد حد يقابله هيعرف يروحله في ميعاده؟، وبعدين هو أسامة منير راح فين؟".
الزحام في الطريق للعمل يسحب الطاقة التي كانت مُجهزة
للعمل، الزحام في العودة إلى المنزل يسحب مشاعر الحب التي كانت من نصيب الزوجة
والأبناء، الزحام يقتل فكرة المواعدة بين الأصدقاء أو حتى الأحباء، وناتج عن
الزحام تشوش من الضوضاء، لم يكن معروف زمان مرض فرط الحركة وتشتت الذهن ADHD، أظن أن
الزحام هو السبب في ظهور مثل هذه الآفات الجديدة، وإن صح التعبير فهو ليس عصر الزحام،
بل عصر القتل البطئ؛ فحتى وإن كان عليك أن تموت في كل شئ علشان تعيش كما قال "عمر
طاهر"؛ فإن الزحام -رغم كثرة الكباري وشبكة الطرق- يسلبك أن تموت في شئ، لتجد
نفسك في النهاية نائم على كرسي في ميكروباص يُنبّهك صديق الرحلة بجوارك أنه جاءت
محطتك فتنزل من الزحام الذي غلبته بالنوم لتجد أن الدنيا مازالت:
"زحمة يا دنيا زحمة، زحمة وتاهو الحبايب، زحمة ولا
عادشي رحمة، مولد وصاحبه غايب..".


