كان الحديث في المقال السابق عن تعريف القراءة وماهيتها،
وذلك لتأسيس القواعد اللغوية والاصطلاحية التي سيبني عليها كل مُقبل على القراءة توجهه،
ولكن البنيان لن يكتمل أبدًا بدون التعرف على أنواع القراءة وتفاصيل كل نوع، بل
وكذلك مميزاته وعيوبه.
من ههنا يمكن لكل فرد بحسب قدراته الذهنية والمهارية اختيار نوع القراءة الأنسب له، والأنسب لطبيعة المعرفة التي يسعى إليها.
أنواع القراءة
وإن كانت محصلة القراءة واحدة، إلا أن أنواع القراءة
متعددة، ويرتكز هذا التعدد والاختلاف على عوامل تصنيفية أساسية: نوع من حيث الأداء،
نوع من حيث الغرض والمستهدف.
1. أنواع القراءة من حيث الأداء
هذا النوع بدوره يتفرع إلى عدة أنواع أخرى، هي:
القراءة الصامتة:
وهي الطريقة التي يُدرك فيها القارئ كل ما أمامه من حروف
وكلمات وجمل وتراكيب، ولكن بدون الجهر بنطقها أبدًا، والإدراك هنا يشمل الوصف
والرسم والمعنى، فهناك عمليات تفكير تحدث أثناء وبعد القراءة بهذه الكيفية من
الأداء لتبين المقصود. القراءة الصامتة هذه ليست طريقة أداء وحسب، بل هي صاحبة
مغزى وأهداف ومزايا، من أبرزها:
- أكدت أغلبية البحوث التربوية والتعليمية على أن القراءة الصامتة تتميز بالسرعة في الأداء وفي التعلم وفي إدراك معاني النصوص المقروءة، وقد ارتكزت هذه النتائج على العديد من اختبارات القراءة التي طُبِّقت على الطلاب، فظهر أن إجاباتهم في صمت على أسئلة الاختبار تستغرق وقتًا أقصر بالمقارنة مع الإجابة الجهرية.
- ثبت أيضًا أن القراءة الصامتة من أنواع القراءة التي يُهتم فيها كثيرًا بالمعنى عبر إغفال الاهتمام بعنصر النطق الذي يكون مُشتتًا حقيقيًا يعوق فهم المقصود لتطلّبه التركيز على صحة النطق.
- تعلم القراءة الصامتة هدف في حد ذاته، لأننا إذا كنا نرغب في جعل القراءة عامةً أسلوب حياة ومهمة طبيعية يمارسها كل إنسان كل يوم؛ فإنه قد يستحيل ذلك مع القراءة الجهرية، حيث سيستعصي الجهر بالقراءة في مواقف ومواضع كثيرة، وهو ما من شأنه كره القراءة أو إهمالها.
- التمعن المصاحب للقراءة الصامتة يجعلها أشد أنواع القراءة تحقيقًا وترسيخًا لمهارات وقدرات الفهم والتحليل، بل والتفكير النقدي في تناول النصوص، وهو بدوره يعزز من امتلاك القراء القدرة على حل المشكلات.
- القراءة الصامتة من موجبات التحصيل اللغوي والفكري، لأنها تتيح بصورة أكبر التأمل الشديد في العبارات الإنشائية والتراكيب البلاغية، بل وعقد المقارنات فيما بينها، وهو ما يُنمي -على المدى الطويل- الثروة اللغوية.
القراءة الجهرية:
هي النوع الثاني من أنواع القراءة على أساس الأداء، وليس
معنى تعدد فوائد ومميزات القراءة الصامتة أن تكون القراءة الجهرية عبث أو أقل منفعة،
هذا غير صحيح؛ لأن القراءة الجهرية لها مواضعها التي لا يمكن تصورها بدون قراءة جهرية
واستخدام أنواع قراءة أخرى. فعلى سبيل المثال لا الحصر من أهم مواقف القراءة بصوت:
- القراءة الجهرية هي أكثر الأنواع المطلوب استعمالها مع النشء الصغير، لأنهم يتعلمون من خلال النطق بالحروف والكلمات والجمل الكيفية الصحيحة لهذا، علاوةً على أن مارستهم قراءة الشعر والنثر بصوت مرتفع يزيد من تعودهم على تذوق النصوص.
- على صعيد آخر القراءة الجهرية للصغار تساهم في تعزيز فهم المقروء؛ حيث يمكنهم من السؤال عما التبس عليهم جزئيًا، أو عما أُغلق عليهم فهمه كليةً.
- مع الصغار، ومع الكبار كذلك، تساعد القراءة الجهرية في اختبار وقياس الدقة في النطق والطلاقة والقدرة على الإلقاء، وهو ما يزيد من التعرف على المواهب واحاطتها بالرعاية اللازمة.
2. أنواع القراءة من حيث الغرض
هذا تصنيف آخر مُعتَمد في أنواع القراءة، ولكنه هذه المرة يرتكز على المستهدف والمأمول من القراءة، وبدوره يتفرع لعدة أنواع، هي:
القراءة السريعة:
المقصود هنا طريقة القراءة التي يُرغب فيها البحث السريع
عن توضيح لإشكالية ما أو موضوع معين، دونما الرغبة في التعمق في هذا الموضوع في
الوقت الراهن.
نجد هذه الطريقة مناسبة لعدة مواقف حيايتة وتعليمية، لعل
على رأسها مطالعة الباحث أو القارئ لفهرس كتاب معين لبيان اشتماله على نوعية
المعلومات المطلوبة، أو حتى الاستعراض السريع لقوائم أسماء الكتب والمراجع، وضمن
الإطار أيضًا؛ البحث السريع عن معاني مصطلحات فنية معينة ومراجعتها... إلى آخر هذه
الأمور التي لا يُرجى فيها التعمق المعرفي بقدر ما يُطلب التعرف على الأساسيات
والمقدمات.
القراءة لبناء تصور عام:
هذه أيضًا وإن كانت تتسم في الأداء بالسرعة؛ إلا أنه
يجدر تصنيفها كنوع مستقل من أنواع القراءة بحسب الغرض؛ لأنها هنا ليست سريعة وحسب،
بل تعتمد أيضًا على الملخصات والتقارير والمقالات غير المطولة في الموضوع المبحوث،
ومن ثَم لها خصائصها الفريدة في الأداء وفي الأدوات المستخدمة، والغرض هنا
بالضرورة هو استيعاب مجموعة من الحقائق الأولية عن الموضوع، وتكوين أفكار عامة
عنه، دون الدخول في جدليات وتفريعات بحثية ترتبط بالموضوع.
القراءة التحصيلية:
هذا النوع يستهدف بشكل مباشر غرض واحد كبير، ألا وهو فهم
النص المقروء فهمًا عميقًا، والإلمام بكل الجوانب التي يستعرضها إلمامًا مستفيضًا.
ونجد أن تحقيق هذا الغرض يلزمه عدد من السمات والمقومات
حتى تُجنى الثمار، منها: التؤدة والتأني والتريث في القراءة، بل وإمكانية إعادة
قراءة نفس الفقرة أو نفس الصفحة لمرة أو مرات أكثر. عقد موازنات ومقارنات مع المعلومات
والحقائق المحفوظة في الذهن عن نفس الموضوع، بل وإمكانية تنشيط الذاكرة باستحضار الكتب
المقروءة سلفًا والإطلاع عليها سريعًا، كل ذلك
بهدف التحصيل واستخلاص أفكار جديدة أو تحليلها وتأكيدها أو نفيها.
القراءة لجمع المعلومات:
من سمات هذه الطريقة الاعتماد على مصادر متعددة، وفي نفس
الوقت إهمال قراءة المصدر كله، بمعنى أن من يقصد من القراءة جمع معلومات وبيانات عن
موضوع معين يستجلب قدر المستطاع كل المصادر والكتب التي كتبت في هذا الموضوع، ثم
يعمد إلى جمع المعلومات والبيانات التي يتضمنها كل مصدر حول الجزئية أو النقطة
التي تشغل باله في كامل الموضوع، وهو ما يمكن معه عدم الحاجة لقراءة صفحات الكتاب
أو المصدر من أولها إلى آخرها، ولكن يُكتفى بقراءة الفصل أو الباب المشتمل على
المعلومات المطلوبة وتلخيصه.
القراءة للمتعة:
المتعة غرض لا يُستهان به مع القراءة، لذلك كان حريٌّ بالجميع
تخصيص نوع مستقل له ضمن أنواع القراءة بحسب الغرض؛ فالمتعة هنا ليست رفاهية ولا إهدارًا
للوقت، بل هو هدف نبيل، وغرض رشيق، فالقارئ الذي ظل يتعمق في قراءاته قدر من
الزمان، لا بُدّ له من أخذ وقت مستقطع عقب هذا الاستغراق والتعمق، يقرأ خلاله كتب الأدب
والطرائف من روايات وقصص ومجلات رسوم كرتونية.. لاستعادة النشاط الذهني مرة أخرى.
القراءة التحليلية النقدية:
هذا هو النوع الأخير من أنواع القراءة بحسب الغرض، فإن نقد النصوص وبيان جدية وصحة أفكارها من عدمه أحد أهم أغراض القراءة، بل وأكثرها فائدة على العقل البشري، ومع جمال هذه الطريقة وتعدد فوائدها، إلا أنها تعد الأصعب والأكثر إرهاقًا، لأنها تحتاج إلى قراءة شديدة التأني، وقراءة شديدة الملاحظة لكل المعاني الظاهرة والخفية خلف الكلمات وبين السطور، والأهم تحتاج إلى قراءة النص المكتوب من أوله إلى آخره دون ترك كلمة واحدة، فبذلك فقط يمكن التحليل، ومن ثَم النقد، وبغير ذلك لن يستقيم الحكم على النص سواءً إيجابًا أو سلبًا.

