فور الفراغ من قراءة المجموعة القصصية "هلاوس"، الصادرة عن منصة كُتبنا بالعام 2022م، للكاتب الصاعد "يوسف حسن"، وجدتني - على نحو لاإرادي - مدفوعًا نحو صفحته الشخصية على موقع التواصل فيسبوك؛ أبحث عن تاريخ ميلاده. لم أجد تاريخًا معلنًا من قِبله، ولكن مما أعلنه، انتهاءه من الدراسة الجامعية في العام 2022م. بمعادلة رياضية ساذجة، من الجمع والطرح؛ أمكنني تخمين عمره إبان فورة يناير 2011م. أظنّه لم يتجاوز حينها اثني عشر سنة.
استجمعت ذاكرتي بعض مشاهد، وبضع وجوه؛ لاكتشف ملمحًا أتاهه الصخب، الغضب. فنحن أجيال ما قبل أواسط التسعينيات، وإن خرجنا منها مَدُوسين؛ فمواليد ما بعده فلتوا منها مَدْهوسين، استقبلتهم على بوابات المراهقة كدارةً اعتمتهم؛ فشابوا شيبًا وشَوْبًا، وهم أبناء عشرين.
هلاوس هي مفهوم هؤلاء المنطفئين عن الحياة، المفهوم
المرهق، المخنوق، نظرتهم للدنيا، النظرة المرتعدة، المكسورة، ذهنيتهم عن العلاقات
والمجتمع والناس، الذهنية المأسورة، المظلومة. إنها تعبير مباشر عن كل هذا، وكل
هؤلاء، فيها من خيال مطروح من واقع منتصر، وفيها من واقع مطروح عن خيال مهزوم.
أربعٌ وعشرون قصة، تتأرجح تقييمًا بين المقبول والممتاز،
لا واحدة فيها دون المستوى. أربعٌ وعشرون بأربعة وعشرين سؤال حياة، عن: التوهة،
الشتات، الحيرة، التكّيف، الحسرة، التردد، التشاؤم، التشرذم، الفقد، العجز، الولع،
الثقة، الشغف، اللامبالاة، العنجهية، المعاناة، الإيمان، الشيطان، الوشاية،
الخيانة، الجموح، الطموح، الوصال، الانفصال. عن الحلم المسروق.
طبقات بعضها فوق بعض، دائرة مفرغة، يدور فيها جيلٌ
بأكمله، بغير ذنبٍ اقترف، ولا جرم ارتكب؛ فلا استمتع بانطلاقة الشباب، ولا اكتفى
بانعزالية الكهول.
حتى لما اختار "يوسف" هجر زمانه، والعودة إلى
الوراء، في "بركاتك يا حُسين"، عاد إلى ما بين 1963 و1968م، هزيمة
الهزائم؛ وكأنه جيل لم يعد يرى الحياة سوى بمنظور أسود، أو أنه يحمل الهمّ في صدره
حتى أطبق الانهزام على عمره؛ فتجسد ما بينه وبين واقعه، وما بينه وبين وطنه، فيما
بين "زين" و"زينة"، لا جفاء ومباعدة، ولا إقبال ومُجاوَرَة.
ثم عاد يؤكد على ما يسيطر على تفكيرهم، حين أكّد في "ثورة النفس" على
مدى الارتباط بين علّة الإنسان الفرد وعلّة محيطه الجماعي.
كذلك اختياره في "حالة 658" مصحة مجانين بيئةً
لنموذج صراع تلعب فيه الوشاية وخيانة المجالس محورًا محركًا للأحداث، يوضح الكثير
من رؤية أبناء أواخر التسعينيات، لدراما الرفعة والترقي في واقعهم. واقع المجانين
الذي لا يترقى فيه غير المنحط. وصراع المجد الذي ينازع الإنسان أشرف ما يتوجب
الدفاع عنه، الأخلاق.
ثم تأتي "جودجو" لتكشف عن مرارة حسرة تسمم حلاوة الشباب، أنتجها أداء مسرحي جماعي، يحاول زورًا وزيفًا، تحويل الزرائب إلى بيوت، بطلاء الجدران، وتحويل الخراء عجينة ياسمين بنثر العطر عليه، وعلى كونها – أي القصة – قد تفتح على الكاتب جحيمًا باتهامات الإزدراء، إلا أنه عندي - وغيري - صاحب منطق سليم إلى حد كبير، تمنطقه كثر قبله وقبلي، منهم د/ مصطفى محمود، لما قال: لن تجدوا طوابير أمام المسارح، طالما وُجِدت طوابير أمام المخابز، ومن قبله وقبلنا، ابن عمر - رضي الله عنهما – حينما جاءه العراقيّ يسأل عن حُرمة قتل الذباب وقت إحرام، فجمع عليه الناس صائحًا: يسألون عن الذباب وقد قتلوا ابن ابنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -!
النماذج بالمجموعة متعددة، متواليات تكشف تصورات هذا الجيل، وهكذا حمولة معنوية ومادية يحملها، حتى اختياراته في الحب والكُره مشوبة باليأس، لا حالمة كما الستينييات والسبعينيات، ولا رتيبة كما الثمانينيات وأوائل التسعينيات، بل ضجيج يستعصي على الفهم معناه ومبّناه، كما ضجيج أغاني المهرجانات تمامًا.
الصدمة الكبيرة في مدى اليأس والإحباط المُطبق عليهم
مُتجلِّية في "لآخر نفس". حين أنشد "الأبنودي": إذا جاك الموت
يا وليدي موت على طول، في قصيدته الخالدة "يامنة"، أنشدها كهلًا، أما أن
تسكن نفس الفكرة عقل شاب في مقتبل العمر، ويجري على لسانه منطقها، ولو بتصوير
مغاير؛ فإن للوقع دَماء. وما يُدمي أكثر؛ كم النهايات المرسلة والقفلات الفجائية
في القصص، وكأن لسان الحال يقول: يكفي هذا، لقد مللنا، أو لعلّه آلية تعبير
مُستقاة من زمان كئيب بسرعته، على ما فيه من مُرفِّهات مزخرفة، عاجلة الأثر سريع
التلاشي؛ فلم يعد بهم توق لاستطعام الرَّوِيَّة، فاستبدلوها بتَلَذُّذ الطَّيْش.
أعي تمامًا محنة نشر العمل الأول، بما فيها من احتمالية
تنحية مراحل تنفيذية مهمة في إخراج العمل، وأتصور حجم الفرهدة والمناهدة للوصول
إلى اتفاق وسط، وإلى لحظة التوقيع المرتقبة. لكن وعيي لم يُعمِّي المآخذ، وتالله
لا نهمس بها إلا لشرف الكلمة، وصدق الطويّة، حسيس محب كي تُتدارك مستقبلًا ليس
إلا، ففي النهاية؛ ما أنا إلا قارئ، مجرد قارئ، أكسبته مجاوزة الأربعين فضيلة
التعرض لأساليب بلاغية شتى، وكتابات إبداعية مختلفة.
ومن ثَم؛ الراديكالية مع اللغة العربية تكاد تكون
الراديكالية الحميدة، إذا جاز لنا التعبير، حيث لا انفصال أبدًا بين الشكل
والموضوع، بل هما كتلة واحدة؛ من ههنا؛ لا ينفك التدقيق النحوي والإملائي، عدم
الاستهانة بعلامات الترقيم، أصالة التشكيل في المفردات حمّالة الوجوه، تقطيع
الفقرات؛ عن كونهم جزء لا يتجزأ من المضمون، من الإبداع، لا زوائد شكلية عليه، حتى
إنهم ليُكسبون النص رشاقة في الاسترسال، وسلاسة في الفهم، كما يعفون من كثافة
استخدام حروف وكلمات الربط والتتابع. في هذا السياق؛ لم أفهم - مثلًا - الدور
البلاغي ولا الشكلي لرموز الترقيم الأجنبية بمفتتح كل فقرة من فقرات "ثورة
على النفس"!
في الأدب العربي، الكاتب والقارئ شريكين عمل، الأول يمزج
ألوان المشهد، والثاني يستخدم الألوان في رسم الصورة؛ من ههنا؛ كانت التهيئة
النفسية للقارئ على الوجوب، لا الندب ولا الاستحباب، لكي يتخيل بجدية أداء وحركات
وانفعالات الأشخاص، في الفعل ورد الفعل، بينهم من ناحية، وبينهم وبين عناصر البيئة
المحيطة من ناحية أخرى، وهو يفيد في وضع القارئ في قلب الحدث، اللاتهيئة تجعل
كلمات أمثال: ردت، أكملت، أجاب، أردفت... مصمتة، لا تُدخل قارئ في المود، وتصير عبئًا
على الإبداع، لكن مع وصف بليغ وقصير لحال ومشاعر وهواجس من يرد ويُكمل ويُجيب
ويرُدف... تتجمل الصورة، وتكتمل.
الانتقال ما بين الفصحى والعامية في هلاوس جاء انتقالًا
رشيقًا. وعن نفسي لا أؤيد الحكم على أيّ عامية بالبلاغة والركاكة، ففي النهاية
تبقى العامية عامية، بنت للجغرافيا والتاريخ؛ فأينما ووقتما وقعت الأحداث، حازت
عاميتها الخاصة الفريدة، ولو رأى فيها أبناء الكمبوند كل ما هو نوتي، أو أحسها
جِلف يقطن مجاهيل الصعيد جلع ماسخ. غير أن الاكتناز سمة القصص القصيرة الآسرة
والأثيرة، من هنا يصبح ترهل وإطالة الحوارات بين الشخصيات، مُشتِتًا لمن يَقرأ،
ومُشتَتًا عما يُقرأ.
على أية حال؛ المجموعة القصصية هلاوس لا يمكن تحميلها على مصدر الفعل وحده، هلوسة، بل هي إشارات بما يموج في قلوب شباب هَرِم، وعقل جيل اتنسى.

