القراءة واحدة من المهارات المُكتسبة، فالإنسان بالبديهة يُولد وهو مفتقد لها بالكُلية، ثم ما يلبث عبر برامج تدريبية وتعليمية وعدة وسائل مادية ومعرفية أن يُتقنها.
تلك هي القراءة في معناها العام. ورغم أننا في مدونة رحابة معنيّون بجعل التعود على القراءة والإطلاع منهج حياتي، ومعنيّون أكثر بالمبتدئين وبالمترددين المُحجمين عن البدء ولو في شكل هواية تشغل أوقات الفراغ - رغم ذلك؛ نحن مؤمنون أنه لا بأس أبدًا من الحديث عن القراءة من أسفل، نعم من أسفل، بما يشمله ذلك من تعريفها لغة واصطلاحًا، وبيان مراحلها وكيفية تطويرها، وصولًا إلى تحويلها كمهمة يومية في حياة الأفراد، أو شغف يتملك القلوب بإبراز آليتها وفوائدها.
تعريف القراءة لغةً
بما أننا قررنا البداية من تحت الصفر؛ فلتكن بدايتنا مع
تعريف فعل القراءة في اللغة العربية، وهو التعريف القائل أن القراءة: "هي الصوت
الناتج عن نطق الكلمات المكتوبة، وهي المصدر من الفعل قَرَأَ".
هناك تعريف لغوي آخر يُعرِّف القراءة بأنها: "المُطالعة
في الكتب، والنُّطق بالكلمات الموجودة فيها"، ويشمل هذا التعريف نوعيّ
القراءة من حيث الأداء، وهما القراءة الجهوريّة والقراءة الصامتة. (نخصص لتلك
الأنواع مقالة منفردة).
في قاموس المنجد ذُكر أن القراءة هي: "النُّطْق بالكلمات
المكتوبة في كتاب، أو حتى مجرد إلقاء النَّظر عليها"، وهو ذات المعنى الذي
قصده معجم اللغة العربية المعاصر، فقد عرَّفها بأنها: "تتبُّع كلمات كتاب ما،
سواء صحب هذا التتبع نطق صوتي أو ملاحظتها بالعين فقط".
وأشار محمد عدنان سالم في كتابه القراءة أولًا إلى أن
القراءة في اللغة هي: "الجمع والضم والتنويع والإبلاغ".
تعريف القراءة اصطلاحًا
أما في الاصطلاح؛ فتُعرَّف القراءة بأنها: "عملية منهجية
تتم خلالها معرفة الصلة بين لغة الكلام والرموز المكتوبة"، واستند هذا
التعريف على أن لغة الكلمات المكتوبة بالضرورة تتكون من ألفاظ ذات معاني مختلفة، وكذلك
رموز وعلامات ترقيم تُشير هي الأخرى لمضامين ومعاني مقصودة.
اصطلاحًا أيضًا؛ تُعرف القراءة بأنها: "استخدام المعرفة
السابقة للقارئ في معالجة معلومات جديدة يقوم بقراءتها، حتى يقدر على تنظيم أفكاره
والوصول إلى معانٍ جديدة".
التعريف السابق يرتكز على أن القراءة من الأنشطة
اللغويّة الأساسيّة التي تجمع بين اللفظ الشفويّ للكلمات، ومن ثَم الجمل والفقرات،
إلى جانب اجراء عمليات ذهنية تعمل على تحويل هذا المنطوق إلى معلومات ومعارف.
من التعريفات الفنية للقراءة ما أورده شيفرد بيتر وجريجوري ميتشل في كتاب القراءة السريعة، فقالا: "هي عملية تفكير معقدة تستهدف تفسير الرموز المطبوعة على الورق -الرموز هنا تشمل الكلمات والتراكيب وعلامات الترقيم-، وذلك للتمكن من ربطها بالمعاني والتفسيرات المعرفية، والتي ولا شك تعتمد كليًا على خبرات القارئ الشخصية".
ووفق هذا تشتمل العملية على اجراء ميكانيكي يتمثل في رؤية الكلمات والحروف والتراكيب ثم نطقها، واجراء آخر عقلي يعمد إلى تفسير المعنى وفهمه فهمًا صريحًا ومباشرًا، وكذلك فهم سياقاته الضمنية التي لم تُذكر مباشرة فوق السطور، ولكن متوارية بين السطور، وبالعملية العقلية هذه أيضًا يحصل الاستنتاج والتذوق والاستمتاع والتحليل والنقد.
نخلص من ذلك كله إلى أن القراءة اسمًا وفعلًا هي: "القدرة
على معرفة الحروف والكلمات والتراكيب، والقدرة على النطق بها بشكل صحيح، ثم في
النهاية القدرة على إدراك معاني المكتوب، وتذكرها واستنتاجها وربطها ببعضها وتحليلها
ومناقشتها".
ولا يفوتنا أن نذكر أن مفهوم القراءة تطور لثلاث مرات بعيدة الزمن، حتى استقر به الحال الآن إلى عدم الوقوف عند استخلاص المعاني من النص المكتوب، ولا عند تفسير رموزه ومضامينه وربطها ببعضها من ناحية، وبالخبرات الحياتية والشخصية من ناحية أخرى، بل امتد إلى التفاعل مع النص ونقده وتحويره ليكون صاحب دور في حل المشكلات.
