اكتئاب تعويم الجنيه الذي لم أهنأ به

اكتئاب تعويم الجنيه الذي لم أهنأ به

أميل في اللحظات المفصلية إلى إعادة تفكيك ما جرى، ثم إعادة تجميعه مرة أخرى. ولا أظن هناك حدث هو أكثر مفصلية من تعويم الجنيه المصري! ظننتها حيلة ذاتية بحتة، حتى رأيتها أداءً مجتمعيًا عامًا لمّح إليه "عمرو موسى" في مذكراته "كتابيه"، وهو يحكي عن حال الناس وحاله، عند لحظة مفصلية كبرى في حياة هذا البلد، 5 يونيو 1967م، أعاد الناس حينها تفكيك الحقائق، وهو منهم، فقد أعادوا التفكير في امتلاكهم مصانع كبرى تُنتج من الإبرة للصاروخ؛فاكتشفوا أنها فعلًا تُنتج، إبر خياطة، ولكنها تتثنى وتصدأ، تُنتج صابون، لكنه ردئ لا يخلق رغوة.

لست وحدك هكذا إذن! هذا مُطمئِن على أي حال.

هربت من لحظة تعويم الجنيه المصري القاسية إلى تفكيك ما جرى بالسؤال القديم الحديث: ماذا لو...؟

ماذا لو لم تكن هنا؟

ماذا لو لم يحدث ما حدث؟

ماذا لو قاسيت التعويم وحدك؟

ماذا لو لم تتزوج فتحمل الهمّ أربعة أضعاف؟

قال "أرسطو" إن الفن هدفه النهائي التطهر. والنقد فن ولا شك. وسؤال ماذا لو؟ على درب النقد، وهو بالضرورة على مدارج التطهر.

لكنّ الأهم قبل النقد وقبل التطهر، لماذا التفكيك وقد كان ما كان؟

تظل الوحدة أنيسة قبل لحظة التفكير في الزواج، تكرّ معها الأيام، إلى أن يتسلل الملل، فتحاول الاحتيال عليه أولًا، ثم مراوغته؛ فتكتشف أنها محاولات محكوم عليها بالفشل سلفًا.

تبدأ بالتفكير في اختيار ونيس، بشوق المبتدئين وحماس من لم تطحنه التجربة؛ لتجد نفسك أمام غابة وحشية، عدد مذهل من الفتيات مروا على حياتك؛ فتخوض فيهن مستعينًا بالرغبة والفضول، أو بالأحرى بالملل والخوف من الوحدة، أو بالأدق بقناعة عميقة أنه لا شئ لتخسره.

تقول الأسطورة إن الناقد الأمريكي "كليمنت جرينبرج" كان يحمل مُفكرة صغيرة يُدوّن فيها تقييمه لعشيقاته، الطباع والموهبة والذكاء، بل والتفاصيل الجسدية، فيمنح أحيانًا أجزاءً من أجسادهن تقييمًا برقم من عشرة.

لكنك لست "جرينبرج"، ولا تملك عشيقات، ولا تبحث عن واحدة تكون كذلك!

أسابيع بلا جدوى تتأرجح خلالها بين الترقب وبين خيبة الأمل إلى أن يحط السأم والكدر والاصطدام بحائط الإحباط واليأس؛ فتظهر حقيقة مطلقة جلية: الفتيات كثيرات لكن المعروض من الرجال هو الآخر كثير، تخطفك حينها ندّاهة الاستثنائية؛ فتصرخ في نفسك، ينبغي أن تقدم الشئ الاستثنائي المختلف، الذي يلفت عين المتفرجة وانتباهها.

لكن كيف إذا كنت ممن يضيق صدره بالبدايات الهيستيرية؟! كيف وفي القلب الصغير يتجاور الخوف والتطلع، الوحشة والشوق، الرهبة والحماس؟!.. الخوف بحد ذاته يغلق الدماغ ويحبس بداخل قفص.

تهرول إلى إعادة صياغة البروفايل الشخصي، مرات ومرات، وكأنها رحلة داخل نفسك وعقلك. تضع جملة مفادها أنك جئت لتستقر؛ تفضل المرأة من يعدها بالاستقرار. جملة للتفوق والتميز؛ تؤمن المرأة باستحقاقها لرجل متميز حتى وإن كانت عاطلة عن أي مميزات، لكن بلا نرجسية منفرة، فالمرأة تنفر ممن يرى نفسه ولا يراها. جمل بأنك تفضل هذا العطر مقارنة بذاك، وهذا بذاك، وهذا بذاك.. لتؤكد على أنك صاحب ذوق ولست إرهابيًا مخيفًا. دعابة لطيفة تلعب على وتر المفارقة بين حقيقتك وأي صورة ذهنية مرسومة لك، ولابد أن تكون مباشرة وسهلة الفهم لتؤدي وظيفتها في إشعار من أمامك بأنها لمَّاحة وقادرة على التقاط المفارقة مما يعدها بصحبة طيبة وممتعة..

هكذا تتعرف على نقاط قوتك وجاذبيتك لتسوقها، وعلى نقاط ضعفك فتتحايل عليها إما بالتجاهل أو بالسخرية. وأخيرًا تتزوج.. بعد حب أو قبله ليس مهمًا، المهم أنه حصل.

اكتئاب تعويم الجنيه الذي لم أهنأ به

بالطبع لا تحدث الأمور بهذا الشكل الكاريكاتوري، هنالك الكثير من التفاصيل، لكنها ليست تفاصيلك وحدك، فهناك شركاء نسجوها معك، غير أن ما سبق نسيجك أنت، من البذر إلى الصباغة، ما فات ممتلكاتك الشخصية الخاصة، على الأقل أمام نفسك.

إلى هنا تكون قد قفزت طوعًا من جنة الطمأنينة الباهتة إلى دنيا الألوان، إلى دنيا التحدي. فيتجلى أمامك أول التحديات: ماذا يقول الناس لبعضهم البعض حين يقضون كل هذا الوقت معًا؟ فتحاول أن تحافظ على خيط الحوار مشدودًا. الحوارات الطويلة لا تفيد، وإظهار التلهف منفر. لكنّ الكل أخبروك بالدفء في دنيا الألوان الجديدة، الدفء المُلطِّف لكرابيج التحديات؛ وعليه تُهمل الحوارات جانبًا لتفتش عنه في أشياء أخرى: همسات، لمسات، قفشات، حتى في العصبية.

ثم تبدأ في تجاهل إيروتيكية النص، في عدم الاعتبار للتنويه +18 المدمغ على غلاف الحدوتة، تمامًا كما تجاهلتهما في الحكايات القديمة، واعتبرت فقط لكون الحكايات تمرين على الخيال. وبنفس الخيال تنتحل بطلك القديم، حين تدافعه محبوبته ضاحكة، تتمنع، ثم ما تلبث أن تسقط قشرة الممانعة المزيفة أمام نهر الحقيقة المتدفق. تشرع وقتها في مراجعة الدلالات وسؤال القواميس والمعاجم. لماذا اختاروا لتطبيق مواعدة اسم تندر (Tender) بالتحديد؛ ودلالاتها في القواميس: مناقصة وعطاء ومزايدة، سفينة خدمات وعربة إطفاء ومقطورة ماء ومقطورة وقود، وفاء ورقيق ولين وحنون وناعم وحساس ورؤوم وهش وعذب وسهل الكسر ومحب وواهن ولطيف وطرى؟!

كيف يجمع فعل واحد، المواعدة، دلالات لا تجتمع؟! ما العطاء الذي نقدمه؟ ولماذا هو ملتهب؟ وكيف على تلظيه حساس وعذب؟! لعله كومة قش مثلًا، فكما يُفترض بالقش أن يستجيب للشرر فيشتعل بالنار، كذا ينبغي أن يستجيب القلب للميل ويشتعل بالحب!.. يجد المفتون باللغة والدلالات في الإحالة ذكاءً بديعًا.

تأخذك الأيام بعيدًا؛ فتكتشف حقيقة أخرى: الزواج لا خير ولا شر، لا صدق ولا زيف، لكنه موقف تجد نفسك عالقًا فيه كل يوم، بلا إرادة حرة واضحة، فتواصل، تواصل متعللًا، وفي أعماقك لا تشعر بالذنب، ولا بالعار، بالرغم من أنهما الشعورين اللذين اعتبرهما "فرويد" أهم شعورين إنسانيين لحظة المكاشفة.

فتعود وتؤكد لنفسك أن كل هذا الذي حدث لا يعني أنك في كذبة، ينبغي أن تترفق بنفسك. وتعاود تذكر الحقائق الصادقة، القديمة: حب الأدب، الافتنان بمنظر الكتب، الإثارة بملمس الورق، الوقوف مسحورًا أمام مكتبة تبيع كتبًا أو تبيع أدوات مدرسية، لحظات النشوة بقراءة سطر بليغ أو عبارة حلوة، اليقين المبكر أنك تنتمي لهذا العالم. كل هذا لم يكن وهمًا ولا كذبًا، كل هذا الشغف الصادق الذي يزيد ولا ينقص، تكبر فيكبر معك.

تستجير بأبيات أحمد شوقي في مصرع كليوباترا: يومي بأيام لكثرة ما مشت فيه الحياة***وليلتي بليال.. استجارة حقيقية؛ لأنه فعلًا صارت أيامك تمشي فيها الحياة.

اكتئاب تعويم الجنيه الذي لم أهنأ به

ثم تعبر فوقك اللحظة المفصلية، تتقهقر، تسأل نفسك من جديد، بجدية: ماذا لو؟

تتهاوى الجدية قبل الوصول إلى علامة الاستفهام، تجد الهلع الذي تسأل به ما إلا قشرة ثلج ذابت لتظهر عنها صخرة في الأعماق، مستقرة، هي أنك لست وحدك، بجوارك من تحنو، حواليك من تُهوّن، وإن بانت في أعماقها مرارة أصيلة، جعلتها غاضبة باستمرار، ورغَّبتها برغبة هادرة في الوصول إلى شئ لم تعرفه بعد.

يكفي هذا لشخص لم يعد قادرًا على تجاوز المفصليات وحده، فقد حماسه للبكاء، للتشكي، حتى إنه فقد حماسه لآراءه القديمة، نسيها أصلًا، آراءه في أيّ شئ وكل أحد، في الكتابة الجديدة، في جيل الستينيات، في قصيدة النثر، في موجة النسوية، في ثورة يناير، في الإسلام السياسي، في الحب.. ألقى بكل هذا الركام داخل كراسة حقيقته، قبل أن يدفنها بعيدًا، في أعماق النهر.

يكفي مجرد هذا الوجود في الجوار لأن يكون شيئًا أسطوريًا. يكفي لأن تجدك على مهلٍ وبتلذذ تفعل ما لا تريد، وربما بلا وعي. أو تجدك، ودون أن تعرف كيف، تقول بصدق عكس ما تريد أن تقول، وتفعل باستماتة ما لا يعنيك أنت، ولكنه يهم شخص آخر.

يكفي لأن يلقي سيزيف صخرته ويتحرر، يرتاح، كنوع من التمرد المكتوم على اضمحلال تعيشه، وعلى البهائم الذين تحيا وسطهم. يكفي في زوال كل عائق بينك وبين نفسك؛ فتتخندق مطيعًا داخل قول "المعري": أما اليقين فلا يقين***الحق عندي أن أظن وأحدسا، وتلهث بمزاجك خلف تطبيق وصية "ابن الملوح": نهاري نهار الناس حتى إذا بدا***لي الليل هزتني إليك المضاجع.

يكفي لاستعادة الحماس. لأن تعمل بجد لأجل عيون الدفء.

ضع للحياة بعد الزواج الصفة التي تشاء: مضجرة، مرهقة، موجعة، مفيدة، ضرورية، ناجعة، عجيبة، غامضة، مريبة، مشكوك في فاعليتها... كلها صفات مقبولة. لكن الصفة المؤكدة أنها طريفة، تمنحك طوال الوقت لحظات مسلية، مواقف طبطبة مفاجئة لا تخطر على بال، فلا تنشغل طويلًا بالمفصليات، ولا تفزع كثيرًا من كونك خلقت استقرارها، وها هي تفلت من بين يدك وأنت عاجز. لأنك ستجد حتمًا سلواك في وشوشة خفيضة تقول بِوَلَه: أنا هنا، أنا بجوارك، لا تقلق، نحن معًا. ستجدك تصالحت من زمن مع ما سلبك الزواج من حريات، بما فيها حريتك في أن تكون مكتئبًا.