بدراماتيكية تتصنع الجدِّية بإكثار الوعيد؛ تتوالى على مسامعه رصّة تعبيرات لامتجددة المضمون، ولاخَلاَّقة الأداء، مجرد صياح مُستنسَخ، نشاز عام، ولو اختلفت فيه النبرات: "يا ابني يالا.. كفاية نوم.. معاد المدرسة هيروح.. والله لو ما قمت لآجي أخلي العشرة منك بقرش".
نفس الدراما تتكرر كل صباحٍ مدرسيّ، وذاته الوعيد لا
يتغير.. ولا يُطبق!
هو لا يدري - بحكم سنّه - ما معنى أن يصبح العشرة منه
بقرش؟! حتى إنه لا يعلم سلعة يمكن في مطلع التسعينيات شراؤها بقرش منفرد، أصغر فئة
عملة قبضها مصروفًا يوميًا كانت خمسة وعشرون، تحتويهم ورقةٌ زرقاء، وأصغر قيمة
بذلها في مقابل أصغر شئ خمسة قروش تحتويهم ورقة يغلب عليها البياض.
كان عقله أصغر من أن يستوعب كل هذا الهراء. فكَّر في
المعنى كثيرًا، أُرهق، لم يهتدي؛ فقرر التقهقر عن المواجهة إلى المماطلة.
تكاسل في النهوض من على السرير، واجلًا في الأول، خاف
تحول التهديد - الذي لا يفهمه - إلى واقع مُعايش، ولما فطن إلى أنه ديدن الأمهات
في كل شقق البناية باستراق السمع مرات من خلف نافذة الحمّام المطلة على المَنْوَر،
مكب اللعنات الأسرية الخارجة عن حدود اللباقة، استهان بالوعيد، وما لبث أن طوَّر
التكاسل.
تتبع من داخل البطَّانية تترات البرامج الإذاعية
الصباحية المبثوثة عبر إذاعة البرنامج العام؛ ليحدد أنسبها ميعادًا في إتاحة وقت
كافي بين النهوض والتجهَّز الكامل للخروج في موعد آمن للحاق بطابور الصباح، ليس حبًا
في الطابور، بل خوفًا من العقاب.
ظل أسبوعًا كاملًا في التجربة والخطأ، حتى استقر على
التتر الأمثل.
تركيزه في التترات كل صباح؛ أغرمَه بها، صارت تحكي
موسيقى كل تتر منهم حكاية حياة أجمل آتية، فُيرسل الحكي في جسده قشعريرة حلوة،
ويزغزغ قلبه بدبيب مُطرِب.
وهكذا بقت موسيقات: يا صباح الخير ياللي معانا، يا حلو
صبح يا حلو طُل، قطرات الندى، أخبار خفيفة، بالسلامة يا حبيي بالسلامة، كلمتين
وبس، موسيقات عمره، معزوفاته الآسرة، حفظها عن ظهر قلب، تستدعيهما أُذناه بدون
إلحاح منه، تُدندن بهما وقت الضجر والحنق؛ فيُماطل بهم الألم، ويُفسح بفضلهم رحابة
للسكينة والتريث.
وهكذا بات النزوع إلى استعادة أنغامهم في صمت سجيّة، على الرغم من تجاوزه الأربعين بشهور، وقد انزاحت المَدْرَسة، وتوقف عن سماع الإذاعة صباحًا، بل واستبدل برامجها بالبودكاست، وأهمل المذاييع وافتتن بالهواتف الذكية.
التهديد هو الآخر انقشعت عباراته بأداء ترنيمها وتنغيمها المُسْتَهْجَن، وحلّ محلهم صياغات وتراكيب أحدث، بترتيل مُغْرٍ. لقد حل محلهم ترنيمة فاتنة، تُنغِّمها له زوجته: "كل الناس بيقولولي ربنا يقويكِ على الأطفال الصغيرين، ميعرفوش إني محتاجة اللي يقويني ع الطفل الكبير.. ما أنا اللي غلطانة برده! كان لازم اسأل الأول: هل الجواز من مسؤولياته (التصحية)؟ وبعدها أقرر إذا كنت أدها ولا انسحب بكرامتي أحسن".
الشيء الوحيد الباقي بعد كل هذه السنوات والتبدّلات،
ولكن بدون موسيقاه التصويرية القديمة، المُسْتَحْوِذة، ردّه الغائم النبرة من أسفل
البطّانية: "حاضر يا ماما يووه.. صحيت أهوه".
كان يدلف إلى الشارع وقد ملئت الموسيقات خلاياه بسعادة غامضة، لعله النجاح في تمثيل مشهد المماطلة بخلفية من سيمفونيات حالمة هو ما منحه نشوة انتصار متخيل، قوة مقاومة وصمود، على ما حسبه في حينه قيود، خضوع، انسياق، انصياع، أو يمكن هو ما مكّنه من قول أول لا في حياته، ولو قالها مكتومة، متحايلة، ولو قذفها بخطيئة صبيانية في وجه أمه.
عَقَد غموض اللذة هذا بروتوكول تعاون بين الحواس، لن
تخذل حاسّة أختها، سيتكاتفون جميعًا لأجل المحافظة عليها عند أعلى مستوى متاح،
ولأطول فترة ممكنة من ساعات الحبس المدرسيّ.
من هنا؛ لم تكن تتلون عينيه، وهو يقود دراجته الهوائية،
إلا برمادية سماء الصباح الشتوي، وخضار الأشجار المبلل، وابتسامات عفو الخاطر
الخجولة البياض. ولم تكن تشتم أنفه إلا أنفاس الصبح المُرتعِشة، ورشّات التوابل
المُخْتِلِجة، وطشَّات التحمير المنتفضة بتشنج من طاسات عربات جائلة، لوّنها
أصحابها بالمُشرِق الزاهي بطاقة تعريف بتخصصها في وجبة الفطور.
أذنه كذلك ما كانت تُدغدغها غير متواليات من نُتَف
أهازيج محمولة على نسائم ناعمة، تصدح بها "نجاة الصغيرة" من فُوَّهَات
منمنمة لمذياع مُدار خلف نافذة نصف مغلقة، وبالرغم من تسبب حركة الدراجة في وصول
نتف الأغاني منتوشة نتْشًا يستعصي على إعادة التجميع؛ إلا أنه وَلِعَ بنجاة
المطربة، وأصرَّ على تجميع النتف تجميعًا يخصه وحده، ليظل سنوات يردد الأغنية بطريقته
الخاصة جدًا، والفريدة جدًا، مستنكرًا أي محاولات لتصحيح ما ألحقه بالكلمات من أخطاء
جسمية لا تُغتفر، بل عاندهم جميعًا بإصرار عجيب على الخطأ: "عين يا ليل يا
ليل يا ليل يا قلوب مدارية.. ياما جرح الورد أيادي حتى الجانينية.. حتى الجانينية..
لا العاشق مرتاح ولا الخالي مرتاح.. خلينا من السكة آدي على البر مراكبية.. عين يا
ليل يا ليل يا ليل.. ياما شوفنا في عيون حلوين حكايات القلب المسكين.. في آخرها
انجرح الياسمين.. يا ورد يا أبو الشوك ارتاح.. مش كل الحلو تفاح..".
وبعد قليل سنين، استحوذت على مراهقته "نجاة" الأثنى.. منامًا، واستيقاظًا.
بكل أسى؛ ما إن يبدأ العزف الخشن للنشيد الوطني، ترافقه
جوقة بهائم تُنعّر وهي تتثائب، حتى يلعن العيش والعائشين، ويمضي في دبدبة
الأرض وركل الحصى بعصبية مبالغ فيها. وفي الوقت نفسه؛ كان يتفنن في ابتكار أساليب
تُعيد لخلايا جسمه نشوتها، ولتلافيف مخه نَجَاتِها القيثارة.
تقلَّب بين ابتكارات عدة يختبرها؛ فنجح منها إعلان العصيان في وجه النشاز والخشونة والتثاؤب والجعير بتحريف النص حين يُجَعِّر متخفيًا وسط القطيع: "بلادي بلاي بلادي لك حبي وفؤادي.. مصر يا أم البلاد.. شمِّيطا إي لل لالاااا.. بو رور رو رو أوه هاهاا.. كم لنيلك من أيادي.. زبادي زبادي زبادي.. يا ولاد الجزمة يا ال أعادي.. زبادي زبادي زبادي.. طظ فيك يا أوساذ شادي".

