في ملهاة العابثين .. متي تتوقف "صفية" عن الرقص؟

راقصة شرقية


في العام ١٩٨٧ اكتشف واحد من أثرياء الريف مقبرة فرعونية ضخمة في قرية من قرى صالحجر، كانت عاصمة لمصر الفرعونية في فترة من الفترات، كانت أمامه مشكلة ضخمة في نقل مقتنيات تلك المقبرة من أسفل بيته إلى خارج القرية حتى يتسني له بيعها وتهريبها، الأمر الذي دفعه إلى الاستغراق في التفكير، وخاصة بعد علم أهل القرية بأمر ذلك الكنز الضخم والتربص له لمشاركته فيه. تفتق ذهنه عن حيلة سحرية تسمح له بتهريب كنزه بعيدًا عن أعين القرية؛ لا حل إلا "صفية"! و"صفية" كانت راقصة من راقصات الريف شديدة الجمال.. فتنتها كانت عصية على المقاومة.

اتفق معها على إحياء ليلة رقص مجانية في القرية، تُقام فيها الولائم وترقص حتى يبزغ ضوء النهار، وبالفعل رتّب لكل شيء، وأقيمت الليلة حتى أصبحت القرية فراغ..

اجتمع أهل القرية في الشادر، حتى النسوة ذهبن متلفحات بنار الغيرة ليشاهدن "صفية" التي أسرت ألباب وقلوب أزواجهن.. وتم نقل المقبرة كاملةً.

مرقت الخدعة على أهل القرية. الغريب أن الثري ظل يستخدم تلك الطريقة كلما ضاقت الأمور في وجهه أو حدثت مشكلة في القرية وأراد حلها.. على الفور تكون جملته السحرية:

- فلترقص "صفية".

الحقيقة أن هذه الطريقة هي الطريقة الأشهر التي تستخدمها كل أنظمة الحكم الفاسدة بلا استثناء، فبنظرة سريعة على التاريخ؛ سنكتشف أنه وفي العام ١٩٦٨م، بعد خروج المظاهرات في مصر تنديدًا بالنكسة، وللمطالبة بتعديلات وتغييرات ومزيد من الديموقراطية - سنجد أن "ناصر" بعد إلقاؤه بيان ٣٠ مارس الذي استهدف منه إحداث تغيير جذري -ظاهري فقط-، لجأ إلى "صفية" أيضًا؛ فقد صحى الناس ذات صباح على كنيسة العذراء يعلوها طيف أزرق.

قال عنه الناس: إنه طيف السيدة مريم العذراء، وعلى الفور تكدست الحشود، أقباط ومسلمون، من المدن ومن القرى، أمام الكنيسة لأكثر من شهر، بُغية رؤية السيدة مريم البتول، وظلت الصحافة شهرًا كاملًا لا تتحدث إلا عن هذا التجلي، وهذا الحدث الجلل، الأمر الذي أدى إلى إخماد جذوة المطالبات بالتغيير تمامًا؛ لتنجح خدعة "صفية" مرة جديدة..

توالى الاعتماد على "صفية" مرات لا حصر لها، بأشكال شتى ورقصات مغايرة، رقصات في أصلها مزيفة، وهدفها الأول والأخير ليس إمتاع الجموع، أو لنقل لا بأس من بعض الإمتاع الخادم للهدف الأكبر المنشود، هدف التعتيم، صرف الأذهان.

المدهش؛ أن التحول الرقمي بكل أذرعه الأخطبوطية الطويلة جدًا، انهزم هو الآخر أمام "صفية" وليونة رقصها، فهي لا تزال ترقص بنفس الرشاقة والخفّة والإثارة، رقصات شتى، تنجح منهم واحدة في إحلال التفاهة محل الجدية، وتنجح الرقصات جميعًا في جذب المشاهدين -المتباينة قدراتهم العقلية واهتماماتهم- إلى التموضع بداخل مربع ضيق على رقعة الحياة، مربع جانبي فارغ، إلا من سفاسف دنيئة مقارنةً بما تحتضنه بقية مربعات الرقعة من جِسام؛ فينشب بين جموع المتفرجين داخل هذا المربع الملهاة عراك إلى حد التطاحن واللعن، لأن إحداهن من الشهيرات أطلت على متابعيها الافتراضيين مكشوفة "الوركين".

المضحك؛ أن ""صفية"" حينما ترقص لا تكشف عن فخذيّها وحسب! رقصات "صفية" عند كل من لديه مسحة إدراك ولو ضئيلة؛ رقصات تعريّ كلها! عريّ رخيص، مبتذل، ولا أحد يسأل: متي تتوقف ""صفية"" عن الرقص؟!