الوالدة باشا: "أنا عايزة كلور يا إبراهيم،
ومتقوليش الورد ريحته أحلى من الكلور، وكيلو الكباب والكفتة أنفع وأفيد، هاتلي
كلور يا إبراهيم".
****
يؤكد د/ مصطفى محمود على أن: "كل أحاديث المرأة في فترة
الخطوبة عن غرامها بالثقافة والفلسفة والفكر هي أكاذيب تكشفها حقائق أول أسبوع بعد
الدُخلة، حيث تبدأ أحاديث الفساتين والموضة وتسريحات الشعر".
ونحن نثق في أطروحته - رحمة الله عليه – بدرجة أو بأخرى،
ولكن – أيضًا ومع الأسف - لا يسعنا إلا أن نلومه؛ فهو - غفر الله له - لم يذكر شيئًا
عن أحاديث الكلور.
كما تؤكد لنا دراسة علم المنطق؛ أن النتائج لا بُدّ مرتبطة
ارتباطًا وثيقًا بالمقدمات، وهو ما نستشف منه انفراج المقدمات المجنونة عن نتائج
مخبولة.
ولكن؛ هل تخيل "ارسطو" ذات يوم نتيجة برائحة
الكلور لمقدمة برائحة الورق؟!
والمقدمة كانت هناك، في كراسة 28 ورقة، استقرت أخيرًا في
قاع النهر. كراسة صبي قلبوظ قرر تحدي سنوات عمره التي لا تجاوز 13 عامًا؛ فهُزم
هزيمة نكراء، أشقّ ما فيها أنها أودت به إلى قعر بئر سحيق، لن ينضب مخزونه؛ من
الكلور طبعًا.
****
يقول جوته (عالم الطبيعة والشاعر والأديب والمفكر
والفيلسوف الألماني): "ما لا نستطيع فهمه بالكامل لا نستطيع السيطرة عليه".
وهو ما حدث فعلًا، فلم نعد نسيطر على تدفق رائحة الكلور
إلى النغاشيش، مهما فتحنا النوافذ وبخّرنا ونثرنا اسبراي المعطر كله في الجو،
لأننا لم نفهم الأمر بالكامل، فذلك الصبي القلبوظ ذو السنوات العشر ونيف، حين قرر
أن يتحدى نفسه، لم يكن قرأ بعدُ قول مصطفى محمود: "المقدور المحظور حينما يقع،
لا أحد يفرضه علينا، وإنما نحن نختاره، القدر والمقدور، وما يحدث لنا هو بصماتنا، بصمات
نفوسنا".
كل ما هنالك أن وجوده أواسط التسعينيات بداخل خزانة
للكتب المستعملة، بسقفها العالي وأرففها التي ينام عليها آلاف النسخ من المجلدات؛
أثار في نفسه حمية شباب لامنضبطة، خاصةً مع مهابة رؤية هذه المجلدات الفخيمة، القديمة،
العائدٌ تاريخ طبع بعضها إلى أربعينيات القرن العشرين، بل وبعض الكتب نسخ مكررة بالعشرات.
الحقيقة؛ صاحب الخزانة تاجر لا يُشق له غبار، عاشق من
ناحية، ومحترف من ناحية أخرى، بالدارجة: "بياع على أبوه"، بدأ في تكوين محرابه
الثقافي/التجاري هذا منذ أن كان صبيًا في التاسعة، سريح يبيع الجرائد ويشتري الكتب
القديمة من أصحابها، أو بالأدق ورثتهم، كان يستحوذ على أجعصها مكتبة في 15 دقيقة،
واللوم لا يطوله، بل يطول ورثة - الله يرحمه - صاحب المكتبة، الأغبياء، الذين
ارتأوا المال أهم، ولو قروش لا تفي المكتبة عُشر ثمنها، ولا تفي وقت وعرق ومال وتمقيق
عنين فقيدهم عُشر العشر.
****
في محاولتنا للفهم، دعونا نعود إلى د/ محمود وقوله: "الحب
عاطفة غير ديمقراطية". ولا شمولية والله يا دكتور، الخلاصة أننا كأزواج نرضى ونذعن
ولا نعرف لماذا؛ فترانا نشتري بأريحية نفسية بالغة، وبسرعة، وأحيانًا بتهور، محتمل
تفسير ذلك يكمن في قولك الآخر: "الأنوثة هي خصائص مجردة معنوية روحانية، إنها
في الصوت والنبرة والرائحة والحركة، وفي نظرة العين الفاترة الدافئة العطوفة
الحنونة، وفي اللفتة الفياضة بالرأفة والأمومة".
هل ذكر شيئًا عن الرائحة؟! ها قد بدأ يفطن إلى حديث
الكلور.
****
أخذت الصبي العزة بالإثم، رأى في خضرة الشارب إذانًا باقتحام
حصون المجلدات المنيعة، وإفقادها توازنها في ست ساعات، مدة مكوثه بالدكانة في أيام
الإجازات الصيفية.
ومع الرعونة والمبالغة في القدرات الذاتية، حسبت الخطة
الهجومية حساباتها، واعتبرت للمفاجآت كل اعتبار؛ فكان سلاحه أثناء المعركة: قلم، وكراسة
28 ورقة/56 وجه.
صعد على السلم الخشبي منتشي، حتى الرف قبل الأخير، أغمض
عينيه، مرر أصابعه على المجلدات الضخام، النائمة متجاورة، والتقط واحدًا، ونزل وهو
لا يزال مغمض العينين.
******
(مشهد 1)
ليل خارجي
عربة الدرجة الأولى في قطار الصعيد رقم 966 المنطلق من
محطة رمسيس في العاشرة مساء أحد ليالي شتاء يناير الكئيب بالعام 2013
أسرة مكونة من أب وأم وآنسة في أواخر العشرينات من
العمر، يقابلهم في المقعد المجاور للأب شاب في مطلع الثلاثينات، بيده كتاب وقلم
رصاص، وما يلبث أن ينفجر في القهقهة.
يرتاب الأب في معاناة الغريب من مرض نفسي ما، يومئ إلى
الأم باحتضان البنت وتكوير جسديهنّ ولملمتهما على بعضهما، بغرض صنع مسافة أمان بينهن
وبين الشاب، ويتنقل الأب بنظراته بين وجه الشاب وبين الكتاب الذي في يده، ويستعجب في
صمت، فمما يبدو على الكتاب أنه مجلد علمي محترم، وليس مجلة هزلية، وبالتأكيد لا
يستدعي محتواه الضحك. يُشير - بعد طول مراقبة - إلى زوجته وابنته بحركة الجنون المعروفة.
****
من مأثورات جوته – أيضًا -: "من الحمق استهانة
المرء بعدوه قبل المعركة، ومن الدناءة التقليل من أهميته بعد الانتصار"؛ ولعل
هذا هو السر الأصيل في فشل الهروب من شراء المنظفات عمومًا، والكلور تحديدًا، مهما
سيقت من أعذار مالية وجسمانية؛ فنفسه جوته يقول: "المرأة المطيعة تتحكم
بزوجها"، والقائل أيضًا: "عندما يقع المرء في الحب؛ يتمنى أن تقيده
السلاسل".
يبدو أنهن يتحكمن بالطاعة، وبالحب، وبقوة سلاسل الأدلة
والبراهين.
****
(مشهد 2)
يتجرع الغريب ألم إهانة نعته بالجنون، لا شئ إلا لأنه لا
يزال لا يتمالك نفسه، وفجأة يتوقف عن الضحك، ويقرر أن الدفاع عن نفسه، وحكي حكايته
بدون سابق إنذار.
- لا والله ما مجنون، أنا هحكي لحضرتكم الحكاية، الكتاب
ده اسمه "أباطيل وأسمار"، للأستاذ/ محمود محمد شاكر، وأنا حوالي 12 13
سنة اخترته عشوائيًا كده عشان اقرأه، كنت زهقت من الروايات والقصص، وتقريبًا كنت عايز
أعمل فيها علامة زمانه، بصراحة كنت هايب الشكل ده من الكتب، أيوه كنت بفرّ أوقات
كده في الفهارس والمقدمات من باب العلم بالشئ ليس إلا، لكن أقرر اقرأ مجلد من
المجلدات الكتير اللي كنت وسطها من أوله، ده كان قرار صعب وخد وقت كتير أوي وتفكير
مليان خوف أكتر.
المهم...
****
يسأل مصطفى محمود: "كيف تحافظ الزوجة على زوجها
وتجعل حبه يدوم؟"
ويجيب: "لا توجد إلا وسيلة واحدة، أن تتغير، وتتحول
كل يوم إلى امرأة جديدة، ولا تعطي نفسها لزوجها للنهاية، تهرب من يده في اللحظة
التي يظن أنه استحوذ عليها، وتنام كالكتكوت في حضنه في اللحظة التى يظن أنه فقدها،
وتُفاجئه بألوان من العاطفة والإقبال والإدبار لا يتوقعها، وتحيط نفسها بجو متغير،
وتُبدل ديكور البيت وتفصيله، وألوان الطعام وتقديمها".
بصراحة يا معالي الدكتور؛ ولا أخفيك سرًا؛ حتى ولو حدث
كل ما سبق، ستبقى بحبوحة العيش وهنأة الزواج معلقة في رقبة زجاجة لتر الكلور،
أينعم جوته قال: "من الخطأ أن تكون الأمور الأكثر أهمية تحت رحمة الأمور الأقل
أهمية"، لكنه واقع مستجد، لا ينكره إلا جاهل أو مدعيّ أو مغرض أو عديم
المفهومية.
****
(مشهد 3)
تدور الكاميرا على وجوه صحبة السفر كلهم، تلتقط نظرة
معلقة من الشاب الغريب على وجه الآنسة التي لم ترفع بصرها عن أرضية القطار منذ بدأ
الحوار، يلاحظ على وجنيتها حمرة، لا يستطيع تفسيرها، هل ضحك مكتوم من سخافة ما
يحدث، أم خجل.
- المهم يا عمي؛ كنت مقرر قرار، معايا كراسة وقلم، وأي
كلمة تقف قصادي ومفهماش اكتبها وارجع اسأل على معناها أي حد كبير، تحديدًا أبويا
أو أستاذ محمد صلاح مدرس العلوم. مقولكش؛ مفيش 3 4 صفحات من الكتاب، من المقدمة
يعني، إلا وكنت معبي نص الكراسة الـ 28 ورقة، يعني 28 وش كاملين، لأ وإيه! كل وش
مسطره بالطول 3 عواميد، ضربت نفسي 100 جزمة، أنا ايه اللي جبتو لنفسي ده، أنا ايه
اللي جبني هنا، ووقعت على راسي من الضحك وأنا بفر الكراسة وأعد الكلمات المكتوبة.
القصد...
*****
الأثير في جدال دور الكلور المحوري ونجاح الزواج في مصر،
فضلًا عن دوره الجوهري في إثراء مستقبل البشرية؛ أن حجج الإثبات المُساقة كل مرة،
وإن اختلفت وتطورت وتجددت بالحذف والإضافة، إلا أنها في المحصلة تطبيق عملي ممنهج
لما قاله جوته: "وضوح الغاية عند الإنسان يسبب له الاطمئنان ويؤدي إلى
السعادة".
والسعادة والاطمئنان الكائنين في أولوية الإتمام اليومي
على ركن المنظفات، والتثبت من عدم انخفاض منسوب سائل كل عبوة عن حد الأمان والسلام
النفسي؛ مرتكزان ولا شك على كلام جوته نفسه: "يمكن للأبناء أن يولدوا مؤدبين
لو كان آباءهم كذلك"، ولكن بنوع من التحوير الشعبوي: يمكن للأبناء أن يولدوا
مؤدبين لو كان آباءهم مستحميين، وبما أنه (أي جوته) أضاف: "يتوقف مصير كل أمة
على شبابها"؛ فلا شك في امتداد التحويرة للإضافة أيضًا، لعلها: يتوقف مصير الجوازة
على مقدار فحفحة روائح الكلور في البيت.
****
(مشهد 4)
يختلس الغريب نظرة سريعة على وجه الفتاة مرة أخرى؛ فيقع
المحظور، وتتلاقى العيون، فقد كانت تختلس نظرة من حين لآخر هي الأخرى، أثناء الحكي؛
فيرتبك، ولكنه يُكمل.
- القصد ياعمي؛ بعد المهزلة دي رجعت بيتنا مشي من شارع
الكورنيش، والكراسة في ايدي طبعًا، عند لحظة معينة قررت إن مكانها الصح مش معايا، هتفضل
محسساني بعجزي طول ما هي قصادي، فخدت قرار احدفها في النيل، وحدفت، ومطمنتش إلا
وأنا شايفها بتشرب عن آخرها، باشت، وفرحت، ملاني شعور إن عجزي الحالي أكيد باش معاها،
وهيجي يوم وهقدر أقرأ الكتاب ده كله من غير ما ارجع لحد.
عشان مطولش عليك....
****
مما يذكره د/ محمود: "ونحن حينما نفهم أنفسنا نصبح
أقوى من كل ظروفنا لأننا نستطيع أن نشكل هذه الظروف، ونتوافق معها".
وعلى هذا الأساس لا بُدّ أن نتوافق مع الظروف، حتى ولو
مرغمين، خصوصًا أن الرومانسية في كينونتها إلتزام بما يحبه الحبيب ويهواه، وإن كان
خانقًا خنقة رائحة الكلور.
****
(مشهد 5)
تلقط الكاميرا اختلاسة أخرى، مع ابتسامة من الطرفين هذه
المرة.
- عشان مطولش عليك يا عمي، كنت في شارع الأزهر قبل ما
ركب القطر، ومتتصورش فرحتي لما لقيت الكتاب، كنت طاير، اشتريته على طول، وقلت لما
نركب القطر هبدأ فيه طوالي، المضحك بقى إني لما فتحته مكنتش مركز في القراءة أد ما
كنت بعصر دماغي عشان افتكر الكلمات الصعبة اللي نقلتها في الكراسة الغرقانة، فكل
ما افتكر كلمة غصب عني بيفلت مني الضحك، سميها كريزة ضحك أو هيستريا ضحك ماشي، لكن
مش جنون والله.
- خجلتنا يا شيخ، وقلنا ده احنا وقعنا، والسكة لساتها
طويلة، بنتي كمان دودة كتب زيك كده، لأ وكمان بتحضر ماجستير، عايزة له كتب مبيعنا
اللي ورانا واللي قدامنا والله.
- أنا أحمد.
- مراحب يا أبوحميد، أنا عمك محمود، المدام، وبنتي الوسطانية
"شيماء" الدكتورة - بإذن الله –.
- الماجستير في إيه يا دكتورة بإذن الله؟
- في الاقتصاد الزراعي...
عمي محمود مقاطعًا:
- طالما طلع عاقل يا "أم محمد" طلعي لنا ناكل بقى،
واهوه يبقى عيش وملح.
****
استعجب من تويست د/ مصطفى محمود حين قال: "آخر حب
هو أعمق حب؛ لأن البنت تحب رجلها بكل خبراتها، وبكل تطورها، وتاريخها، وتبادله
مسرات كثيرة لا حد لها، وليس صحيحًا أن أول حب هو أعظم حب، والصحيح أن أول حب هو
أصغر حب، وأكبر غلطة يرتكبها الرجل أن يتزوج أول حبه".
لحظة واحدة! ألم يكن يتحدث عن البنت في بداية الفقرة،
لماذا أنهاها بذكر الرجل؟!
يبدو أنه اكتشف، أخيرًا، أن الحب الأول والأخير لدى زوجتي،
كبنت، هو زجاجات المنظفات، لا تغفو قبل الاطمئنان عليهم، تحتد في مواجهة كل من
يُسفّه من مفعولهم، تنهش كل من يتلمظ على أعدادهم وألوان سوائلهم، تنهي كل مناقشة غلسه
في حقهم بفرمان الوالدة باشا: "أنا عايزة كلور يا إبراهيم، ومتقوليش الورد
ريحته أحلى من الكلور، وكيلو الكباب والكفتة أنفع وأفيد، هاتلي كلور يا إبراهيم".
تتمة:
قال جوتة: "إنه لأمر عسير أن المرء لا يمكنه الوثوق
تمامًا بالأطباء، ومع ذلك فهو لا يمكنه الإستغناء عنهم"، وبحسب التحوير
الشعبي: "إنه لأمر عسير أن المرء لا يمكنه الوثوق تمامًا بالوالدة باشا، ومع
ذلك فهو لا يمكنه الإستغناء عنها".
هامش:
* أقوال د/ مصطفى محمود من كتابه "في الحب والحياة".
* أما جوته فمن مؤلفات شتى.



