دخول عوالم الباشا ليس كالخروج منها : قراءة في رواية بنات الباشا للكاتبة نورا ناجي

رواية بنات الباشا نورا ناجي


راكمت نورا ناجي في روايتها بنات الباشا طبعة دار الشروق، 2021م؛ على مهل وبشكل مدروس طبقات من التميز، بدايةً من الفكرة، حتى التصوير والمعالجة. فما تعنيه وتعتني به نورا ناجي في الرواية أصيلٌ في معارك التجديد، الفكرية والاجتماعية؛ لأنه يرتكز على خصوصية الحالة للإنسان، فحتى وإن جمعتنا سياقات وأُطر ثقافية شبه موحدة، يبقى لكل فرد استقلاليته الفكرية، بحسب صراعه هو مع واقعه.

تسع قصص متقاطعة، لتسع فتيات يجمعهن مكان واحد، بيوتي سنتر الباشا، ولا تماثل جوهري بينهن تقريبًا إلا في:

"من الغريب قدرتنا على الغفران لمن نحبهم برغم فداحة فعلهم، أشعر وكأن حبي يجبرني على الخضوع والنسيان، وأشعر أحيانًا أن الكراهية قوة لا يملكها إلا من يستحقها، أما الضعفاء فمبتلون بالحب، مبتلون باسترجاع مرارة الذكرى وحدهم في لحظات الصمت والسكون قبل النوم، دون حتى أن يملكوا القدرة على الصراخ ألمًا".

نجاحها الأول في جرجرة القارئ – بمزاجه – إلى إلتهام الرواية، فما إن يبدأ حتى ينتهي، مع تأنيب ضمير "بايخ" لو توقف لدقائق مجبرًا بفعل العطش، أو حرقان العين أو التوق لفنجان قهوة.

أن تفرد مساحة لحكايات من عالم المهمشين المكتوم، هو أيضًا نجاح، خاصةً تلك التي يتجلى فيها الصراع النفسي الداخلي مع موروثات ثقافية، لا مجال للحياد عنها إلا بالخطيئة، ومع أطر مجتمعية حاكمة للتصرفات، لا سياق لكسرها إلا بالهروب، وحتى مع الخطيئة أو الهروب لا ضمانة للانتصار أو لنجاح الكسر.

ولكن النجاح الأكبر؛ حكيّ هذا الشائك، والمكتوم أغلبه، بعمق، وبغير ابتذال، وبعيدًا عن القوالب السطحية التي قولبتها أفلام المقاولات الرخيصة، وصارت عِماد من أراد الحديث عن أبناء الطبقات الدنيا، وبالأخص نساءها.

ظني – والله أعلم – أنها عايشت فعلًا شخصياتها التسع، واستبطنت تجاربهن الواقعية، ثم جلست تكتب. وإذا شطح بنا الخيال إلى أن نورا توظفت فعلًا في بيوتي سنتر، متخفية تحت اسم مستعار، لأجل عيون الكتابة، فالشطحة مقبولة التصديق لشواهدها، فالحس الإنساني الغير مفتعل في كل شخصية، وهو الغائب بالطبع عن كتابة "أديب المكتب" الذي يجمع ثيمات شخصياته من مؤلفات آخرين؛ لا يمكن اعتباره خيال محض، وإذا كان خيالها على هذه الدرجة من الإنسانية؛ فاجعل ذلك طبقة التميز الأولى.

كما لم يكن نجاحها في الإنطلاق من محور درامي معقد بالأساس، قاصرٌ على الغوص غير الرخيص فيه، أو على واقعيته الشديدة فقط، ولكن أيضًا من بحثها الدائم عن مخرج النور وسط ركام العتمة. الرواية وإن كانت تناقش وتحلل إنسان الآن، وتتناول جانبه الواقعي الحالي، الغارق في ظلامات الخطيئة والهروب الدامسة، إلا أن المؤلفة ظلت متمسكة بقناعة وجود نور وأمل، حتى في أشد الأركان إظلامًا، فلم تطمس أبدًا بصيص الانفراجة المحتمل.

إشادة نورا ناجي بمراجعة الرواية


تستشتف أنت هذا التوجه من: بلاغة فصحى السرد، وعذوبة الحوارات مع النفس ومع الغير، والتي اعتمدت فيها على تكنيك الفقرات القصيرة، الدسمة بالمعاني الخفية بأكثر مما هو بادي على السطح، وهو ما أكسب صدقًا فنيًا، وحجز للكتابة مرتبة متقدمة على المسار المحفوظيّ البليغ والبسيط: "بقرش فول يا عم"، أو كما يطلق عليه الأكاديميون: "اللغة الثالثة. اللغة البيضاء".

وأيضًا من: منطقية ردود الأفعال، وتماهيها مع الملامح الشكلية والجسدية للشخصية، وتماشيها كذلك مع المنعطفات السلوكية المتوقعة جراء التكوين البيئي والمادي لمكان التنشئة، وهو ما أكسب التفاعل مع الحياة ومع المحيطين حيوية.

وبعيدًا عن سلاسة الحكيّ وعقلانية التشخيص، هناك مقاربة واعية وغير فوقية في تناول آلام النساء التسعة، وفي شرعنة تباين تصرفاتهن، حتى وإن تطابق الوقوع في نفس الفخ. والشرعنة هنا ليست دعوة للتعاطف معهن، ولكنها دعوة لعدم التعالي، والإقرار بوجود فروق فردية ومتغيرات حياتية لكل امرأة على حدة، يُتقبّل معها استثنائية ردود أفعالها وتصرفاتها، ولو تشابهت المواقع وظروف التنشئة مع أخريات.

وحقيقة؛ كان من الآثار الخفية لهذا التناول الواعي؛ هدم الرؤيتين: الذكورية والنسوية، والذي يعكس ما فيهما من تصلب وتكلف وكفر بالتنوع والاختلاف، الأطروحات الموحدة لديفيله الكرافتات والسكارفات على شاشات قنواتنا الفضائية، والصراخ بوجوب أن تتوحد النسوة تحت هذه الراية أو تلك، دونما اعتبار للفردية والخصوصية، لتصبح المحصلة جعجعة بلا طحين على الأرجح.

"لا أحد" - مثلًا - تصرّفت على وقع من العِوز:

"هؤلاء بكل بساطة، نسوة يملكن بيوتهن الخاصة، ملابسهن الأنيقة، مصدر دخل ثابت، فلا حاجة لهنّ بالرجل ولا الزواج، ربما تعيش كل منها حياتها مع صديق أو عشيق، أمّا أنا، فماذا عليّ أن أفعل؟ أنام على سرير متهالك في صالة ضيّقة باردة في الشتاء وخانقة في الحر، لا أعرف أحدًا ولا يعرفني أحد، أتمنّى سماع كلمة لطيفة ولو «شكرًا»، فلا أسمع". وعلى أثر اختبار صعوبة التغيير بالتزامن مع استمرار البقاء داخل محددات الطبقة: "تزداد حدّة المعاكسات فأشعر بالقلق، أحاول السير بشكل أسرع، يلطشني صبّي صغير على مؤخّرتي فأنتفض...".

في حين اختارات "جيجي" التحايل، واستعانت بما يداريه: الزواج الصوري وارتداء النقاب، كحاجزين تتخفى وراءهما، كما وفرت لضميرها ما يُسكته من مبررات وأعذار:

"أنا لا أخون زوجي مع الباشا، أنا أخون الباشا مع زوجي، وهو يخونني مع زوجته، إنّه من حقيّ وأنا من حقه، لكنّ العالم لا يسمح لنا بذلك".

أما "جيلان" فلم تخرج ولم تتحايل صراحةً، بل خلقت واقعًا موازيًا يرضيها عبر أحلام اليقظة، التي تعلمت التكيّف معها قبيل انتهاء القلم السنون الذي لم يبدأ بعد:

"أعيش في واقع موازٍ طيلة الوقت، فيه أنا أميرة الأميرات.... يأتيني الباشا في أحلام يقظتي فارسًا على صهوة جواد، يخطفني من واقعي البائس ويحملني إلى عالم آخر..... أنا غارقة في أحلام يقظتي منذ الطفولة...".

و"نهال" عند لحظة شعورية فارقة قادت إليها التراكمات، لم تُعر المحددات اهتمامًا، كما لم ترضى بالخيال:

"أشعر بأنّني نجسة فعلًا كما يقول... لا شيء يمنعني... أثبتت تهمة النجاسة عليّ أمام نفسي فقط، لكنّها برّأتني منها أمام الجميع".

بيوتي سنتر


"منى" و"ياسمين" قبلتا المفروض ولم تناقشا. كما لم تناقش "فلك" أيضًا، بالرغم من تمردها المدفوع بعنجهية مزيفة لأب موهوم وبنت عديمة الموهبة، ربع متحققة، لكنها أيقنت بعد فترة من موات روحها في صمت، فحاولت إحياءها ولو للحظات قبل أن يُسدل ستار العمر.

بينما "زينب" التي لم تحتاج إلى أيٍّ من هذا كله، والمحسودة ممن حولها من الواهمات، المتمنيات لمكانها ومكانتها عند الباشا، ما لبثت أن اكتشفت الزيف، البراق في مظهره، الحزين في بؤبؤه.

ولا شك ستخونك عيناك بالدموع - كما خانتني - مع "أم لوسيندا" لفرط قسوة الجبرية، والتي جعلت الاختيار بحد ذاته ترفًا، وجعلتها كأنثى معاقة حتى عن التطلع لما هو أبعد، بشكل نهائي، وغير قابل للتبدّل، وأقصى طموحها الحفاظ على ما بيدها من خلال السير الأعمى خلف السائرين.

قبس النور القادر على تبديد العتمة، والذي ظلت الأديبة تراهن عليه من البداية، تجسَّد في "نادية". الشخصية التي تعتقد - كقارئ - أن دورها في الحديث عن نفسها وآلامها واختيارتها قادم لا محالة، وبمساحة أكبر من الأخريات، ولكن تنفد منك الصفحات لتكتشف بطلان اعتقادك؛ فقد شغلت مساحة سردية، أقل من عُشر معشار المساحة المتاحة لغيرها. تدري لماذا؟!

لأن العبرة ليست من نادية؟ العبرة أن تكون أنت – القارئ – نادية، أن تكونها في قراءة حيوات الناس من داخلها، من منظورهم هم، بدون أحكام مسبقة ولا تصنيفات جزافية. أن تخفف عنهم المرارة بالقبول، وأن تتمحور فاعلية دورك معهم في:

"- الحق أنّك ساعدتيني، ساعدتيني على معرفة أنّني قادرة، وأنّني أستطيع المواجهة، أستطيع الوقوف بجانب نفسي، أستطيع أن أكون أنا، ولا أن أظلّ مجرد سلعة تُشترَى وتباع، زخرف يزيّن حياة فارغة، آلي يسير بالقوى الدافعة".

دخلت عوالم بنات الباشا دون أن أكون "نادية" لأحد، وخرجت وأنا عازم على أن أكونها لأقربهن إليّ، بنتي، بنت الثمانِ سنوات، بعد أن فهمت:

"لماذا تأتي كل هذه النساء إلى الكوافير..... كُلّهنّ يردن تمييزًا، التميّز يمنحهنّ القوة، يجعلهن قادرات على تحقيق ما يردنه".

فلن اعتبر من اليوم مشاوير ومصاريف الاكسسوارات وتكاتيك الشعر "بالأمور التافهة كما يقول الرجال، إنها أساسيات حياة المرأة...". وسأجتهد في حذو طريقة "نادية" مع بُنيّتي:

"وكأنها ظهرت من اللا مكان كعادتها، تبتسم لي...

- أنت تعنين لي الكثير..

* ماذا؟

- أنتِ أحد بالنسبة لي، إنسان، امرأة جميلة بشعرك، بالإيشارب بأي شيء".

البطل الأسطوري الوهمي ونظرة الفخر الحقيقية

البطل الخارق


يمسك بلوحته ويقف أمام باب المطبخ منتظرًا..

يراها تغسل صحنًا يلي الآخر.. ثم يأتي أخيرًا دوره مع آخر الصحون..

تستدير  بحماس  مع كلاماته: انظري هنا..

تلمع عينها عندما تقع على رسمته..

يرى  نظرتها اللامعة أكثر من أيّ صحن مغسول..

"نظرة الفخر" التي انتظرها منذ الصباح، بعد نظرة الخزي عندما أسقط كوب العصير..

نظرة بحث عنها وسط ألوانه ودفاتر رسمه.. جمع مهاراته ليُخرج رسمة تبهر عينيها..

**

لا ننكر أننا بحثنا عن هذه النظرة  في عيون أمهاتنا، وبعد ذلك انتقلت إلى المعلمين في المدرسة، أصدقائنا المقربون، قدوتنا ومثلنا الأعلى.. وأخيرًا شريكنا في الحياة.

لا نبحث بعشوائية، ولا تسمح أعيينا لاستقبال هذه النظرة من أيّ أحد.. هناك شخص قد فضلناه عن الجميع!..

من وجهة نظري؛ تعريف "نظرة الفخر": إشارات من الحب، مخلوطة بدفء فرحة قلب، وأحيانًا يتبعها (حضن) يجمع كل تلك المشاعر..

**

لكن لهذه النظرة عيوب؛ فهي مربوطة بخيطٍ حادٍ له طرف آخر، عنوانه: "يجب ألا أقع في الخطأ".

ويُشبك الخيط بالإبرة؛ فتغرز في العقل أول جريمة ارتكبها الانسان في حق نفسه ؛ "أن أكون مثاليًا".

لن أسمح بارتكاب الأخطاء، يجب أن أُحافظ على هذه النظرة، يجب أن تتوالى الإنجازات، وتُزيّن حياتي الانتصارات..

يحمل حقيبته ليخرج؛ باحثًا عن سراب المثالية.. يدور سؤال في عقله مع دورانات الطرق والمنحدرات: "هل سيتقبل أحد وقوعي من الخيط؟!.. ماذا لو لم أحقق شيئًا هذه المرة؟".

**

الكمال لله وحده.. نُدرك ذلك جيدًا..

ولكن ننساه عندما نرى أيّ شخص يحقق إنجازًا فشلنا في تحقيقه، أو لم تسمح لنا الظروف..

فهناك (ابن الخالة الاسطوري)، الذي تفوق في كل الاختبارات، وسافر إلى الفضاء مرتين، ويملك  نصف ثروة الأرض تقريبًا..

لا ترى أعيننا نواقص الآخرين، ولا يرى الجميع نواقصنا؛ ولذلك نغفل أن هناك الخطأ فيها مسموح..

**

قضيت نصف حياتي خائفة من الوقوع في الخطأ، ارتديت ثوب المثالية المزيف، أخفيت حقيقتي التي تُخطئ.. وتفشل.. تنجح.. وتتبعثر... بعد نظرة خزي واحدة تلتها عبارة: "لم نتوقع منك ذلك".

**

تسرق المثالية إنسانيتك، تُخفي غضبك أحيانًا.. وتُخفي دموعك مرات. تسعى لأن تصير الأفضل.. وفي خيالك مشهد النهاية، عندما يعتلي البطل المسرح ليستلم جائزة عن مجمل أعماله، ويرى والدته وأصدقائه جالسين أمامه، تملأ أعينهم دموع الفرح..

نعم ننسى أن المتعة في الطريق، وليست في الوصول..

في الرحلة الحقيقة نرتدي ثوب (التعلم). نُخطئ.. نتعلم.. ننجح..

نستمتع بضعفنا.. بفشلنا. نعطي للخطأ فرصة ليوصلنا إلى الصواب، نقف في كل محطات الحياة، ونعلم أننا لسنا في صراع لنثبت أننا الأفضل..

وأن نظرة الفخر كان يجب أن تكون موجودة في أعين من نحب، بلا مناسبة.. حتى بلا نجاح..

وأيضًا لا نتغافل عن واجبنا تجاه المقربين منا، أن نمنحهم نظرات فخر مجانية.. حب غير مشروط.. نشكرهم على وجدوهم، نُطمئنهم بتقبلنا عثراتهم قبل  نجاحاتهم. وأننا جزء من هذه الحياة، غير مكتملين، ولن نكتمل.. إلا بعد فوات الأوان..

مفتون بسحرك.. وبخبي!

حب

 

مفتون بسحرك.. وبخبي!

خفي الدلال وبلاش.. تصدي

عندك كلام ف الهوى.. ردي

كُتر البعاد مقدرش عليه

 

لو يوصفوكي.. مفيش قدي

مُخلص وقلبي يصون ودي

شفتك.. لقيت طالع سعدي

وإللي يحب.. يبان ف عنيه

 

جايلك هوايا فيه ردي

مرسال غرام شايل وردي

منديل وعطره دموع خدي

وشوق يطول السما بإيديه

 

دوقي الأمان.. ياللي حبك شهدي

إدي الحنان.. وَفّي وعاهدي

عدّي السنين.. قبلي وبعدي

عمري وعمرك حبنا يرويه

 

خمرك حلاوته في راحة يدي

ألمس.. أدوب.. يانا يا وعدي

لمسة في حلم.. صحاه.. صوت نبضي

سكران ينادي.. ردي عليه

 

ف الصوره.. أنا بيه وأفندي

حب وحنان.. وصلك عندي

يا أميرة.. أنا على بابك جندي

فارس وحبك.. بضلوعي أحميه

رسائل العالم الآخر.. "كنا بخير.. لولا الآخرون"

انتحار شنقا


بحسب ما يُتداول؛ كان آخر ما كتبت الأديبة الإنجليزية "فيرجينيا وولف" لزوجها قبيل انتحارها:

"أيّها العزيز، لقد عدتُ إلى الجنون مرة أخرى، ولا أظنّ أن بإمكاننا النجاة مجددًا من تلك الأوقاتِ السيئة.. أنا لن أتعافى هذه المرّة.. أصبحت أسمع أصواتًا كثيرة داخل رأسي، ولم أعد قادرةً على التركيز.. لذلك سأفعل الأفضل لكلينا".

ثم وضعت مجموعة من الحجارة في معطفها وألقت بنفسها في نهر "أوز"..

بعد ثلاثة أيام؛ عُثر على جثتها؛ فقام الزوج بدفنها، وكتب على شاهد القبر عبارة من راوية "الأمواج"، روايتها هي.. كتب:

"سأقذف نفسي أمامك، غير مقهورة أيها الموت، ولن أستسلم".

في الرسالة الأخيرة لأخيه "ثيو"؛ كتب الرسام الهولندي "فنسنت فان جوخ":

"عزيزى "ثيو".. إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يُفقد الأشياء بهجتها، ويقودنا نحو الكآبة.. إنني أتعفن مللًا لولا ريشتي وألواني هذه".

ويلزم التنويه هنا؛ إلى أن هذه الرسالة لم يثبُت مصدرها إلى الآن، ولا يُعرف يقينًا إن كانت مكتوبة بيد "فان جوخ" أم من تأليف المترجم الذي تولى أمر ترجمة رسائله كلها. حتى إن طريقة انتحاره محفوفة بالغموض والشك، وأقرب الروايات وأكثرها منطقية تقول أنه انتحر بإطلاق الرصاص على نفسه.

بعيدًا عن الشك واليقين الملفوف بهما حوادث الانتحار عمومًا، وانتحار المشاهير والمؤثرين على نحوٍ خاص.. هنالك سؤال جوهري أولى بالبحث، وبحثه -أي السؤال- لا شك سينتج عنه سيل عَرِم من أسئلة جديدة..

- ما دافع المنتحر إلى ترك رسالة، لا سيما وأنه لا يعلم مصيرها بعد انتقاله إلى العالم الآخر؟!

أليس من الوارد ألا تُقرأ أبدًا من أي أحد؟!

أليس من الممكن سقوطها في يد غير أمينة.. يد لا تُقدر للرسالة أهميتها؟!

محتمل كذلك أن تُقرأ من شخص حاقد، أو سفيه!.. حاقد على المنتحر، أو مُسَفّه لفعل الانتحار ودوافعه وشجونه.

لننحي الأسئلة الوليدة جانبًا لكي لا يزيع السؤال الرئيس..

- لماذا كتابة رسالة في هكذا موقف ضعف؟!

ما الذي دار في عقل ووجدان منتحر يكتب مثل تلك الكلمات الوداعية؟

كيف كانت عاطفته؟

يبدو ألا سؤال رئيسي لفهم هذا الموقف الكئيب! الانتحار.. إنها شَرَك من الأسئلة اللامتناهية! سؤال يُنبت أسئلة إلى ما لا نهاية.

 ولكن الملحوظ في أغلب رسائل الانتحار التي ذيع فحواها على البشرية؛ أنها دومًا موجهة إلى شخص واحد، مُعيّن يبث المنتحر له وحده بكل شجونه وقلقه.. وخيبته، ويكأنه يخبره هو دون غيره بتأكده من أنه الوحيد الذي لن يلومه على مثل هذا الفعل، لن يجادله في بشاعة الانتحار، ولن يحاججه في سراب نتائجه.

دعم نفسي


"زينب" حبيبة أحمد الطحان هي الأخرى انتحرت بعدما فقد الأمل في كل شئ وكل أحد؛ فرثاها بقصيدة قائلًا:

"هعرف أسامحك على كل حاجة.. حتى الغياب".

لعلها أقصر إجابة، أظهر حجة كاشفة، على لماذا يختار المنتحر شخصًا يُحدثه في رسالته الأخيرة؟ ولماذا لا يبث حيرته مشاعًا للجميع؟

لعل السبب المحوري هنا كامن في التجربة الشخصية البحتة للموت، فإذا ما قُدّر للميت التحدث عنها؛ فلا بدّ أنه سيختار شخصًا يُؤثِره بما في التجربة من ألم.. حكايات، أبعاد، زوايا نظر..

ولكن.. ما معايير الاختيار؟ ولماذا هذا الشخص وليس ذاك؟

يُكمل "أحمد الطحان" رثائه في القصيدة قائلًا:

"بس عارفه ضحكت إمتى؟!

لما جه تفكير ف بالي..

إن أبويا مات كافر! لإنه مات موتة ربنا!"

نسيت أن أخبرك أن "زينب" لما انتحرت لم تكتب رسائل لأحد!.. لكنها لو كانت كتبت؛ فبالتأكيد كانت ستختار "أحمد"..

لماذا؟

تكفي السطور الثلاثة السابقة ليظهر أنه الشخص المناسب للائتمان على حكايات الموت الشخصية؛ لقد شكك في بديهيات لأجل أن يجد سببًا يُقنع به سائله عن حبيبته "زينب" وما فعلت. لبرهان أنها لم تكن مخبولة.. ولا حتى مُرغمة.. وهو من فرط التضامن ألبسها ثوب شجاعة، في وقت يُزدرى فيه المنتحر ويُشتم..

"دلوقتى ببص للمروحة وابتسم..

أنتِ كنتِ شجاعة.. متعلقتيش بحبال دايبة

مبصتيش ف الساعة..

طلعتي وعلقتي نفسك فيها

رغبتِ الموت باستماتة

بس أنا لسه جبان يا "زينب"..

أخري بشغلها على تلاتة"

دائمًا الرسائل وسيلة تحدث مع الشخص الأقرب، يُلجأ إليها دومًا للتعبير عما يكنزه الخُلد.. عما يدور في الخاطر. يلجأ إليها المنتحر ليقول ما لم يَقُله في حياته؛ لأنه -كمنتحر- متيقن أن لا أحد يسمعه.. يفهمه.

محتمل أن ما يجمع رسائل الانتحار كلها، من مشهورين، ومن مغمورين، أن كاتبيها رأوها الفعل الأصوب، الأصدق.. رأوا في الموجهة إليهم الرسائل داعمين لهم، بالرغم من كون قرار الإنتحار في ذاته لا يحتاج إلى التفسير، ولن يتوقف على رأي آخرين.. بل أحيانًا كثيرة يكون هؤلاء الداعمين – المرسلة إليهم الرسائل- من جملة الأسباب على اتخاذ القرار، وتنفيذه.

لكن أيًا كان دور البشر هنا؛ فهي ولا شك لحظة تجمدت خلالها عزيمة الاستمرار، تضخم خلالها الأمل بالفرار، تخلى أثناءها الحلم عن هدفه، وسُلب فيها الطموح إرادته.. نفس هذه اللحظة؛ يبحث خلالها المنتحر عن شعور قوة.. نشوة انتصار.. فلا يجد غير حياته، ينتصر عليها بالتخلص منها.

لا تنتظروا حتى لا يبقى أمامكم سوى دعم الحكاية في الرسالة الأخيرة بقبولها.. بل ادعموا الحكايات وهي على قدمين تمشي.. اقبلوها..

في احدى المصحات النفسية؛ وجد أحدهم عبارة مكتوبة على أحد الحوائط: "كنا بخير.. لولا الآخرون".

علاء سعد حميده من مصر يكتب: آفة مجتمعاتنا التطبيع والتمييع! (1-5)

كتب: علاء سعد حميده

مسجد في ساعة غروب الشمس


تعاني مجتمعاتنا من العديد من المشكلات المعقدة والمترابطة والمتداخلة إلى الحد الذي عقّدت فيه مسارات الحياة الميسّرة في مسارات صحية مستقيمة في تلك المجتمعات، بالإضافة إلى صعوبة –تكاد تبلغ حد الاستحالة – للفصل بين كل مشكلة والأخرى وتناولها على حدة.

والمتأمل في حال مجتمعاتنا يجد آفتها المعضلة عملية التطبيع مع المنكر من المعتقدات والأفكار والمناهج والتيارات والأخلاق والسلوكيات والظواهر والمظاهر.

عندما وضع الله تبارك وتعالى المنهج الذي يمشي عليه الإنسان في الأرض وسع علمه أن الإنس ليسوا كالملائكة، وأنهم سينسون ويتعثرون ويخطئون ويعصون (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) ]طه: 115[؛ ولذا لم يفترض المولى فيهم عصمة ليست من جبلتهم، ولا طالبهم بها، وإنما طالبهم بالتوبة والمغفرة بعد المعصية والأوبة بعد الهجران. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".

فالخطأ والخطيئة والمعصية لا تنفك عن الإنسان ولا ينفك عنها الإنسان، وإنما يؤاخذنا المولى عز وجل على الإصرار على المعصية، وتشتد مؤاخذة الله تعالى على الإعلان بالمعصية والمجاهرة بها.

ولا يعني ذلك أن الله تعالى يريد من عباده أو يرضى لهم أن يكونوا مجموعة من المنافقين يفعلون في السر في خفية عن أعين الناس ما لا يفعلونه أمامهم، حاشا لله تعالى أن يرضى لعباده ذلك، ولكن لأن الإستعلان بالمعصية والمجاهرة بها يخرم خرمًا في بنية المجتمع الإيمانية والثقافية والتراثية على النحو الذي ستتناوله المقالات القادمة بمشيئة الله تعالى.

علاء سعد حميده كاتب من مصر
علاء سعد حميده : عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية - عضو الاتحاد العالمي للإبداع الفكري والأدبي- عضو الاتحاد العالمي للمثقفين العرب- يكتب في السيرة النبوية والفكر الإسلامي له عدة روايات منشورة أولها رواية حتى لا تموت الروح، وعشرات القصص القصيرة والمقالات.